في العاشر من أفريل 2026، ومع اختتام زيارة خاطفة لناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية المغربي، أعلنت جمهورية مالي رسميا سحب اعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
خمسة وأربعون عاما من الثبات الدبلوماسي – إذ يعود الاعتراف المالي إلى الرابع من يوليو 1980 – مُحيت في غضون ساعات. البيان المشترك، الذي قُدم على أنه عمل “سيادي ومدروس”، لا يتجاوز ثماني نقاط. لا أثر فيه للقانون الدولي، ولا لكلمة واحدة عن وضع الشعب الصحراوي. الحديث كله عن “الروابط التاريخية” وعن “الرؤية المستنيرة لجلالة الملك”. المشهد لا يدع مجالا للشك: بوريطة وصل مبعوثا من الرباط، التقى نظيره عبد الله ديوب، وغادر وفي حوزته توقيع باماكو أسفل وثيقة تلفظ إرث مالي الإفريقي في مزاد علني. البلاغة الدبلوماسية لا تخفي حقيقة العملية: إنها تفويت لأصل سياسي مقابل متنفس ظرفي.
لماذا الآن؟
لماذا اختار المجلس العسكري بقيادة الجنرال عاصيمي غويتا هذه اللحظة بالذات لتبديد موقف تاريخي؟ الجواب لا يوجد في أروقة قصر كولوبا، بل في شوارع باماكو حيث غدا البقاء اليومي رهانا مستحيلا. ثلاث ديناميكيات داخلية محضة جعلت النظام في موقع البائع المضطر.
الأولى هي العزلة المؤسساتية. في يناير 2025، قطعت مالي شعرة معاوية مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، متخلية بذلك عن فضاء اقتصادي ودبلوماسي حيوي. بعدها بوقت قصير، أدرجت الإدارة الأمريكية دول تحالف الساحل في قائمة القيود المتعلقة بالهجرة. محرومة من مرتكزها الغرب إفريقي، ومقصاة من الود الغربي، تبحث باماكو عن باب خروج مشرف. المغرب، الذي يحتفظ بعلاقات مميزة مع واشنطن وعواصم خليجية عديدة، يمتلك مفاتيح هذا الباب. وسحب الاعتراف بالصحراء هو رسم العبور.
الثانية هي الانهيار الأمني الذي لم تعد الدعاية الرسمية قادرة على إخفائه. منذ سبتمبر 2025، تفرض جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” حصارا منهجيا على المحاور التي تزود وسط البلاد وجنوبها. قوافل الوقود تُحرق، المواد الأساسية لم تعد تصل، والعاصمة تعيش تحت تهديد الشلل اللوجستي. وفق مصادر متطابقة، كلفت الشراكة العسكرية مع “الفيلق الإفريقي” الروسي الدولة المالية ما يقرب من مليار دولار، مقابل فعالية عملياتية هزيلة أمام حرب استنزاف من هذا النوع. جيش عاجز عن تأمين طرق إمداده يبحث عن صرف للأنظار. وها هو ذا: نصر دبلوماسي زائف يُنتزع تحت وطأة الطوارئ.
الثالثة هي البحث عن الشرعية بالوكالة. لم يعد المجلس العسكري قادرا على تقديم موعد انتخابي ذي مصداقية، فحاول شراء اعتراف دولي من شريك يتبنى فجأة خطابه. والمفارقة موجعة: نظام يندد بالاستعمار الفرنسي الجديد ويرفع شعار “القطيعة السيادية”، يركع أمام العرش الشريفي، ويذهب إلى حد الإشادة بـ”بعده الإنساني”. الاتساق الإيديولوجي ضُحّي به على مذبح الحاجة الملحة.
المشتري وأساليبه
من السذاجة الاعتقاد بأن الرباط جاءت فارغة اليدين. الدبلوماسية المغربية مختصة في فنون الصفقات المبطنة. وإذا كانت البنود الدقيقة للاتفاق ما تزال سرية، فإن الأعراف في هذا المجال معروفة: تسهيل الوصول إلى الأسمدة الفوسفاتية لزراعة ساحلية منهكة، وعود باستثمارات في البنية التحتية للنقل، وساطة لدى ممولين عرب يشترطون دعم الموقف المغربي للحصول على قروضهم.
النقطة الرابعة من البيان المالي هي الإيصال المحاسبي لهذه العملية. نقرأ فيها أن باماكو “تشيد بالرؤية التقدمية والإنسانية لجلالة الملك محمد السادس”. تحت قلم حكومة انقلابية طردت السفير الفرنسي وشجبت اتفاقات الدفاع مع باريس، لا يمكن أن تكون هذه الركعة البلاغية عابرة. إنها بصمة الدفع الذي تم استلامه. إنها صك الاعتراف بالدين.
تزييف الأمم المتحدة
ولإضفاء مسوغ على هذا التحول، استندت باماكو إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، وأكدت أنها تدعم “جهود الأمم المتحدة”. هذا الادعاء تزييف للقانون الدولي. محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 16 أكتوبر 1975، أثبتت دون لبس أن روابط الولاء التاريخية بين سلطان المغرب وبعض القبائل الصحراوية لم تشكل سندا للسيادة الإقليمية على الصحراء الغربية. وأكدت المحكمة حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وهو حق جددته الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارا.
لا تزال الصحراء الغربية، حتى عام 2026، مدرجة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي الخاضعة للفصل الحادي عشر من الميثاق. الاستفتاء على تقرير المصير، المنصوص عليه في خطة التسوية لعام 1991، لم يُنظم قط، لأن الرباط رفضت باستمرار إدراج خيار الاستقلال ضمن الاحتمالات المطروحة على الناخبين. إن دعم “مخطط الحكم الذاتي” المغربي باعتباره “الأساس الجدي الوحيد”، كما تفعل مالي، يعني إنكار مهمة الأمم المتحدة. إنه ليس اتباعا للقانون؛ بل التفاف عليه.
سوق الخاسرين
على المدى القصير جدا، سيتلقى المجلس العسكري المالي بعض الإشباعات الرمزية: زيارة ملكية ربما، وإعلانات تعاون ستروج لها الصحافة الرسمية المغربية بكثافة. لكن أمام اختبار الوقائع، سيثبت هذا التقايض الدبلوماسي أنه صفقة خاسرة.
على مستوى الشرعية الإفريقية، ترهن باماكو قدرتها المستقبلية على الدفاع عن وحدة ترابها الوطني. فشمال مالي تعبره مطالب حكم ذاتي وهوياتية يحاول النظام المركزي احتواءها بالقوة أو الحوار. بإزاحة مبدأ تقرير المصير المقدس للشعب الصحراوي بضربة قلم، يقوض المجلس العسكري السند القانوني والأخلاقي الذي تستند إليه سلطته هو نفسها. كيف يمكن أن يطالب غدا الطوارق أو عرب مالي بالانصياع للنظام الدستوري، إذا كان قد باع اليوم حق الصحراويين في اختيار مصيرهم؟
على مستوى التماسك الساحلي، فإن هذا القرار المنفرد يخدش مصداقية تحالف دول الساحل. بوركينا فاسو والنيجر، شريكتا مالي في هذا الكونفدرالية الناشئة، لم تُستشارا على ما يبدو. تظهر الحادثة أن التحالف ليس جبهة موحدة، بل هو ائتلاف أنظمة هشة، يساوم كل منها على حدة من أجل بقائه مع القوى الخارجية.
اللاجئون الصحراويون في مخيّمات تندوف.. صمود وتشبث بالهوية رغم المعاناة
أخيرا، على المستوى الإنساني، يشكل هذا التحول إهانة لـ173 ألف لاجئ صحراوي يبقون على قيد الحياة منذ نصف قرن في المخيمات، في انتظار استشارة انتخابية تحرمهم منها المجموعة الدولية، والآن باماكو. هؤلاء الرجال، هؤلاء النساء، هؤلاء الأطفال تم شطبهم من الخريطة الدبلوماسية المالية في غضون مصافحة.
استعمارية بالزي العسكري
أطلق المفكر مالك بن نبي اسم “القابلية للاستعمار” على نزوع نخب الجنوب إلى استبطان منطق الهيمنة، حتى إنها تعيد إنتاجه تحت أردية الاستقلال. المجلس العسكري المالي يقدم تجسيدا مذهلا لهذا المفهوم. عاجز عن إطعام سكانه، عاجز عن تأمين طرقاته، اختار أن يبيع ما تبقى له من رأس مال أخلاقي: صوت في منضدة الأمم. قايض التضامن الإفريقي بنفحة هواء دبلوماسي.
الصحراء الغربية ليست ورقة مساومة في حسابات الأنظمة المتأزمة. إنها إقليم محتل، قضية تصفية استعمار لم تكتمل. سيسجل التاريخ أنه في هذا اليوم العاشر من أبريل 2026، في كولوبا، تمت التضحية بالقضية الصحراوية لمن يدفع أكثر. الرباط قبضت توقيعا. باماكو خسرت روحها.
في الأخير، سيظل إعلان كولوبا في 10 أبريل 2026 نموذجا أصليا للمساومة الدبلوماسية زمن الشدة. لم تغير مالي عقيدتها؛ بل غيرت صندوق الدفع. المجلس العسكري، المحاصر بالانهيار الأمني الداخلي والعزلة الإقليمية، سلم الاعتراف بالصحراء ثمنا لود المغرب. والمغرب، باستغلاله المنهجي لهذا الوهن، اقتنى بثمن بخس انضماما رمزيا. لكن نصرا تكتيكيا تحقق بشراء صوت لا ينشئ سندا قانونيا، ولا يمحو قرارات الأمم المتحدة. ستحفظ إفريقيا أن نظاما عسكريا، تزيا بزي السيادية، تخلى عن مبادئه التأسيسية لقاء طبق عدس دبلوماسي.
لعلى بشطولة - الشروق اونلاين
