القائمة الرئيسية

الصفحات

ناجون من الموت (8) : الذاكرة التي انتصرت على الصمت... حين أصبحت الشهادة أمانة للأجيال

     


قد تنجح سنوات الاعتقال في تقييد الجسد، لكنها، كما يروي بشرايا أبا حازم وفاطمتو دهوار من المعتقلات السرية، المغربية لم تستطع أن تمحو الذاكرة أو تطفئ الرغبة في رواية الحقيقة وفضح الانتهاكات التي طالت عدد من المختطفين الصحراويين.
فبعد سنوات طويلة من الاختفاء القسري داخل معتقلات أكدز وقلعة مكونة ودرب مولاي الشريف، خرج المعتقلون الصحراويون السابقون حاملين معهم ما هو أكثر من آثار التعذيب وآلام السنين، خرجوا بشهادات اعتبروها مسؤولية أخلاقية ووطنية، ووسيلة لحفظ ذاكرة مرحلة من أكثر مراحل تاريخ الشعب الصحراوي قسوة في سجون الاحتلال المغربي واقبيته السرية الرهيبة.

من ضحايا إلى شهود على التاريخ
لم يختر كثير من الناجين الصمت بعد الإفراج عنهم، بل جعلوا من شهاداتهم وسيلة لتوثيق ما عاشوه، إيمانًا منهم بأن ذاكرة الشعوب لا تُبنى إلا بحفظ روايات أبنائها.
وقد كرّس كل من الراحلين فاطمتو محمد عالي دهوار وبشرايا أبا حازم جانبًا مهمًا من حياتهما بعد الإفراج عنهما للمشاركة في الندوات والملتقيات واللقاءات الحقوقية، حيث قدما شهادات حول تجربة الاعتقال والاختفاء القسري، وساهما في نقل تفاصيل تلك المرحلة إلى الأجيال الجديدة.
وبالنسبة لهما، لم تكن الشهادة مجرد استذكار لذكريات مؤلمة، بل كانت وفاءً لمن رحلوا داخل المعتقلات، ولمن ما زال مصيرهم مجهولًا.

الذاكرة... شكل من أشكال المقاومة
يرى الناجون أن الاحتفاظ بالذاكرة يمثل أحد أشكال مقاومة الاحتلال وفضح جرائمه في حق الشعب الصحراوي.
فالمعتقلات السرية، التي أُريد لها أن تبقى بعيدة عن الأنظار، أصبحت معروفة اليوم بفضل شهادات من عاشوا داخلها، والذين وثقوا أسماء المعتقلين، وأماكن الاحتجاز، وظروف الاعتقال، وما رافقها من معاناة.
لقد تحولت الرواية الشفوية، مع مرور الوقت، إلى وثيقة تاريخية يعتمد عليها الباحثون والمهتمون بقضايا حقوق الإنسان لفهم تلك المرحلة واستحضار تفاصيلها.

شهادات تحفظ أسماء الغائبين
واحدة من أهم الرسائل التي حملها الناجون، بحسب ما يظهر في شهاداتهم، هي أن الضحايا لا ينبغي أن يتحولوا إلى أرقام.
لذلك، حرص المعتقلون السابقون على استحضار أسماء رفاقهم الذين قضوا داخل المعتقلات، أو الذين غادروها بأجساد أنهكها المرض والتعذيب، حتى تبقى ذكراهم حاضرة في الذاكرة الجماعية.
ويؤكد عدد منهم أن الحديث عن المختفين قسرًا لا يتعلق بالماضي وحده، بل هو جزء من مسؤولية الحفاظ على تاريخ أجيال كاملة عاشت تجربة قاسية تركت آثارها في المجتمع الصحراوي.

من الألم إلى التوثيق
لقد أصبحت شهادات الناجين مادة أساسية في كثير من اللقاءات الحقوقية والأبحاث والتقارير التي تناولت قضية الاختفاء القسري.
وبفضل هذه الشهادات، أمكن رسم صورة أكثر وضوحًا عن الحياة داخل المعتقلات السرية، وظروف الاحتجاز، وأساليب التعذيب التي مارسها نظام المخزن، وآثارها الجسدية والنفسية على الضحايا الصحراويين.
كما أسهمت في إبراز المعاناة التي عاشتها الأسر، التي ظلت لسنوات تبحث عن معلومة أو خبر يطمئنها على مصير أبنائها.
الأجيال الجديدة... مسؤولية معرفة التاريخ
يشدد الناجون، في مختلف شهاداتهم، على أن توثيق هذه المرحلة لا يهدف إلى استحضار الألم لذاته، بل إلى تعريف الأجيال الجديدة بما جرى، حتى لا تضيع ذاكرة الضحايا مع مرور الزمن.
فالذاكرة، في نظرهم، ليست مجرد استرجاع للماضي، وإنما عنصر أساسي في فهم التاريخ، وصون هوية الشعب، ونقل التجارب الإنسانية من جيل إلى آخر.
ولهذا، ظل كثير من المعتقلين السابقين يحرصون على المشاركة في اللقاءات والمحاضرات والأنشطة الوطنية، إيمانًا منهم بأن الشهادة مسؤولية لا تنتهي بخروج المعتقل من السجن.

رحل الشهود... وبقيت شهاداتهم
غادر الحياة عدد من أبرز الناجين الذين حملوا عبء التوثيق، ومن بينهم الحقوقية فاطمتو محمد عالي دهوار، التي وافتها المنية في 31 أكتوبر 2024، والمناضل بشرايا أبا حازم، لكن ما تركاه من شهادات وروايات ظل حاضرًا، يروي للأجيال تفاصيل سنوات الاختفاء القسري، كما عاشاها وروياها.
لقد رحل أصحاب الشهادات، لكن كلماتهم بقيت حية، تتناقلها الأجيال، وتشكل جزءًا من الذاكرة الوطنية الصحراوية، وشاهدًا على مرحلة لا تزال آثارها الإنسانية والسياسية حاضرة مع استمرار الاحتلال المغربي جاثما على جزء كبير من اراضي الجمهورية الصحراوية.

ختام السلسلة
على امتداد ثماني حلقات، حاولنا في سلسلة "شهادات من الجحيم" الاقتراب من تجربة الاختفاء القسري والمعتقلات السرية من خلال روايات عدد من الناجين، وفي مقدمتهم الراحلان فاطمتو محمد عالي دهوار وبشرايا أبا حازم.
وقدمت هذه الشهادات صورة عن رحلة بدأت بالاختطاف، ومرت عبر زنازين أكدز وقلعة مكونة، وما رافقها من تعذيب وتجويع وعزلة، لتنتهي بخروج المعتقلين إلى الحرية، وهم يحملون مسؤولية توثيق ما عاشوه.
وتبقى هذه الروايات، بما تحمله من تفاصيل إنسانية، جزءًا من الذاكرة الوطنية، ومصدرًا مهمًا لفهم مرحلة من تاريخ الصحراء الغربية، كما يرويها أصحابها، وحفظها للأجيال القادمة، حتى لا يطويها النسيان.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...