في السجون السرية المغربية، لا تتوقف المأساة عند حدود المعتقل.
أحياناً، تمتد إلى الجسد الذي لم يولد بعد.
وأحياناً، يولد الطفل في قلب المأساة، قبل أن يعرف حتى معنى العالم الذي جاء إليه.
كانت المعتقلة السالكة محمد الناجم حاملاً في شهرها التاسع.
لم تكن تنتظر ولادة عادية.
لم تكن إلى جانبها أسرتها.
ولا بيتها.
ولا النساء اللواتي يمكن أن يحيطن بالأم في لحظة الولادة.
كانت داخل إحدى الثكنات العسكرية بمدينة العيون المحتلة، وهي معتقلة لدى السلطات المغربية.
كانت تحمل في رحمها طفلاً.
وفي جسدها، كانت تحمل أيضاً خوفاً لا تستطيع الكلمات وصفه.
ثم جاء المخاض.
وُلد الطفل.
لكن الأم لم تحصل حتى على أبسط حق يمكن أن تحصل عليه أمٌّ في تلك اللحظة.
لم تعرف إن كان المولود ذكراً أم أنثى.
فقد عمدت السلطات المغربية إلى أخذ المولود بعيداً عنها.
لم تمنحها الوقت الكافي لتراه.
لم تمنحها فرصة احتضانه.
ولم تترك لها حتى جواباً عن السؤال الأبسط:
ماذا ولدت؟
كان الطفل قد جاء إلى الحياة.
لكن الأم بقيت في ظلام السؤال.
طفلي أين هو؟
هل هو بخير؟
هل هو ذكر أم أنثى؟
ماذا حدث له؟
واين اختفى؟
كانت الأسئلة أكبر من قدرة امرأة أنهكها الاعتقال.
وكانت الصدمة أقسى من أن يحتملها عقل بشري.
تقول الدكجة لشكر إن ما حدث كان له وقع شديد على السالكة محمد الناجم.
فقد فقدت عقلها من هول الصدمة.
لم يكن فقدان العقل هنا ضعفاً.
كان ربما الطريقة الوحيدة التي وجدها الجسد والروح للهروب من واقع لا يمكن احتماله.
أمٌّ تلد.
ثم يُنتزع منها مولودها.
ثم تُنقل إلى مكان آخر.
دون أن تعرف حتى جنس طفلها.
بعد ذلك، بدأت رحلة أخرى.
من مطار الدار البيضاء نحو أكدز.
كانت المعتقلات الصحراويات داخل سيارة.
لكن السالكة محمد الناجم كانت مكبلة لوحدها.
وضعت في وضعية مختلفة عن باقي المعتقلات.
وفي مؤخرة السيارة، كانت تتدحرج بقوة نحو الباب الخلفي كلما صعدت السيارة مرتفعاً.
ثم تعود إلى مكانها كلما انحدرت الطريق.
وسط صراخ شديد.
كان المشهد مؤلماً.
ليس فقط لأن امرأة كانت تتألم.
بل لأن من كانوا معها كانوا يرون الألم، ولا يملكون القدرة على إيقافه.
في السجون، لا يكون العجز أقل قسوة من التعذيب.
أن ترى إنساناً يتألم.
أن تسمع صراخه.
أن تعرف أنه يحتاج إلى المساعدة.
ثم لا تستطيع أن تفعل شيئاً.
ذلك أيضاً شكل من أشكال السجن.
وصلت المجموعة إلى أكدز.
وكان أكدز، كما تروي الشهادات، سجناً تحت الأرض.
مكاناً بعيداً عن الشمس.
وبعيداً عن العالم.
هناك، استعادت السالكة محمد الناجم عقلها.
لكن ماذا عن الطفل؟
لا أحد يعرف.
هل عاش؟
أين ذهب؟
من حمله؟
هل عرفت الأم مصيره يوماً؟
تظل الأسئلة معلقة في الذاكرة.
وما يجعل القصة أكثر قسوة أن السؤال لم يكن عن المستقبل.
كان عن لحظة حدثت بالفعل.
عن طفل وُلد في السجن وتعرض للاختطاف كحالة امه.
وعن أم حُرمت من معرفة أبسط حقيقة تخص مولودها.
في تلك المرحلة، لم تكن المعتقلات يواجهن فقط الاعتقال.
كن يواجهن نظاماً كاملاً من العزل.
العزل عن الأسرة.
العزل عن الأخبار.
العزل عن العالم.
وأحياناً، العزل عن أطفالهن حتى قبل أن تتاح لهن فرصة التعرف إليهم.
لكن قصة السالكة محمد الناجم لم تكن حادثة معزولة في ذاكرة قلعة مكونة.
ففي ذلك المكان، كانت المأساة أكبر من قصة واحدة.
كانت هناك مجموعة من المعتقلين والمعتقلات.
مرضى.
ومسنون.
وأجساد أنهكها السجن.
وبينهم من فارق الحياة.
وتروي الدكجة والنجاة أن المعتقلات عاشن الرعب وهن يطلعن على الوضع الكارثي لمجموعة سنة 1976.
كان من بين أفرادها مرضى وموتى.
وكانت رائحة التعفن تفوح من المكان.
كان الموت حاضراً.
لكن المأساة، كما تروي الشهادات، لم تتوقف عند موت المعتقلين.
فقد كان عدم دفن الموتى يزيد من قسوة المشهد.
كان الموتى يبقون حاضرين أمام الأحياء.
وكأن الموت نفسه تحول إلى جزء من الحياة اليومية داخل السجن.
في مثل هذه الظروف، كان الهدف يتجاوز احتجاز الأجساد.
كان هناك صراع على الروح.
على المعنويات.
على القدرة على الصمود.
كان السجن يقول للمعتقل:
انظر إلى ما يحدث.
انظر إلى من مرض.
انظر إلى من مات.
وانتظر دورك.
لكن المعتقلات، رغم كل ذلك، واصلن البقاء.
فكل يوم يمر كان انتصاراً صغيراً.
كل صباح يطل من خلف الجدران كان دليلاً على أن السجن لم ينجح بعد.
وكل كلمة تُقال كانت مقاومة.
بعد عامين وبضعة أشهر من السجن الانفرادي، نُقلت النجاة أخنيبيلا إلى مجموعة سنة 1976.
هناك، التقت بعدد من الشيوخ والنساء المسنات.
كانت المجموعة تحمل سنوات طويلة من الألم.
لكنها كانت تحمل أيضاً شيئاً آخر:
القدرة على تنظيم الصمود.
هناك، شاركت النجاة في أول إضراب عن الطعام تقوم به المجموعة.
كان الجسد قد أنهكته سنوات السجن.
لكن الإضراب كان يقول إن الجسد، حتى عندما يضعف، يستطيع أن يتحول إلى رسالة.
كانت المعتقلات يملكن القليل.
لكنهن امتلكن إرادتهن.
ومن داخل السجن، بدأ سؤال جديد يطرح نفسه:
إذا كان الجسد قد أُنهك...
فهل تستطيع الروح أن تستمر؟
وكان الجواب يأتي من كل يوم جديد.
من كل معتقلة تصمد.
من كل امرأة ترفض أن تتحول إلى رقم.
ومن كل أم تحمل في ذاكرتها طفلاً لا تعرف أين ذهب.
كانت قلعة مكونة مكاناً للموت.
لكنها كانت أيضاً مكاناً للحياة.
ففي الوقت الذي كان فيه السجن يحاول قتل الذاكرة، كانت المعتقلات يحفظن أسماء بعضهن.
وفي الوقت الذي كان فيه يحاول فصل الإنسان عن الإنسان، كانت كلمة واحدة تعيد بناء الرفقة.
وفي الوقت الذي كان فيه يحاول إقناعهن بأنهن وحيدات، كانت كل واحدة منهن تقول للأخرى:
نحن هنا.
لكن سنوات السجن لا تمر بسهولة.
فالملل يتحول إلى تعب.
والتعب يتحول إلى إرث ثقيل.
والذاكرة، التي كانت مصدر قوة، تصبح أحياناً مصدراً للألم.
ومع ذلك، كانت هناك لحظة تنتظر الجميع.
لحظة لا يعرفن متى تأتي.
لكنهن كن يؤمن بأنهن سيصلن إليها.
لحظة فك القيود.
لحظة الخروج.
لحظة رؤية الشمس من جديد.
لكن قبل أن يأتي ذلك اليوم، كان على الدكجة والنجاة أن تعيشا سنوات أخرى من الانتظار.
سنوات كان السؤال فيها يتكرر:
متى؟
متى تنتهي هذه المحنة؟
وفي الحلقة القادمة:
فك القيود... حين تقترب الحرية، لكن بعض الأحزان تكون في انتظارها.
يتبع...
