الشهيد الحافظ (مخيمات اللاجئين الصحراويين)- في ظل استمرار النزاع في الصحراء الغربية وتعثر جهود الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي يضمن للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير، وجّه رئيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية والأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، سلسلة من الرسائل السياسية القوية تناولت الوضع في الأراضي المحتلة، ومسار الحرب المستمرة منذ عام 2020، ومواقف الحكومة الإسبانية، والدور المغربي في المنطقة، إضافة إلى واقع اللاجئين الصحراويين في مخيمات العزة والكرامة.
وفي تصريحات مطولة، لصحيفة ABC أكد غالي أن القضية الصحراوية لا تزال قضية تصفية استعمار غير مكتملة، وأن الشعب الصحراوي متمسك بحقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها حقه في تقرير المصير والاستقلال، رغم ما وصفه بمحاولات الالتفاف على الشرعية الدولية وتجاهل معاناة الشعب الصحراوي.
"انتقاد حاد للموقف الإسباني"
وجّه الرئيس الصحراوي انتقادات مباشرة إلى رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بسبب التحول الذي طرأ على الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية عام 2022، عندما أعلنت مدريد دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي.
واعتبر غالي أن هذا التحول شكّل خرقاً واضحاً للقانون الدولي، مذكراً بأن إسبانيا لا تزال، وفق الشرعية الدولية، القوة القائمة بالإدارة في الإقليم، وأن مسؤولياتها القانونية والتاريخية تجاه الشعب الصحراوي لم تنتهِ.
وقال إن الشعب الصحراوي شعر بصدمة كبيرة جراء هذا الموقف، معتبراً أن ما حدث يمثل "تخلياً جديداً" من قبل الدولة التي تتحمل مسؤولية تاريخية تجاه الصحراء الغربية.
كما انتقد ما وصفه بازدواجية المعايير في السياسة الخارجية الإسبانية، مشيراً إلى أن مدريد ترفع شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي في عدد من النزاعات الدولية، لكنها تتجاهل القضية الصحراوية رغم قربها الجغرافي والتاريخي من إسبانيا.
وفي هذا السياق، أبدى غالي استغرابه من صمت الحكومة الإسبانية تجاه مقتل قياديين صحراويين في الهجمات المغربية، معتبراً أن هذا الصمت يعكس تمييزاً في التعامل مع الضحايا وفق هوياتهم السياسية والقومية.
إشارات إلى قضية "بيغاسوس"
وفي حديثه عن الأسباب المحتملة للتحول الإسباني، لم يستبعد غالي أن تكون قضية التجسس عبر برنامج "بيغاسوس" قد لعبت دوراً في تغيير الموقف الرسمي الإسباني.
وقال إن تزامن الأحداث يثير الكثير من التساؤلات، مشيراً إلى أن عدداً من المسؤولين الإسبان تعرضوا لاختراق هواتفهم بواسطة البرنامج، وأنه لا يمكن استبعاد تأثير ذلك على القرارات السياسية التي اتخذتها الحكومة لاحقاً.
"المغرب وسياسة التوسع الإقليمي"
ومن بين أكثر التصريحات لفتاً للانتباه، تحذير غالي من النزعة التوسعية للمغرب.
وأكد أن الرباط لا تعترف عملياً بالحدود المعترف بها دولياً، بل تتحدث عما تسميه "الحدود الحقيقية"، وهو مفهوم يرى أنه يفتح الباب أمام مطالب إقليمية غير محددة.
وقال إن التجربة التاريخية، تُظهر أن المغرب سعى في مراحل مختلفة إلى توسيع نفوذه على حساب جيرانه، مضيفاً أن موريتانيا والجزائر والصحراء الغربية وحتى إسبانيا، بما فيها سبتة ومليلية، تبقى في نظر بعض التيارات المغربية مجالات مفتوحة لمشاريع التوسع.
وحذر من أن تجاهل المجتمع الدولي لهذه المؤشرات قد يؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
"حرب مستمرة منذ 2020"
وشدد الرئيس الصحراوي على أن الصحراء الغربية تعيش حالة حرب فعلية منذ انهيار وقف إطلاق النار في 13 نوفمبر 2020.
وأوضح أن ما يجري لا يحظى بالاهتمام الإعلامي الكافي، الأمر الذي جعل كثيراً من الرأي العام الدولي يعتقد أن النزاع مجمد أو متوقف.
وقال إن الحرب قائمة بشكل يومي على طول جبهة القتال، وإن الشعب الصحراوي يخوض معركة دفاعية ضد الاحتلال المغربي، مضيفاً أن جبهة البوليساريو كانت قد حذرت مسبقاً من مخاطر انهيار وقف إطلاق النار على الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، أكد أن الكفاح المسلح لا يتعارض مع المسار السياسي، مشيراً إلى أن الجبهة لا تزال منفتحة على أي مفاوضات جادة تستند إلى الشرعية الدولية وتمكّن الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير.
وأضاف أن تجربة الحرب الأولى بين عامي 1975 و1991 أثبتت إمكانية الجمع بين العمل العسكري والمسار التفاوضي.
"التمسك بالاستفتاء"
وجدد غالي تمسك جبهة البوليساريو بخيار الاستفتاء باعتباره الآلية القانونية التي اعتمدتها الأمم المتحدة لتمكين الشعب الصحراوي من تقرير مستقبله.
وأكد أن الاستفتاء لا يمكن استبعاده من أي تسوية عادلة، لأنه يمثل الوسيلة التي يقرها القانون الدولي لإنهاء قضايا تصفية الاستعمار.
وأشار إلى أن الجبهة منفتحة على النقاش حول مختلف الخيارات السياسية، لكن دون المساس بحق الشعب الصحراوي في التعبير الحر عن إرادته.
"انتقادات للمجتمع الدولي"
وأعرب غالي عن أسفه لما وصفه بتراجع الدعم الدولي للقضية الصحراوية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل سعي بعض الدول الأوروبية إلى تعزيز التعاون مع المغرب في ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد.
وقال إن الرباط كثيراً ما تستخدم علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، مستشهداً بالخلافات المتعلقة باتفاقيات الصيد البحري والتجارة التي شملت موارد الصحراء الغربية رغم الأحكام القضائية الأوروبية الرافضة لذلك.
ورغم هذه التطورات، شدد على أن القضية الصحراوية ما زالت تحظى باعتراف قانوني دولي واضح، وأن قرارات المحاكم الأوروبية والأمم المتحدة تؤكد أن الصحراء الغربية إقليم منفصل لم يُستكمل فيه مسار تصفية الاستعمار.
"أوضاع اللاجئين الصحراويين"
وتحدث غالي عن الأوضاع الإنسانية في مخيمات اللاجئين الصحراويين، واصفاً إياها بالصعبة نتيجة تراجع المساعدات الإنسانية وارتفاع التحديات الاقتصادية والإنسانية.
وأكد أن المخيمات أصبحت رمزاً لصمود الشعب الصحراوي وتمسكه بحقوقه الوطنية رغم عقود اللجوء الطويلة.
كما أشاد بشبكات التضامن الدولية، وخاصة في إسبانيا، التي تواصل دعم اللاجئين الصحراويين من خلال برامج إنسانية واجتماعية وتعليمية مختلفة.
"رفض التشكيك في مستقبل القضية"
ورداً على الأصوات التي تتحدث عن تراجع مكانة جبهة البوليساريو أو ضعف موقفها الدبلوماسي، أكد غالي أن الحركة واجهت خلال تاريخها تحديات أكبر وتمكنت من تجاوزها.
وأشار إلى أن التنبؤ بانتهاء القضية الصحراوية أو نجاح المغرب في فرض الأمر الواقع تكرر مراراً خلال العقود الماضية دون أن يتحقق.
وأكد أن الشعب الصحراوي سيواصل نضاله السياسي والدبلوماسي والعسكري حتى ينال حقوقه كاملة، وعلى رأسها الحرية والاستقلال.
وفي ختام مواقفه، شدد إبراهيم غالي على أن القضية الصحراوية ليست نزاعاً حدودياً أو خلافاً سياسياً عابراً، بل قضية شعب ما زال ينتظر استكمال مسار تصفية الاستعمار وتمكينه من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.
وأكد أن جبهة البوليساريو ستظل متمسكة بخيار السلام القائم على الشرعية الدولية، لكنها في الوقت ذاته لن تتخلى عن جميع أشكال النضال المشروعة دفاعاً عن حقوق الشعب الصحراوي، حتى تحقيق الحرية والاستقلال الكامل على أرض الصحراء الغربية.
