لم تكن الزنازين السرية المغربية في معتقل أكدز، كما يروي المعتقلون الصحراويون السابقون، مجرد أماكن للاحتجاز، بل فضاءات تتداخل فيها العزلة والجوع والتعذيب مع خوف دائم من خطر آخر لا يقل رعبًا، الحشرات السامة والأفاعي والعقارب التي كانت تتخذ من جدران الزنازين وسقوفها مأوى لها.
وفي شهادته ضمن سلسلة "ناجون من الموت"، يستعيد المختطف الصحراوي السابق ومعتقل الرأي بمعتقلي أكدز وقلعة مكونة، بشرايا أبا حازم، واحدة من أكثر الذكريات إيلامًا خلال سنوات الاختفاء القسري، مؤكداً أن الخوف لم يكن يقتصر على السجان، بل كان يمتد إلى كل ما يحيط بالمعتقل داخل تلك الزنازين المظلمة.
سقوط الأفعى... لحظة لا تُنسى
يتذكر بشرايا أبا حازم حادثة ظلت ترافقه طوال سنوات الاعتقال، ويقول إنها كانت من أكثر المواقف التي بثت الرعب في نفوس المعتقلين.
ففي إحدى الليالي، وبينما كان السجناء يحاولون التعايش مع الظلام والحرارة الخانقة وضيق المكان، سقطت أفعى من سقف الزنزانة فوق أحد المعتقلين.
ويقول إن السجين لم يدرك في البداية ما الذي لامس جسده، وما إن تحسسها بيده حتى انتفض مذعورًا، وهو يصرخ بأعلى صوته: «"أفعى... أفعى..."»
ويضيف أن الصراخ عمّ الزنزانة، بينما لم يكن في وسع أحد من المعتقلين الفرار أو حتى الابتعاد، بسبب ضيق المكان واكتظاظه بالمحتجزين.
ويؤكد أن ذلك المشهد بقي محفورًا في ذاكرته، لأنه جسّد حجم العجز الذي كان يعيشه المعتقلون، وهم يواجهون خطرًا جديدًا دون أي وسيلة لحماية أنفسهم.
سقوف تحولت إلى أوكار للموت
بحسب شهادة بشرايا، لم تكن تلك الحادثة استثناءً، بل كانت الزنازين نفسها بيئة تعج بالحشرات والعقارب والثعابين.
ويقول إن سقوف الحجرات وجدرانها كانت مرتعًا لهذه الكائنات، التي كانت تتساقط بين الحين والآخر فوق أجساد المعتقلين، لتضيف إلى معاناتهم خوفًا جديدًا، لا يقل قسوة عن التعذيب الذي يتعرضون له.
وكان السجناء، وفق روايته، يقضون لياليهم في يقظة دائمة، خشية أن يستيقظ أحدهم على لدغة عقرب أو ثعبان، في ظل غياب أي رعاية صحية أو تدخل لإنقاذ المصابين.
وفاة معتقل بلدغة ثعبان
ومن بين الأحداث التي بقيت راسخة في ذاكرة بشرايا أبا حازم، وفاة أحد المعتقلين المغاربة المنتمين إلى الحركات اليسارية، بعد تعرضه للدغة ثعبان داخل المعتقل.
ويقول إن المعتقل ظل يصارع الألم لساعات طويلة دون أن يتلقى العلاج، إلى أن فارق الحياة داخل الزنزانة، في مشهد ترك أثرًا نفسيًا بالغًا في نفوس جميع المعتقلين.
ويضيف أن تلك الحادثة عززت شعور السجناء بأن الموت قد يأتي في أي لحظة، ليس فقط نتيجة التعذيب أو الجوع، وإنما أيضًا بسبب الظروف اللاإنسانية التي كانوا يعيشون فيها.
الخوف الذي لا ينام
لم يكن الرعب، بحسب شهادة بشرايا، مرتبطًا بحدث واحد، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية داخل المعتقل.
فكل حركة فوق السقف، وكل صوت يصدر من بين الشقوق، كان يثير القلق في نفوس المعتقلين، الذين كانوا يعيشون في انتظار خطر قد يظهر في أي لحظة.
وكان الليل، الذي يفترض أن يكون وقتًا للراحة، يتحول إلى ساعات طويلة من الترقب، حيث يظل الجميع مستيقظين، يتابعون أدنى حركة في الزنزانة، خوفًا من سقوط عقرب أو أفعى جديدة.
عقوبة تتجاوز السجن
وتعكس هذه الشهادة، كما يرويها بشرايا، أن المعاناة داخل معتقل أكدز لم تكن تقتصر على الحرمان من الحرية، بل شملت أيضًا ظروف احتجاز قاسية جعلت الحياة اليومية نفسها معركة من أجل البقاء.
فبين الزنازين الضيقة، والحرارة الخانقة، وسوء التغذية، وانتشار الحشرات والزواحف، وجد المعتقلون أنفسهم في مواجهة أخطار متعددة، كان عليهم التكيف معها في ظل غياب أبسط شروط السلامة.
إرادة لم تنكسر
ورغم ما عاشوه من خوف دائم، يؤكد بشرايا أبا حازم أن المعتقلين لم يسمحوا للرعب بأن يقضي على تماسكهم.
ويقول إنهم كانوا يواسون بعضهم بعضًا، ويتقاسمون الخوف كما يتقاسمون الجوع، ويستمدون القوة من إيمانهم بعدالة قضيتهم، ومن تضامنهم الذي تحول إلى وسيلة لمقاومة اليأس.
ويضيف أن سنوات الاعتقال علمتهم أن الإنسان قد يُحرم من حريته، وقد يُعذب ويُجوّع، لكنه يستطيع أن يحافظ على كرامته وإرادته إذا وجد من يقف إلى جانبه.
لقد كانت الأفاعي والعقارب والثعابين جزءًا من مشهد يومي داخل معتقل أكدز، لكنها، كما يقول بشرايا، لم تكن أشد ما واجهه المعتقلون؛ فالأصعب كان محاولة تحويل الإنسان إلى كائن فاقد للأمل، غير أن إرادة السجناء، كما تؤكد شهادات الناجين، بقيت أقوى من الخوف، وأقوى من سنوات الاختفاء القسري.
في الحلقة الخامسة من سلسلة "شهادات من الجحيم"، نتناول مرحلة النقل إلى معتقل قلعة مكونة، وظروف الاحتجاز داخله، كما يرويها المعتقلون الصحراويون السابقون، في شهادة جديدة عن واحدة من أكثر محطات الاختفاء القسري قسوة التي مارسها الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية.
