من فم الثعبان إلى نور الحرية
ثمانية أيام من الاختفاء.
ثم أسابيع من السجن.
ثم شهران في زنزانة انفرادية لا تتجاوز مساحتها أمتاراً قليلة.
كانت الدكجة لشكر تدرك أن سلطات الاحتلال المغربي لا تريد فقط سلبها حريتها، بل كسر إرادتها وإرغامها على التراجع عن قناعاتها.
لكن ما لم يدركه سجانوها هو أن سنوات قلعة مكونة صنعت منها امرأة تعرف كيف تتعايش مع الألم، وكيف تحول المعاناة إلى قوة.
داخل سجن سلا، كانت الأيام متشابهة.
ليل طويل.
صمت ثقيل.
وجدران إسمنتية لا تحمل سوى آثار من مرّوا من قبل.
كانت الساعات تمر ببطء، حتى أصبح الزمن نفسه جزءاً من العقوبة.
لم تكن الدكجة تخشى السجن بقدر ما كانت تخشى أن يُطوى ملف رفاقها في صمت، وأن تتحول معاناتهم إلى خبر عابر.
لذلك، قررت أن تجعل من جسدها وسيلة احتجاج.
دخلت في إضراب عن الطعام، مطالبة باحترام حقوقها الأساسية، ومنددة بظروف اعتقالها.
ومع مرور الأيام، بدأت آثار الإضراب تظهر بوضوح.
فقدت الكثير من وزنها.
وأصابها الإرهاق.
وأصبحت الحركة أكثر صعوبة.
لكنها كانت تردد لمن يحاورها إن الحرية لا تُقاس بعدد الأيام التي يقضيها الإنسان خارج السجن، وإنما بقدرته على التمسك بمبادئه.
أمام تدهور وضعها الصحي، أُنجز تقرير طبي رفع إلى قاضي التحقيق العسكري.
وبعد دراسة الملف، صدر القرار الذي انتظرته عائلتها ورفاقها طويلاً.
في يوم الخميس 28 يناير/كانون الثاني 2010، أُفرج عن الدكجة لشكر مؤقتاً، في انتظار استكمال الإجراءات القضائية.
كان ذلك الخميس مختلفاً عن كل خميس سبق.
في الصباح، كانت لا تزال سجينة.
وفي المساء، كانت تستنشق الهواء خارج أسوار السجن.
لكنها لم تعتبر خروجها انتصاراً شخصياً.
كانت تدرك أن رفاقها ما زالوا خلف القضبان.
وأن الحرية التي استعادتها لم تكن كاملة، ما دام آخرون ينتظرون دورهم.
خرجت منهكة الجسد.
لكنها خرجت أكثر إصراراً.
لم تحمل معها رغبة في الانتقام.
بل حملت شهادة جديدة عن تجربة أخرى من الاعتقال، لتضاف إلى سجل طويل من المعاناة والصمود داخل سجون الاحتلال المغربي.
كان كثيرون يعتقدون أن السجن الثاني سيجبرها على الابتعاد عن العمل الحقوقي والمرافعة عن حقوق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال.
لكن ما حدث كان العكس تماماً.
فبعد استعادة حريتها، عادت إلى الدفاع عن حقوق الإنسان، وإلى توثيق الانتهاكات، وإلى المشاركة في اللقاءات والندوات، مؤمنة بأن الشهادة مسؤولية، وأن من عاش التجربة لا يملك حق الصمت.
لقد أدركت الدكجة أن السجين، حين يخرج، يصبح شاهداً.
والشاهد لا يروي حكايته لنفسه، بل للأجيال القادمة.
فذاكرة الشعوب لا تُبنى بالوثائق الرسمية وحدها، بل تُبنى أيضاً بشهادات الرجال والنساء الذين عاشوا الأحداث، وحملوا آثارها في أجسادهم ووجدانهم.
وهكذا، تحولت تجربة السجن من جرح شخصي إلى رسالة عامة.
رسالة تؤكد أن الاعتقال لم ينجح في إسكات الأصوات، وأن الزنازين، مهما اشتدت قسوتها، لم تستطع أن تمنع أصحابها من مواصلة الدفاع عن قناعاتهم.
واليوم، وبعد عقود من الاعتقال الأول، وسنوات على الاعتقال الثاني، لا تزال الدكجة لشكر، إلى جانب رفيقتها النجاة أخنيبيلا وعدد من الناشطات الصحراويات، تواصل حضورها في المحافل الحقوقية، وتشارك في نقل معاناة الضحايا، وتطالب باحترام حقوق الإنسان، مستندة إلى تجربة دفعت ثمنها من عمرها، لكنها لم تتخلَّ عنها.
قد يخرج الإنسان من السجن، لكن السجن لا يغادر ذاكرته بسهولة.
غير أن الذاكرة، عندما تتحول إلى شهادة، تصبح أقوى من الجدران، وأبقى من القيود.
وفي الحلقة الأخيرة...
"شجاعة نساء"... كيف تحولت المعتقلات السابقات إلى شاهدات على مرحلة كاملة، ولماذا بقيت قصصهن جزءاً من الذاكرة الجماعية للشعب الصحراوي؟
يتبع...
