كثيرة هي الدراسات والأبحاث التي تناولت مجازر الثامن من ماي 1945، غير أن هذا الحدث المفصلي في تاريخ الجزائر المعاصر لا يزال يحتفظ بجزء كبير من أسراره، ويستمر في استثارة اهتمام الباحثين والمؤرخين سعياً إلى تفكيك بنيته العنيفة، وإعادة تركيب تفاصيله الدقيقة. وفي خضم هذا السعي المعرفي، تبرز أهمية الشهادات الصادرة من داخل المنظومة الاستعمارية ذاتها، بوصفها وثائق إدانة لا تقل قوة عن الذاكرة الوطنية، بل تمنحها بعداً توثيقيًّا مضاعفاً.
في هذا السياق، تكتسي دراسة المؤرخ الفرنسي Jean‑Louis Planche، الموسومة “Sétif 1945: Histoire d’un massacre annoncé”، أهمية خاصة، إذ لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تنفذ إلى عمق البنية القمعية التي حكمت سلوك الإدارة الاستعمارية الفرنسية، كاشفةً عن منظومة عنف ممنهج، ومُظهرةً بجلاء ملامح الهمجية التي طبعت عملية قمع الجزائريين.
سياق متوتر ومقدمات دامية
يمهّد بلانش لمقاربته بتحليل دقيق للظروف العامة التي سبقت المجازر، حيث يربطها بسلسلة من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها الجزائر قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها. فقد تميزت هذه المرحلة بتصاعد التوترات، سواء من خلال الاحتكاكات المباشرة، كما حدث في أحداث أوت 1934، أو عبر تنامي الوعي السياسي لدى الجزائريين، مدفوعاً بنشاط رموز الحركة الوطنية مثل عبد الحميد بن باديس وفرحات عباس.
كما يرصد المؤلف تأثير الحرب العالمية الثانية، لا سيما بعد نزول قوات الحلفاء سنة 1942، وما رافق ذلك من تحولات في ميزان القوى، استثمرتها الحركة الوطنية بإصدار بيان فيفري 1943. غير أن هذه التحولات تزامنت مع تدهور الأوضاع الاجتماعية، نتيجة تفشي الفقر، وارتفاع البطالة، وانتشار المجاعة، وهو ما خلق بيئة قابلة للانفجار.
من مظاهرات الأول من ماي إلى انفجار الثامن منه
يرى بلانش أن مجازر 8 ماي لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت امتداداً لمظاهرات الأول من ماي 1945، التي شهدت مشاركة واسعة للجزائريين في مختلف المدن. وقد اتسمت هذه المظاهرات بطابع سلمي، رغم ما رافقها من قمع شديد من قبل الشرطة الفرنسية، أسفر عن سقوط شهداء وجرحى واعتقالات واسعة في صفوف المناضلين.
هذا المسار التصاعدي بلغ ذروته يوم 8 ماي، حين خرج الجزائريون للاحتفال بنهاية الحرب العالمية الثانية، حاملين مطالبهم السياسية المشروعة، وفي مقدمتها الاستقلال. غير أن لحظة رفع العلم الجزائري شكّلت، بحسب رواية بلانش، نقطة التحول الدراماتيكية، إذ بادرت الشرطة بإطلاق النار، لتتحول المظاهرات إلى مجازر مفتوحة.
آلة القمع: تنظيم العنف وتعميمه
تكشف دراسة بلانش عن حجم التعبئة العسكرية التي سخرتها السلطات الاستعمارية لقمع الجزائريين، حيث جرى تجنيد أكثر من 15 ألف عنصر، مدعومين بوحدات من الجيش النظامي، والرماة، والفيلق الأجنبي، إضافة إلى مليشيات مدنية مسلحة.
ولم يقتصر القمع على التدخل البري، بل امتد إلى استخدام الطيران الحربي، الذي قصف التجمعات السكانية بقنابل مضادة للأفراد، ذات تأثير تدميري بالغ، فضلاً عن استعمال المدافع الثقيلة من قبل القطع البحرية. إن هذا التوظيف المكثف لمختلف صنوف السلاح يعكس، بوضوح، طبيعة الرد الاستعماري، الذي لم يميز بين مدني ومسلح، بل استهدف الإنسان الجزائري في وجوده.
مظاهر الهمجية: ما وراء الأرقام
يتجاوز بلانش الجدل الكمي حول عدد الضحايا، الذي قُدّر بعشرات الآلاف، ليغوص في الكيفية التي مورست بها عمليات القتل، كاشفاً عن أبعاد صادمة من الوحشية. فقد تم تنفيذ أحكام الإعدام بشكل فوري، دون محاكمات عادلة، في حين تُركت جثث الضحايا في العراء أو أُحرقت، في مشهد يجسد أقصى درجات انتهاك الكرامة الإنسانية.
كما يوثق عمليات النهب الواسعة التي طالت ممتلكات الجزائريين، وإعادة توزيعها على المعمرين، مستنداً إلى شهادات معاصرة، من بينها شهادة الدكتور بن جلول، التي تصف مشاهد السلب المنظم على نطاق واسع.
وتبرز أيضاً ممارسات الإذلال الجماعي، من خلال إجبار السكان على ترديد عبارات مهينة، في إطار ما سُمي بـ”طلب الأمان”، إضافة إلى انتشار خطاب عنصري متطرف داخل المجتمع الاستعماري، امتد حتى إلى المؤسسات التعليمية، حيث سُجلت قطيعة حادة بين المعلمين الأوروبيين والجزائريين.
قيمة الشهادة الاستعمارية: حين يتحول الأرشيف إلى دليل إدانة
تنبع الأهمية التاريخية لعمل بلانش من كونه يعتمد على أرشيفات رسمية فرنسية، بما في ذلك وثائق وزارة الداخلية ووزارة الحربية وأرشيف ماتينيون، إلى جانب شهادات شهود عيان وصحفيين عاصروا الأحداث. هذا الاعتماد على مصادر من داخل الجهاز الاستعماري يمنح دراسته مصداقية مضاعفة، ويحولها إلى شهادة إدانة ذاتية للنظام الاستعماري.
لقد نجح بلانش، من خلال منهجية دقيقة وتوثيق صارم، في تقديم قراءة تحليلية معمقة لمجازر 8 ماي 1945، كاشفاً عن طبيعتها البنيوية كفعل عنف ممنهج، وليس مجرد رد فعل ظرفي. وبذلك، يسهم هذا العمل في إثراء الكتابة التاريخية حول الجزائر، ويشكل مرجعاً أساسياً لفهم إحدى أكثر اللحظات دموية في تاريخها الحديث.
إن استحضار مجازر 8 ماي 1945 من خلال شهادة المستعمِر نفسه، لا يهدف فقط إلى إعادة سرد المأساة، بل إلى تفكيك خطاب الهيمنة، وكشف تناقضاته الداخلية. فحين يتحدث الأرشيف الاستعماري، فإنه لا يدين الضحية، بل يفضح الجلاد. وفي هذا التقاطع بين الذاكرة الوطنية والشهادة الأجنبية، تتكرس حقيقة تاريخية لا تقبل المراجعة: أن ما حدث في ذلك اليوم لم يكن سوى جريمة دولة، مكتملة الأركان.
المصدر : الجزائر الدولية 24
