في جوف المملكة السعيدة، حيث تحول العرش من رمز للسيادة إلى خزنة موصدة على الفراغ، لا يملؤها سوى صدى خطى الغائبين، إذ لم يعد المقام العالي هنا سوى واجهة لمسرح ظلال، تدير فيه شركة المخزن الأمنية عرضها الأخير بمهارة القراصنة.
بين دفتي رواية ملك –تحقيق عن محمد السادس الذي يفتح أبواب تزمامارت السياسي على مصراعيها، إذ لا نجد دولة بمعايير البشر، بل نجد مختبرا للعبث حيث تطبخ المؤامرات وتباع الأوطان بأسعار الجملة.
إننا حين نقلب فصول هذا العمل الذي يعري عورة المخزن، لا نكتشف سرا جديدا، بل نلمس بأصابعنا جثة سيادة تعفنت تحت أقدام حاشية لا هم لها إلا مراكمة الثروات في حسابات سرية، بينما يغرق الوطن في مستنقع الابتزاز الخارجي.
إن الكتاب الذي صاغه الصحفيان كريستوف عياد ، وفريدريك بوبان، يضعنا أمام حقيقة مفزعة، ألا وهي ان العرش المغربي لم يعد اليوم سوى شركة أمنية مخصخصة، يمارس فيها سدنة القصر دور السماسرة في سوق النخاسة الدولية.
لقد تحولت مؤسسة الحكم كما يوثق الكتاب بدقة جارحة إلى هيكل مفرغ من جوهره الوطني، مرتهن تماما لإرادات صهيونية وغربية تملي عليه خارطة الطريق، ليس لخدمة الشعب، بل لضمان بقاء كراسي ينهشها الصدأ.
واكثر من ذلك، فهو عرش يعيش على الفراغ، يهرع لبيع كرامة البلاد مقابل برامج تجسس ومباركات دولية هشة، متوهما أن عرى بقائه تكمن في عداء الجار، وصناعة عدو وهمي في الشرق،
ظنا منه أن عداوته مع العملاق المجاور سيغطي على حقيقة ساطعة كالشمس والتي تكمن في أن النظام فقد شرعيته، وبات مجرد جهاز استخبارات يرتدي مسوح الملكية.
في هذه الرواية المأساوية، لا يبحث النظام عن المجد، بل يبحث عن وقت إضافي في مباراة خسر فيها كل شيء، تاركا الشعب يتفرج على مسرحية انتحار دولته، بينما الضباط والوسطاء يتقاسمون كعكة الوطن قبل أن تغرق السفينة نهائيا.
إننا لا نتحدث هنا عن دولة، بل عن عصابة استمرأت الانحطاط حتى جعلت من صناعة العدو في الشرق أكسجينا وحيدا يبقي رئتيها المتهالكتين قادرتين على الاستمرار في نهب ما تبقى من جثة الوطن، في حين يقف “المليك” في برجه العاجي،
غارقا في صمته المريب، تاركا المملكة تنهار في فراغ لا قاع له، بينما تتقاذف أجهزة الأمن أشلاء السيادة كأنها غنائم حرب في معركة لا يهزم فيها إلا الشعب.
لا يقدم الكتاب مجرد سرد للأحداث، بل فكك كريستوف عياد وفريدريك بوبان بعيون خبيرة آليات المخزن الذي تحول إلى شركة أمنية عابرة للحدود، فاقدة لأي صفة دستورية.
إننا أمام واقع مرير مخزي، حيث تم استبدال مؤسسات الدولة التقليدية بـسلطة موازية لا تعترف إلا بلغة الأرقام والابتزاز، حيث يصف الكتاب هذا الوضع ببراعة حين ينقل عن مراقب مغربي قوله إنه الحكومة بالوكالة، حيث لا تهم الكفاءات، بل الولاء الأعمى لشبكات مصلحية لا ترى في الوطن إلا غنيمة.
إن هذا النظام الوظيفي الذي يوثقه الكتاب يعتمد اعتمادا كليا على التنسيق الاستخباراتي مع الكيان الصهيوني، وهو ما يشبهه البعض بـعقد إيجار طويل الأمد للأمن الوطني.
ويشير كريستوف عياد وفريدريك بوبان بوضوح إلى اسم محوري في هذه العملية، انه محمد راجي، الذي يصفه بـمسؤول التنصت للملك، ذلك الذي استدعي من التقاعد ليتحول إلى صندوق أسرار الدولة العميق، ويدير صفقات شراء برمجيات التجسس كـبيغاسوس،
التي جعلت من المغرب حسب الكتاب مختبرا للتنصت على الحلفاء قبل الأعداء. وهنا يتساءل الكتاب بحدة: كيف لدولة تدعي السيادة أن تضع مفاتيح أمنها القومي في يد مقاولات أمنية خارجية؟
إننا أمام مشهد تاريخي معيد لنفسه، فكما كانت الممالك الطائفية في أندلس القرن الحادي عشر تستأجر جيوش المرتزقة لتثبيت عروشها الآيلة للسقوط أمام شعوبها، يحاول المخزن اليوم، بـأمنه المخصص، حماية عرش يرتجف من صوت الغضب الشعبي.
ويقتبس الكتاب تحليل الصحفي أبو بكر الجامعي الذي يضع يده على الجرح حين يصف فؤاد عالي الهمة بأنه مهندس العقد الأول من عهد محمد السادس، مشيرا إلى أن هذا المهندس لم يبن دولة، بل بنى جهازا للهيمنة يقوم على مخزنة الفضاء العام.
إن هذا الكتاب لا يكتفي برصد التجاوزات، بل يحلل النية الجرمية وراء هذا التمشي، حيث يحول سدنة القصر كما يصفهم الكتاب الأمن القومي إلى مجرد سلعة للمقايضة الدولية، إن المخزن هنا، بلسان الكتاب وما ينقله عن دبلوماسيين غربيين، لم يعد دولة ذات سيادة، بل موقعا أمنيا مؤجرا يدار من غرف عمليات خارج الدستور.
إن القارئ يقف مذهولا أمام ما يكشفه الكتاب عن محمد راجي وعبد اللطيف الحموشي، حيث يصوران كـقادة ميليشيات أمنية تدير مقدرات الدولة،
وتسخرها لضرب كل صوت حر، حتى بات التشبيه الذي أورده الكتاب تزمامارت الرقمي…أجل هي حقيقة لا مبالغة فيها، حيث يسجن الوطن خلف قضبان بيغاسوس والابتزاز الرقمي.
فزاعة الشرق.. العكاز الأخير لنظامٍ يتوكأ على أوهام العظمة
في رحلة التشريح التي يجريها عياد وبوبان لآليات بقاء المخزن، يبرز الخطر الجزائري لا كحقيقة استراتيجية، بل كـفزاعة وظيفية صممت بعناية لإلهاء الشعب عن الفراغ القاتل في الداخل..
فالكتاب يضع يده على الجرح حين يحلل كيف يحتاج النظام، في لحظات انكشافه، إلى عدو خارجي يبرر من خلاله فشل التنمية المستدامة، ويهرب به من استحقاقات الديمقراطية التي وعد بها في بداية العهد، ثم وأدها في مهدها.
يحلل عياد و بوبان ببراعة كيف تحولت العداوة مع الجزائر من خلاف سياسي إلى صناعة وطنية تدر أرباحا طائلة على شبكات الولاء، وبدلا من أن تكون الميزانيات الضخمة التي يلتهمها قطاع التسلح أداة لحماية أمن المواطن،
يرى الكتاب استنادا إلى تحليلات لخبراء في الميدان أنها تحولت إلى عمولة ضخمة في جيوب الوسطاء الذين يتعاملون مع شركات السلاح الغربية والصهيونية.
إن الكتاب لا يتردد في وصف هذا السلوك بـالاستنزاف الممنهج، حيث يقايض النظام خبز المغاربة بصفقات سلاح لا تستخدم إلا في استعراضات القوة التي يغذيها الإعلام التابع،..
مثل موقع برلمان الذي يصفه الكتاب بأنه لا يكف عن الغناء لتمجيد السياسات الأمنية وشن حملات شعواء ضد كل من تسول له نفسه التساؤل عن جدوى هذه المليارات المهدورة في بحر التسلح.
كما يستدعي عياد و بوبان في هذا السياق تحليلا عميقا للسياسي المغربي،
موضحا أن الاستقرار الذي يتشدق به المخزن هو في الحقيقة تجميد للصراع وليس حلا له، وايضا يشير الكتاب، الى ان الجزائر هي نموذج واضح لظهور تقصير فشل الملك.
فبينما تبني اقتصادها و تكبر في مكانتها الدولية و الإفريقية اتخذها المخزن عدوا، وصناعة العدو في الشرق ماهي الا أكسجين النظام،
فبدونها، سيجد المواطن المغربي نفسه وجها لوجه أمام واقع الفقر المدقع، وانهيار الخدمات العامة، وتغول الأوليغارشية التي يمثلها عزيز أخنوش، الذي يصفه الكتاب بأنه رجل القصر الذي وسع إمبراطوريته المالية في الوقت الذي يئن فيه المواطن تحت وطأة الغلاء.
ويفكك عياد و بوبان هذه المسرحية السياسية ليظهر أن العداء للجزائر ليس سوى حجاب كثيف يوضع على أعين الشعب ليمنعه من رؤية النهب المنظم، فاستثمار النظام في هذه الفزاعة يعكس عجزا بنيويا عن تقديم مشروع مجتمعي حقيقي،
لان المخزن لا يملك تنمية ليقدمها، لذا فإنه يقدم خوفا ليبيعه، و بلتالي اعتبرها الكاتبان استراتيجية الهروب إلى الأمام، حيث يصور النظام نفسه كـسد منيع أمام خطر موهوم، بينما هو في الواقع مخترق من الداخل بمصالح أوليغارشيين لا وطن لهم إلا أرصدتهم في البنوك، ولا عدو لهم إلا كل من يطالب بـدولة قانون تنهي حكم المافيا الأمنية.
ويتسائل بوبان و عياد هل النظام الذي يقتات على العداء للجيران، محكوم عليه بالفناء عندما يكتشف الشعب أن العدو الحقيقي يقطن في قصوره لا في حدوده. !!!
العرش الشبح.. كيف تحول الملك إلى غيابٍ دستوري في مملكةٍ تقتاتُ على أزماتها؟
يفتتح عياد و بوبان هذا الملف بضربة في الصميم، واصفين المقام العالي بأنه بات مجرد أيقونة صامتة ترفع في وجه الجياع لتبرير عجزهم،
بينما الجسد الحقيقي للسلطة قد تآكل حتى النخاع، تاركا العرش مجرد ديكور بروتوكولي يغطي على مافيا تحكم باسمه، و هذا الفراغ في القمة ليس صدفة، بل هو استراتيجية اختفاء متقنة، يمارس فيها المليك هواية الغياب المريب، بينما تتغول الأوليغارشية التي يصفها الكتاب بـالوحوش الضارية، وعلى رأسهم عزيز أخنوش،
الذي استحال من رجل أعمال إلى سجان للقرار الوطني، ينهب قوت الشعب ويبيع أصول الوطن في أسواق النخاسة السياسية بوقاحة لم يسبق لها مثيل.
ويقتبس الكتاب من أروقة المطلعين على سياسة القصر عبارة تقطر مرارة وعفانة إنهم يتركون القصر فارغا من الحكمة، ليملأوه بأجهزة التنصت ومكاتب السماسرة.
لقد باتت المملكة كما يحللها الكتاب تدار بعقلية الإدارة بالتغييب، حيث تترك الأزمات لتتفاقم، ويترك التعليم ليتحول إلى مشروع تجهيل مدروس، وتترك الاحتجاجات لتموت في مهدها ببطش الأمن، لأن المركز منشغل بـحسابات الثروة وعلاقات الخارج.
إن الكتاب يشخص هذه الحالة بكونها انتحارا مؤسساتيا، فالملك الذي من المفترض أن يكون حكما، تحول إلى مظلة تحمي الفاسدين، مما جعل العرش وهذا هو جوهر الشرشحة التي يوثقها الكتاب مؤسسة بلا وظيفة إلا الحفاظ على بقاء حفنة من المرتزقة الأمنيين في السلطة.
عياد و بوبان في هذا الكتاب اطلقا رصاصة القتل الاخيرة على وهم الاستقرار المخزني، حين وصفا الدولة بأنها شركة مساهمة يمتلك فيها الملك الاسم، ويمتلك فيها الحموشي والمنصوري السوط، ويمتلك فيها أخنوش خزينة المال،..
أما الشعب؟ فهو خارج أسهم البورصة هذه، بل ينظر إليه كـرقم إحصائي في سجلات القمع.
إن الغياب الذي يحلله الكتاب هو هروب من المسؤولية التاريخية، فكيف لأمير أن يرى وطنه يغرق في ديون الابتزاز، يكتفي بالصمت أو بـالتنقل بين العواصم بحثا عن بريق زائل؟
إن الكتاب يخلص إلى حقيقة دامغة، ملخصة في أن الدولة التي تترك زمام أمورها في يد أوليغارشية تقتات على أزماتها، هي دولة لا تنتظر إلا لحظة السقوط المدوي، هي ليست مملكة، بل هي مغارة علي بابا تفتقد لـلرأس الذي يضبط إيقاعها
، فغدت مسرحا للفوضى التي لا يضبطها سوى الخوف الرقمي والابتزاز الصهيوني، في مشهد يجعل من العرش أكبر عدو لمصلحة المغرب الحقيقية.
حينَ ترفعُ الشركة يدَها، لن يجدوا أرضاً ليحكموها
بينما يطوي هذا الكتاب أوراقه، يتركنا أمام حقيقة واحدة صاعقة، وهي أننا لا نراقب دولة في حالة تراجع، بل نرصد جثة سياسية لا تزال تتنفس بالهواء الملوث الذي تضخه أجهزة التجسس الصهيونية.
لقد سقطت آخر ورقة توت عن المملكة السعيدة، ولم يعد في الجعبة ما يباع أو يشترى، بعد أن رهنت شركة المخزن سيادة الأرض في أروقة المخابرات الأجنبية، وأعلنت إفلاسها الأخلاقي أمام شعب بدأ يدرك أن العرش ليس سوى غطاء لأوليغارشية مصاصة للدماء.
إن زمن الاستقرار المخادع قد ولى إلى غير رجعة، فليعلم سدنة هذا النظام، من أصغر وشاة برلمان إلى أكبر سماسرة القصور، أن الفزاعة التي صنعتموها في الشرق قد احترقت،
وأن التنسيق الأمني الذي تراهنون عليه كدرع، سيتحول إلى مقصلة حين يقرر التاريخ قول كلمته،
إن الفراغ الذي تركتموه في قمة السلطة، ليس إلا العد التنازلي لزلزال لن توقفه بيغاسوس ولا صفقات السلاح المشبوهة.
لا عودة للوراء، ولا مكان للاختباء، فالمملكة التي تظنونها عقدا أبديا للنهب، ليست في نظر الجيل الذي يقرأ هذا الكتاب، إلا مجرد شركة للتنصت انتهت صلاحيتها قبل أن تبدأ.
وحين تهب العاصفة التي تحضرون لها بفسادكم، لن نجد خلف هذه الهيبة الكاذبة إلا حطاما لعرش ضل طريقه، ووطنا استعدتموه من براثن السماسرة ليغسل عار الحقبة المخزنية بماء الحرية الطهور.
ستسقط الشركة، سيفلس السماسرة، وسيبقى الشعب صاحب الأرض.. وستكون نهاية مملكتكم هي الضجيج الوحيد المتبقي في ميزان التاريخ.
