استمرت سنوات الاختفاء القسري للمناضلين الصحراويين في الصحراء الغربية لأعوام طويلة، ظل خلالها مئات الصحراويين خارج أي حماية قانونية، دولية بينما عاشت عائلاتهم على وقع الانتظار والأمل والخوف، دون أن تعرف إن كانوا ما يزالون على قيد الحياة أم أصبحوا في عداد الموتى.
لكن سنة 1991 شكلت محطة مفصلية في هذا الملف، بعدما بدأت تتكشف حقيقة المعتقلات السرية المغربية، وخرج عدد من المختطفين الصحراويين إلى الحرية، عقب سنوات من الاحتجاز في معتقلات مثل أكدز وقلعة مكونة ودرب مولاي الشريف، في ظل ضغوط حقوقية ودولية متزايدة على الاحتلال المغربي للمطالبة بالكشف عن مصير المختفين.
الخروج إلى عالم تغيّر بالكامل
يروي الناجون أن لحظة الإفراج لم تكن شبيهة بما كانوا يحلمون به طوال سنوات الاعتقال في سجون الاحتلال.
فحين فُتحت أبواب المعتقلات، خرجوا بأجساد أنهكها التعذيب والجوع والمرض، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام عالم تغير كثيرًا خلال سنوات غيابهم.
لم يكن كثير منهم يعرف ما حل بعائلته، ولا من بقي على قيد الحياة، ولا كيف أصبحت المدن التي غادروها وهم في مقتبل العمر.
ويؤكد المعتقلون السابقون أن أولى لحظات الحرية لم تكن فرحًا خالصًا، بل امتزجت بالذهول والصدمة، بعدما أدركوا حجم السنوات التي سرقتها المعتقلات من أعمارهم.
لقاءات مؤجلة لسنوات
كانت لحظات اللقاء بالعائلات من أكثر المشاهد تأثيرًا.
فآباء وأمهات فقدوا الأمل في رؤية أبنائهم عادوا ليحتضنوهم بعد سنوات طويلة، فيما التقى بعض المعتقلين بأبنائهم الذين أصبحوا شبابًا، أو بإخوة وأخوات لم يعودوا يتذكرون ملامحهم.
أما آخرون، فقد خرجوا ليكتشفوا أن آباءهم أو أمهاتهم أو أقاربهم رحلوا قبل أن تتحقق أمنية اللقاء.
ويصف أبا حازم ورفاقه الناجون من الموت تلك اللحظات بأنها كانت مزيجًا من الفرح والحزن، لأن الحرية جاءت متأخرة، بعد أن دفعت الأسر ثمنًا باهظًا من الألم والانتظار.
جراح لم تندمل
لم يكن الإفراج نهاية المعاناة، بل بداية مواجهة جديدة مع آثار سنوات الاعتقال وبقاء الاحتلال المغربي جاثما على الوطن السليب.
فقد خرج كثير من المعتقلين وهم يعانون أمراضًا مزمنة، وإعاقات جسدية، وآثارًا نفسية استمرت معهم سنوات طويلة.
وكانت أجسادهم تحمل آثار التعذيب وسوء التغذية، بينما بقيت الذاكرة مثقلة بصور الزنازين، وصرخات المعتقلين، وأسماء من رحلوا داخل المعتقلات السرية المغربية.
ويؤكد عدد من الناجين أن أصعب ما واجهوه بعد الإفراج كان محاولة العودة إلى حياة طبيعية في ظل واقع الاحتلال، وبعد سنوات عاشوا خلالها في عزلة كاملة عن المجتمع.
فاطمتو دهوار... من السجن إلى الدفاع عن الضحايا
كانت الحقوقية الصحراوية الراحلة فاطمتو محمد عالي دهوار من بين الذين خرجوا من المعتقلات السرية سنة 1991، بعد أكثر من خمسة عشر عامًا من الاختفاء القسري.
غير أن الحرية لم تدفعها إلى الصمت، بل جعلتها تبدأ مرحلة جديدة من النضال، كرستها لتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها الصحراويون، والدفاع عن ضحايا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي.
وشاركت في العديد من الندوات والملتقيات الحقوقية والمنابر الدولية، وقدمت شهادات حية حول ما عاشته داخل المعتقلات المغربية سيئة الذكر، معتبرة أن توثيق تلك المرحلة مسؤولية تجاه الضحايا، ورسالة للأجيال القادمة حتى لا تُمحى الحقيقة من الذاكرة.
بشرايا أبا حازم... شاهد على مرحلة كاملة
أما المناضل الراحل بشرايا أبا حازم، فقد عاد إلى حياته حاملًا آثار أكثر من عشر سنوات من الاعتقال والاختفاء القسري.
لكنه اختار، شأنه شأن كثير من الناجين، أن يحول معاناته إلى شهادة موثقة، يروي من خلالها تفاصيل ما جرى داخل المعتقلات السرية، إيمانًا منه بأن رواية الحقيقة جزء من النضال.
وظل حاضرًا في مختلف الأنشطة الوطنية والحقوقية، وشارك في زيارات إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين ضمن وفود مناضلي المناطق المحتلة، وكان آخر ظهور وطني بارز له مشاركته في المؤتمر الخامس عشر للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، الذي احتضنته بلدة التفاريتي المحررة في ديسمبر 2019.
من العدالة إلى حفظ الذاكرة
لم يكن خروج المعتقلين نهاية لملف الاختفاء القسري، بل بداية مرحلة جديدة من المطالبة بكشف الحقيقة كاملة، ومعرفة مصير جميع المفقودين، وحفظ ذاكرة الضحايا.
ولهذا، تحولت شهادات الناجين إلى مصدر مهم للباحثين والحقوقيين، وإلى جزء من الذاكرة الوطنية الصحراوية، لأنها توثق أحداثًا عاشها أصحابها بأنفسهم، وتنقل تفاصيل سنوات بقيت طويلاً بعيدة عن الأنظار.
ذاكرة أقوى من السجون
رحل عدد من الناجين، ومن بينهم فاطمتو دهوار وبشرايا أبا حازم، لكن الشهادات التي تركوها ما تزال حية، تنقل تفاصيل مرحلة من أكثر مراحل تاريخ الشعب الصحراوي قسوة.
فقد أثبتت تلك التجارب أن سنوات الاعتقال، مهما طالت، لم تستطع أن تمحو الذاكرة، وأن الشهود الذين خرجوا من المعتقلات حملوا معهم مسؤولية نقل الحقيقة، حتى تبقى حاضرة في وجدان الأجيال القادمة.
وفي الحلقة السابعة من سلسلة "شهادات من الجحيم"، نتناول الدور الذي لعبه الناجون من المعتقلات السرية بعد الإفراج عنهم في توثيق الانتهاكات، وتأسيس العمل الحقوقي الصحراوي، وتحويل الشهادة الشخصية إلى ذاكرة وطنية تحفظ تاريخ الضحايا وتواجه النسيان.
