في امتداد مشهدي مهيب لا يقل إشراقا عن اليوم الأول، انبثق فجر اليوم الثاني من احتفالات الذكرى الخمسين لتأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في ولاية أوسرد، كأن الصحراء قررت أن تخلع عنها صمتها الطويل، وتلبس ثوب الفرح المؤجل منذ عقود، فرح لا يكتمل إلا على إيقاع الذاكرة، ولا يكتسب معناه إلا حين يمر عبر دروب الصبر الطويل.
كان الصباح هناك مختلفا، كأن الزمن نفسه تباطأ ليمنح المكان فرصة أن يتنفس على مهل، وأن يستعيد صورته الأولى حين كان الإنسان يكتب وجوده فوق الرمل لا بالحبر، بل بالإصرار.
أوسرد.. حين تتحول الساحات إلى قلب نابض
في ولاية أوسرد، التي احتضنت هذا المشهد الوطني الكبير، بدت الساحات وكأنها قلب مفتوح يستقبل أبناءه العائدين من الذاكرة، حيث توافد المواطنون منذ الساعات الأولى من مختلف المخيمات، رجال ونساء، شيوخ وأطفال، في حضور جماهيري كثيف أعاد رسم صورة المجتمع في أبهى تجلياته.
لم يكن الحضور مجرد أرقام أو مشاهد عابرة، بل كان حالة وجدانية كاملة، تختلط فيها الدموع بالابتسامة، والحنين بالأمل، وكأن الجميع جاء ليؤكد أن هذه الذكرى ليست احتفالا عابرا، بل موعدا متجددا مع الذات والهوية.
حضور القيادة.. تلاحم الدولة مع نبض الشعب
في قلب هذا المشهد، كان حضور رئيس الجمهورية، الأمين العام للجبهة، إبراهيم غالي، لافتا ومعبرا، حيث تابع مختلف العروض والاستعراضات عن كثب، محاطا بعدد من المسؤولين والضيوف، في صورة تعكس تلاحم القيادة مع شعبها.
لم يكن حضوره مجرد بروتوكول رسمي، بل بدا كأنه جزء من النسيج الحي للاحتفال، يتفاعل مع الفقرات، يتوقف عند بعض المشاهد، ويصغي كأن كل تفصيل أمامه يحمل رسالة مكتوبة من ذاكرة شعب بأكمله.
استعراضات مدنية.. تبنى الدولة في تفاصيلها الصغيرة
افتتحت فعاليات اليوم الثاني باستعراضات مدنية جسدت ملامح المجتمع الصحراوي في تنوعه وتماسكه، حيث مرت مواكب تمثل قطاعات حيوية مثل النقل والمياه والبيئة، في لوحات متناسقة تعكس روح التنظيم والعمل الجماعي.
كانت تلك المشاهد أشبه بشهادة حية على قدرة هذا الشعب على بناء مؤسساته رغم قسوة الظروف، وكأن كل قطاع مر أمام المنصة كان يروي قصة صبر طويلة كتبت خارج دفاتر العادي، داخل دفتر الاستثناء.
الجمال.. ذاكرة الصحراء تعود إلى نفسها
في لحظة امتزج فيها التراث بالرمز، شدت استعراضات الجمال الأنظار، وهي تتقدم في مشهد يفيض بالهيبة والسكينة، كأن الصحراء تعود إلى ذاتها الأولى، حين كان السفر يقاس بنبض النجوم، وكانت الطرق ترسمها الرياح لا الخرائط.
كان هذا المشهد أكثر من عرض فولكلوري، كان استعادة كاملة لذاكرة المكان، واعترافا صامتا بأن الجذور لا تموت، حتى وإن طال الغياب.
الأطفال.. المستقبل بلسان البراءة
غير أن اللحظة الأكثر صفاء كانت حين تقدم الأطفال، يحملون أعلامهم الصغيرة وملامحهم المضيئة، كأنهم يعلنون أن هذا الوطن لا يعيش في الماضي فقط، بل يمتد نحو الغد بثقة لا تعرف التراجع.
رددت أصواتهم أناشيد الوطن، وتحدث بعضهم بكلمات بسيطة عن الحب والانتماء والحرية والاستقلال، كلمات خرجت من أفواه صغيرة لكنها حملت وزنا أكبر من أعمارها، وكأنها تلخص مسارا كاملا من الحلم.
حلقات القرآن.. حين يلتقي الصوت بالسكينة
في ركن آخر من المشهد، ارتفعت أصوات الأطفال في حلقات تحفيظ القرآن، بنغم جماعي هادئ، يملأ المكان سكينة وطمأنينة، ويعيد التوازن إلى إيقاع الاحتفال العام.
كان ذلك الركن بمثابة مساحة روحية خالصة، تذكّر الجميع بأن هذا الشعب لا يبني ذاكرته على السياسة وحدها، بل على روح تمتد في عمق الإيمان واليقين.
القطاعات الحيوية.. العمل رسالة
تواصلت الفقرات بعروض لقطاعات الصحة والتربية والتعليم، التي قدمت لوحات تعكس جهود البناء في ظروف صعبة، حيث مرت الفرق الطبية والتربوية في مشاهد رمزية تؤكد أن معركة الوجود لا تخاض بالسلاح فقط، بل بالعلم والخدمة والتضحية.
كانت تلك العروض بمثابة إعلان صامت أن الدولة هنا تُبنى يوما بعد يوم، في الفصول الدراسية، وفي العيادات، وفي كل مساحة يعمل فيها الإنسان من أجل البقاء.
المرأة الصحراوية.. ذاكرة تمشي على الأرض
في قلب هذا المشهد، حضرت المرأة الصحراوية كعنصر جوهري لا يمكن فصله عن أي تفصيل. ارتدت الملحفة بألوانها الزاهية، وتقدمت في عروض فولكلورية تعكس عمق التراث وقوة الانتماء.
كانت خطواتها واثقة، ونظرتها ثابتة، كأنها تحمل في حضورها كل تاريخ الصبر وكل ذاكرة المكان. لم تكن مجرد مشاركة، بل كانت روحا كاملة تسري في جسد الاحتفال، تمنحه توازنه وعمقه ومعناه.
الجمهور.. عندما يصبح المشهد ملكا للجميع
أما الجمهور، فكان شريكا حقيقيا في صناعة هذا اليوم، لا متفرجا على الهامش. الزغاريد تعلو، والهتافات تتكرر، والأصوات تتداخل في نسيج واحد يعبر عن وحدة الشعور والانتماء.
وكان مرور الرئيس بين الحشود يزيد من حرارة التفاعل، ويمنح اللحظة بعدا إنسانيا عميقا، حيث تذوب المسافات بين القيادة والشعب في لحظة واحدة من الصدق.
أوسرد.. مدينة تكتب نفسها من جديد
مع امتداد ساعات اليوم، بدت أوسرد وكأنها تكتب نفسها من جديد، لا كمدينة في جغرافيا الصحراء فقط، بل كفكرة تعيش في الوعي الجمعي، وكحلم يتجدد كلما ظن البعض أنه اقترب من الاكتمال.
المساء.. ويبدأ الزمن الحقيقي للذاكرة
مع حلول المساء، انقلبت أوسرد إلى فضاء آخر أكثر عمقا، حيث امتدت الفعاليات إلى ساعات الليل، لتتحول الساحة إلى مجلس مفتوح للذاكرة والكلمة، بدأت ملامحه مع الغروب ولم تنته إلا بعد منتصف الليل، في امتداد زمني يعكس ثقل المناسبة وعمق دلالاتها، حيث كانت المداخلات السياسية والفكرية تتوالى وسط حضور متواصل لم يخفت رغم ساعات الليل المتأخرة.
مداخلات متتالية تعكس أهمية الحدث التاريخي
أكد رؤساء الأحزاب وممثلو الهيئات السياسية والنقابية المشاركة في إحياء الذكرى الخمسين لتأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، أن هذه المناسبة تحمل دلالات عميقة تجسد مسار كفاح طويل وإرادة شعب لم يتخل يوما عن قضيته العادلة، رغم ما واجهه من تحديات وظروف قاسية. وأبرزوا أن الشعب الصحراوي، بقيادة جبهة البوليساريو، استطاع أن يرسخ حضوره في الساحة الدولية بفضل تمسكه بحقوقه المشروعة وإيمانه الراسخ بحتمية الانتصار.
وفي سلسلة من التصريحات التي أدلي بها مساء أول أمس الخميس، على هامش الاحتفالات، شدد المتدخلون على أن نصف قرن من النضال لم يكن مجرد مسار زمني، بل تجربة كفاحية متكاملة عززت من وعي الشعوب بعدالة القضية الصحراوية، ورسخت مكانتها ضمن قضايا التحرر في العالم. كما أشاروا إلى أن صمود الصحراويين شكل نموذجا ملهما لحركات التحرر، بفضل قدرتهم على مواجهة مختلف التحديات والحفاظ على وحدة الصف.
وجدد ممثلو الأحزاب التأكيد على موقف بلاده الثابت والداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، مشيرا إلى أن الحل العادل يمر عبر المسار الأممي وتحت إشراف الأمم المتحدة، بما يضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه غير القابل للتصرف. كما دعا إلى تعزيز التضامن الإفريقي والدولي مع القضايا العادلة، وإبراز الدور المحوري للمرأة الصحراوية في مسيرة النضال، سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي.
كما أكدوا أن احترام الشرعية الدولية يمثل السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في العالم، مشددين على ضرورة دعم كل الجهود الأممية الرامية إلى تمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره في إطار سلمي. وأوضحت أن الحركة النقابية الإفريقية ستظل صوتا حرا مدافعا عن حقوق الشعوب وكرامة الإنسان، انسجاما مع مبادئ العدالة الدولية.
كما أبرزت مختلف المداخلات حجم التضحيات التي قدمها الشعب الصحراوي على مدار خمسين عاما، من كفاح مسلح وصمود في وجه الاعتقالات والانتهاكات، في ظل ظروف صعبة لم تراع فيها أبسط الحقوق الإنسانية. ورغم ذلك، أكد المتدخلون أن هذه المعاناة لم تثن الشعب الصحراوي عن مواصلة نضاله، بل زادته عزيمة وإصرارا على انتزاع حقوقه المشروعة.
السفير الصحراوي بالجزائر خطري أدوه خطري: “الذكرى الخمسين محطة لتجديد العهد مع مسار الكفاح الوطني وتعزيز روح الوحدة”
ي سياق الاحتفالات المخلدة للذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، أكد السفير الصحراوي بالجزائر أن هذه المناسبة التاريخية تمثل محطة مفصلية في مسار الكفاح الوطني، وفرصة لتجديد العهد مع تضحيات الأجيال التي أرست دعائم المشروع الوطني الصحراوي في وجه مختلف التحديات.
وأوضح السفير، في كلمة ألقاها بالمناسبة، أن الشعب الصحراوي استطاع، رغم الظروف المعقدة التي مر بها، أن يحافظ على وحدته الوطنية كعنصر حاسم في مواجهة محاولات التشتيت والتقسيم، مشيرًا إلى أن هذا التماسك ظل يشكل السند الحقيقي لاستمرار النضال من أجل استكمال السيادة الوطنية.
كما توقف عند الدور المركزي الذي اضطلعت به جبهة البوليساريو في بلورة هذا المسار، من خلال جمع الصف الوطني وتوحيد الجهود، بما أتاح الحفاظ على استمرارية المشروع الوطني الصحراوي وبناء مؤسساته في ظروف اللجوء.
وفي معرض كلمته، ثمّن السفير المواقف الداعمة التي ما فتئت تبديها الجزائر تجاه القضية الصحراوية، معتبرا إياها سندا ثابتا ورافعة أساسية في مسار الدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ومؤكدا أن هذا الدعم يعكس عمق الروابط التاريخية والسياسية بين الشعبين.
ممثل وفد المناطق المحتلة سيدي محمد ددش: “دعوات قوية إلى الصمود والوحدة ومواصلة الكفاح من أجل الاستقلال”
وجّه ممثل وفد المناطق المحتلة، سيدي محمد ددش، رسالة قوية إلى الشعب الصحراوي، دعا فيها إلى تعزيز الصمود والتمسك بالوحدة الوطنية، باعتبارها الركيزة الأساسية لمواصلة المسار النضالي نحو تحقيق الحرية والاستقلال.
وجاءت هذه المداخلة على هامش الحفل المخلد للذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، حيث شدد المتحدث على أهمية استحضار تضحيات الأجيال السابقة، والوفاء لنهج الكفاح الوطني الذي رسم معالمه الشعب الصحراوي عبر عقود من المقاومة السياسية والشعبية.
وفي كلمته، أكد ددش أن المرحلة الراهنة تتطلب مزيدا من التماسك الداخلي، وترسيخ روح التضامن بين مختلف مكونات الشعب الصحراوي داخل الوطن وفي مخيمات اللاجئين، مبرزًا أن وحدة الصف تبقى السلاح الأقوى في مواجهة التحديات الراهنة وتعقيدات القضية.
ودعا ممثل وفد المناطق المحتلة إلى ضرورة التمسك بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير، مشيرًا إلى أن هذا الحق ظل جوهر النضال الصحراوي ومصدر شرعيته التاريخية والقانونية.
كما تضمن خطابه رسائل مباشرة تحث على الصبر والثبات، حيث قال في سياق حديثه إن الطريق نحو الاستقلال يتطلب التمسك بالعمود الفقري للوحدة الوطنية، وتعزيز التلاحم بين مختلف الفئات، والعمل المشترك من أجل بلوغ الهدف المنشود، وهو الحرية الكاملة وبناء الدولة الصحراوية المستقلة.
وأشار المتحدث إلى أن التحديات التي تواجه القضية الصحراوية اليوم تستدعي رفع مستوى الوعي الوطني، وتعزيز روح المسؤولية لدى الأجيال الشابة، باعتبارها امتدادًا لمسار نضالي طويل، ومؤتمنة على استمراريته في المستقبل.
وفي سياق متصل، أبرز أن الحضور القوي لوفود المناطق المحتلة في هذه المناسبة يعكس استمرار ارتباط الشعب الصحراوي داخل الأراضي المحتلة بمشروعه الوطني، رغم كل الظروف، مؤكدًا أن هذا الارتباط يشكل عنصر قوة وإصرار على مواصلة النضال بكل الوسائل المشروعة.
يُغادر الاحتفال ويبقى الأمل
هكذا انقضى اليوم الثاني من احتفالات الذكرى الخمسين، لا كحدث عابر في الذاكرة، بل كصفحة مضيئة من كتاب طويل اسمه الصمود، كتاب لم يغلق بعد، لأن فصوله ما زالت تكتب على إيقاع الأمل.
وفي ختام هذه الأيام، انتهت الاحتفالات ليلة أول أمس الخميس، وغادرنا المكان، تاركين خلفنا شعبا لا يزال واقفا على ضفة الحلم، فرحا بما عاشه، ومفعما بأمل لا يخبو، بأن الغد سيحمل ما ينتظره منذ زمن بعيد، وأن الاستقلال ليس بعيدا عن خطوات الذين يؤمنون به ويصنعونه كل يوم بالصبر والإصرار.
آمال عيساوي.. مبعوثة “أخبار الوطن” إلى مخيمات اللاجئين بتندوف
