القائمة الرئيسية

الصفحات

ألا ينبغي لنا إنقاذ مشروعنا الوطني؟

   

 
تمر قضيتنا الوطنية بإحدى أخطر مراحلها وأكثرها حساسية، إذ يشن المحتل المغربي ضدنا، بدعم قوي من قوى دولية نافذة، هجمة شرسة لفرض احتلاله غير الشرعي لأرضنا وتقويض مكاسبنا التي حققها شعبنا بالغالي والنفيس. ومما يثير القلق بشكل خاص عجز إدارة الشأن العام عن استنهاض قوتنا الذاتية وحشد طاقاتها لمواجهة هذه الهجمة. 
لاستكشاف سبل معالجة هذه المشكلة، أصبح من الضروري إجراء نقاش ثري ومسؤول، وأعتقد جازما بأن ملتقى الأمناء والمحافظين الذي انطلقت اشغاله اليوم في ولاية أوسرد يمكن ان يكون أول الغيث في هذا الاتجاه، تليه خطوات أخرى تتوج بندوة وطنية تشكل نتائجها أساس مخرجات المؤتمر السابع عشر القادم.
إن إلقاء نظرة سريعة على تجربتنا الوطنية سيكشف عن مفارقات في نتائج مراحلها المختلفة، وهذا سيرشدنا بالتأكيد إلى موضع الألم. فقد تميزت المرحلة الأولى بتفوق جيشنا الباسل على جيش العدو خلال السنوات الست عشرة الأولى، مما شكل رافعة لجميع مكونات العمل الوطني، وعزز الروح المعنوية، وخلق زخماً بلغت فيه مكاسبنا ذروتها. لقد كانت مرحلة ذهبية: اعداد وتجهيز جيش تمكن من تحرير قرابة 20٪ من الأراضي الوطنية، تأمين قواعدنا الخلفية، تحقيق مستويات مقبولة في الإدارة، التعليم، الصحة والخدمات، كما احتلت بلادنا مكانتها في المنتظم الأفريقي وتوسع نطاق الاعتراف بها دوليا وبحق شعبنا المشروع في تقرير المصير. 
أما المرحلة الثانية، التي أعقبت وقف إطلاق النار في سنة 1991، فقد ارتبطت بعملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة، وخلالها شهدت وتيرة العمل والإنجازات تراجعا ملحوظاً. كان للخلاف القيادي عام 1988 تداعيات في تبني نهج "الاسترضاء والمحاصصة" في جميع سياساتنا الداخلية، وهو ما يتناقض تمامًا مع استراتيجيات بناء المؤسسات والمجتمع، وخاصة الاستثمار في رأس المال البشري. لقد أدى هذا النهج خلال هذه المرحلة إلى اختزال الجبهة في مجرد قيادة تمتلك كل الصلاحيات، معصومة من الخطأ، منفصلة عن قاعدتها الشعبية، متشبثة بالسلطة وتسعى غالبيتها وراء المكاسب الشخصية. وبالتالي النتيجة هي تغول السلطة، هجرة الكفاءات وإعاقة انتاج الأطر والاصلاح والتغيير، اضعاف السلطة، تلاشى التفكير الاستراتيجي وتفكك النسيج الاجتماعي، تفاقم الظواهر المشينة واختراق العدو لصفوفنا. ورغم كل هذا، أضافة إلى طول الانتظار ومعاناة اللاجئين والشتات، ظل إيمان القاعدة الشعبية بعدالة قضيتها راسخًا، وعزمها على مواصلة النضال حتى تحقيق النصر قويًا.
 أما بالنسبة للمرحلة الحالية، فقد تميزت بإعلان إنهاء وقت إطلاق النار واستئناف الكفاح المسلح منذ سنة 2020 على أمل أن يخلق ذلك ديناميكية جديدة للكفاح والتخلص من ارث المرحلة السابقة. للأسف، لم نوفق في تحقيق هذا الهدف، بل ازداد وضعنا سوءا، والاكثر من ذلك أخفاقنا في الاستثمار في الهبة الشعبية التي تزامنت مع استئناف الكفاح المسلح وغيرها من مظاهر استعداد القاعدة الشعبية الذي ابدته في مناسبات عديدة. ويعود هذا الاخفاق بشكل رئيسي إلى حقيقة أن معظم وجوه ادارة الشأن العام لاتزال في مكانها وتتشبث بأساليبها القديمة الفاشلة، ومن الطبيعي ألا تقدم أي شيء جديد في هذه المرحلة الجديدة، ناهيك عن تكييف واقعنا مع واقع الحرب الجديدة. 
واذا نظرنا إلى قرارات آخر مؤتمراتنا نلاحظ فائضًا في الهياكل مع ضعف المردود ولا حسيب ولا رقيب:  رئيس، ومكتب الأمانة الوطنية، أمانة وطنية، أمانة التنظيم السياسي، حكومة، برلمان، هيئة أركان، مجلس استشاري، مجالس ومحاكم قضائية، بالإضافة الى المنظمات الجماهيرية، المجتمع المدني والهياكل الجهوية والقاعدية المعقدة.  ومن اللافت للنظر أن الرئيس يتمتع بصلاحيات واسعة، ومع ذلك فضل سياسة النعامة (تجاهل الحقائق والتهرب من مواجهة المشاكل)، في غياب أي سلطة للأمانة الوطنية، باعتبارها أعلى هيئة في الحركة والدولة عليه وفي توجيه السياسات العامة. علاوة على ذلك، الحكومة غير فعالة وغير كفؤة، مما أدى إلى إضعاف سلطة الدولة وشخصنة المؤسسات، انتشار الفساد، انفلات الأمن وتدني الخدمات. ومن المفارقات أن الحكومة غالباً ما تنجو من حجب الثقة في البرلمان، مما يثير الشكوك حول ولاء بعض أعضاء الهيئة التشريعية. وفي الوقت نفسه، يعاني التنظيم السياسي، بصفته قائد قاطرة الكفاح، من وضع مزرٍ، لا سيما هياكله وروافده التي تآكلت وتقادمت أساليبها.
إن المرحلة الحالية تتطلب منا مراجعة شاملة لأدواتنا ولأدائنا، وإيجاد هياكل مرنة تحقق الانسجام والتكامل والتوازن بين وجهي العملة الواحدة: من جهة، تنظيم حركة التحرير، ومن جهة أخرى، تنظيم الدولة، وتحديث الخطاب ووضع خطة واضحة في جانبيها: جانب مواجهة العدو وجانب بناء الذات. في هذا السياق، يتعين على الأمانة الوطنية، بصفتها الهيئة العليا، قيادة هذا النقاش والحرس على انجاحه، كما يجب على الجميع نخب وقواعد شعبية تكاتف الجهود لبعث حياة جديدة في الحركة وإكمال ما تبقى من الطريق. ولا شك أن مبادرة كهذه ستلقى ترحيباً ودعماً واسعين من جميع الأصوات الداعية إلى الإصلاح والتغيير والتجديد، وستسهم في خلق جو من الوئام والثقة بين أبناء شعبنا، وهو أمر نحن بأمس الحاجة إليه في هذه الظروف. ولعل الآية الكريمة فيها ما يكفي من الحكمة التي علينا استنباطها "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد 11).

الديش محمد الصالح
دائرة بئر كندو، ولاية أسرد في 17 يونيو 2026

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...