القائمة الرئيسية

الصفحات

حين يتحول النشيد إلى مديحٍ شخصي: انكسار في ميزان الذائقة الوطنية.



ليست الذائقة الصحراوية مجرّد ميلٍ فني أو تفضيلٍ جمالي عابر، بل هي منظومة أخلاقية متجذّرة في الوعي الجمعي، تشكّلت عبر عقود من الكفاح والحرمان والتضحيات، فصاغت وجدانًا وطنيًا يترفّع عن الابتذال السياسي كما يترفّع عن الشخصنة الرخيصة للرمزية الوطنية.
ومن هذا المنطلق، ظلّ الصحراوي الأصيل يرى أن الثناء على الرجال يكون بأفعالهم وسيرتهم بعد انقضاء مسؤولياتهم، لا بتحويل المنابر العامة إلى ساحات تصفيقٍ شخصي وأناشيد تمجيدٍ ظرفية.
لقد كانت الأغنية الوطنية الصحراوية، منذ انطلاقتها، لسان الثورة لا لسان الأفراد؛ تنشد للشهداء لا للأحياء، وتمجّد المبادئ لا الأشخاص، وتخلّد الفعل الجماعي لا الأسماء العابرة في دورة المسؤولية.
ولذلك فإن انزلاق بعض المنابر اليوم نحو التغنّي بالأشخاص وهم في موقع السلطة لا يمكن وصفه إلا بأنه انحراف خطير عن فلسفة الخطاب الوطني، وتدنٍّ مقلق في مستوى الوعي السياسي والثقافي.
إن أخطر ما في هذا السلوك ليس كونه مجرد تجاوز بروتوكولي أو ذوقي، بل كونه محاولة ناعمة لإدخال ثقافة التقديس الفردي إلى بيئة ثورية تأسست أصلًا على رفض عبادة الأشخاص.
فالثورات التي تسمح بتضخيم القادة في حياتهم، تُمهّد دون أن تشعر لتحويل المؤسسات إلى هوامش، والشعوب إلى جمهور تصفيق، والنقد إلى خيانة.
ثم بأي منطق يُسمح في فعاليات وطنية رسمية، يفترض أنها مخصصة لتمجيد القضية والشهداء والتاريخ الجماعي، بتمرير مضامين تُحوّل المناسبة من احتفاء بالوطن إلى احتفاء بالأفراد؟
وأي رسالة تُبعث للأجيال حين يرون المنابر الثورية التي تربّوا على قدسيتها تنحدر إلى ما يشبه حفلات الولاء الشخصي؟
إن هذا المسلك لا يرفع من قدر الرئيس، بل يسيء إليه؛ لأن القائد الحقيقي لا يحتاج أبواق مديح، ولا يستمد شرعيته من القصائد، بل من منجزه ونزاهته وموقعه في ضمير شعبه.
أما الذين يحيطونه بهالات التمجيد المصطنع، فهم في الغالب لا يخدمونه بل يسيئون إلى صورته، ويضعونه – شاء أم أبى – في موضع من يُراد له أن يبدو فوق المؤسسة وفوق النقد وفوق الجميع.
إننا أمام ظاهرة يجب التنبيه إليها بوضوح قبل أن تستفحل:
فالتملق حين يجد له موطئ قدم في الثقافة الوطنية، يتمدّد سريعًا حتى يفسد الذوق، ويشوّه الخطاب، ويُنتج طبقة من المنتفعين الذين يتقنون صناعة الهتاف أكثر من صناعة الإنجاز.
وعليه، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي وضع حدٍّ حازم لمثل هذه الانزلاقات، وصون الفضاء الوطني من كل خطاب يُفسد صفاء الكلمة الثورية ويستبدلها بثقافة التزلف والتقديس الشخصي.
فالشعوب العظيمة تحفظ قادتها بالاحترام…
لكنها تحفظ أوطانها أكثر حين ترفض أن يتحول الاحترام إلى عبادة،
والتقدير إلى نفاق،
والوفاء إلى مديحٍ سياسي مبتذل.
سلامة مولود اباعلي.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...