بقلم: كريم حداد
ليست الحروب الحديثة مجرّد مواجهات عسكرية تُحسم في ساحات القتال، بل هي اختبارات عميقة للقدرة على فهم العالم وإعادة تشكيله. وفي كثير من الأحيان، لا تُقاس نتائج الحرب بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المدن التي دُمّرت، بل بمدى قدرة الطرف الأقوى على تحويل تفوّقه العسكري إلى واقع سياسي مستقر. من هذا المنظور، تبدو الحرب الأميركية على إيران لحظة كاشفة، لا لانتصار القوة، بل لانكشاف حدودها. إنها حرب تُعلِن النصر في خطابها، لكنها تخسره في نتائجها.
منذ البداية، قامت هذه الحرب على تصوّر مبسّط وخطير في آن هو أن التفوّق العسكري الأميركي، بما يمتلكه من تكنولوجيا متقدّمة، وذكاء اصطناعي، وقدرة على الضرب عن بعد، كفيل بإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. هذا التصوّر ليس جديداً؛ فقد شكّل العمود الفقري لعدد من التدخلات الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة. غير أن ما تغيّر هو أن العالم لم يعد يستجيب لهذا النوع من القوة بالطريقة نفسها. لقد أصبح أكثر تعقيداً، وأكثر قدرة على امتصاص الضربات، بل وإعادة توجيهها.
كان الهدف المُعلن للحرب واضحاً: ترويض إيران، تقويض نظامها، ومنعها من الوصول إلى السلاح النووي. أهداف تبدو، للوهلة الأولى، متّسقة مع الخطاب الأميركي التقليدي حول الأمن والاستقرار. لكن ما حدث على الأرض يُظهِر فجوة هائلة بين الهدف والنتيجة. فالنظام الإيراني لم يسقط، بل أعاد ترتيب نفسه داخلياً، وتحوّلت مراكز القوة فيه نحو مؤسسات أكثر صلابة وأقل قابلية للتفكك. الحرس الثوري، الذي كان يُنظر إليه كإحدى أذرع النظام، أصبح في قلبه، لا كجهاز أمني فقط، بل كفاعل سياسي وعسكري واقتصادي مركزي.
هذا التحوّل الداخلي لا يمكن فصله عن سياق الحرب نفسها. فالأنظمة التي تتعرّض لتهديد وجودي تميل إلى الانكماش حول أكثر أجزائها صلابة، وإلى تهميش الأصوات الداخلية التي قد تدعو إلى الانفتاح أو التفاوض. بمعنى آخر، الحرب التي كان يُفترض أن تُضعِف النظام، ساهمت في تقويته، ليس بالضرورة شعبياً، بل بنيوياً. وهذا هو النوع الأخطر من القوة، لأنه لا يظهر في الشارع، بل في مؤسسات القرار.
أمّا على المستوى الإقليمي، فقد أدّت الحرب إلى نتيجة معاكسة تماماً لما كان يُفترض أن تحقّقه. بدل أن تتراجع إيران، وسّعت من أدوات ضغطها، خصوصاً عبر مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. لم تعد المسألة تتعلق بنفوذ غير مباشر عبر حلفاء أو جماعات مسلحة، بل بقدرة مباشرة على التأثير في تدفّق الطاقة، وبالتالي في الاقتصاد العالمي ككل. هذا التحوّل يعكس انتقالاً من نفوذ «شبكي» إلى نفوذ «بنيوي»، وهو ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً وخطورة.
لكنّ المفارقة الأكثر حدّة تتعلق بالملف النووي. فالحرب التي شُنّت تحت عنوان منع إيران من امتلاك سلاح نووي، قد تكون، في واقع الأمر، قد دفعتها خطوة إضافية في هذا الاتجاه. فالدولة التي تتعرّض لضربات عسكرية مكثّفة، وتدرك أن خصومها يمتلكون تفوقاً ساحقاً، تجد في السلاح النووي أداة ردع قصوى. هنا تتحوّل المعادلة: بدل أن يكون السلاح النووي خطراً يجب منعه، يصبح، في نظر الدولة المُستهدفة، ضرورة للبقاء.
هذه المفارقة ليست جديدة في تاريخ الحروب، لكنها تكتسب في هذه الحالة بعداً خاصاً، لأنها تكشف عن خلل في فهم طبيعة الردع نفسه. الردع لا يقوم فقط على القدرة على الضرب، بل على القدرة على إقناع الخصم بأن الضرب لن يكون ضرورياً. وعندما تفشل هذه المعادلة، يتحوّل الردع إلى سباق تسلح، لا إلى أداة استقرار.
غير أن الخسارة الأعمق لا تكمن فقط في فشل تحقيق الأهداف المُعلنة، بل في ما كشفته الحرب من حدود للقوة الأميركية نفسها. لعقود طويلة، كانت الولايات المتحدة تُقدِّم نفسها كقوة تجمع بين التفوق العسكري والشرعية الأخلاقية. لم تكن القوة تُمارس فقط، بل تُبرّر ضمن إطار من القيم، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي. هذا الإطار لم يكن مجرّد زينة خطابية، بل كان جزءاً من آلية الهيمنة نفسها.
في هذه الحرب، بدا هذا الإطار وكأنه يتآكل. الخطاب الذي رافق العمليات العسكرية، والذي وصل في بعض الأحيان إلى حد التهديد بمحو دولة كاملة، كشف عن انزلاق نحو تصوّر للقوة لا يعترف بأي قيد. لم تعد المسألة تتعلّق بتطبيق القانون الدولي، بل بتجاوزه. ولم تعد الأخلاق تُستخدم لتبرير القوة، بل جرى التعامل معها كعائق أمامها.
هذا التحوّل له تداعيات عميقة. فالدول التي كانت ترى في الولايات المتحدة ضامناً للاستقرار، بدأت تعيد النظر في هذا الدور. ليس لأن القوة الأميركية تراجعت، بل لأن معناها تغيّر. القوة التي لا تُقيَّد بقواعد، تُصبِح، في نظر الآخرين، مصدر خطر، لا مصدر حماية. وهذا يدفع الدول، حتى الحليفة منها، إلى البحث عن بدائل، سواء عبر تعزيز قدراتها الذاتية، أو عبر تنويع تحالفاتها.
من هنا يمكن فهم التوتر المتزايد داخل المعسكر الغربي نفسه. فالحرب على إيران لم تكشف فقط عن حدود القوة الأميركية، بل عن حدود التحالفات التي قامت حولها. وعلى المستوى الاستراتيجي، تكشف هذه الحرب عن خلل بنيوي في التفكير الأميركي. هناك ميل متزايد إلى الخلط بين «القدرة على القتل» و«القدرة على الفوز». هذا الخلط يؤدي إلى قرارات تُعطي الأولوية للأثر الفوري للضربة، دون التفكير في تداعياتها الطويلة المدى.
الحرب لم تكن فقط خطأ في التنفيذ، بل خطأ في التصوّر. لقد انطلقت من فرضية أن العالم لا يزال قابلاً لإعادة التشكيل من خلال القوة العسكرية، وهي فرضية لم تعد صحيحة. العالم اليوم أكثر تعدّدية، وأكثر مقاومة لهذا النوع من التدخل. كل ضربة عسكرية لا تُنتِج فراغاً يمكن ملؤه، بل تُنتِج تفاعلات معقّدة، قد تكون أكثر خطورة من الوضع الذي كانت تسعى إلى تغييره.
الفشل في إيران، لا يعني نهاية القوة الأميركية، بل يشير إلى تحوّل في طبيعتها. القوة لم تعد قادرة على فرض نتائجها بنفس السهولة، ولم تعد تُترجم تلقائياً إلى نفوذ سياسي. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت ضعيفة، بل يعني أن أدواتها لم تعد كافية بمفردها. القوة العسكرية تحتاج إلى أن تُستكمل برؤية سياسية، وبقدرة على بناء تحالفات قائمة على الثقة، لا على الإكراه.
في النهاية، يمكن القول إن الحرب على إيران ليست مجرّد فصل في صراع إقليمي، بل لحظة مفصلية في تاريخ النظام الدولي. إنها لحظة تُظهِر أن الهيمنة لم تعد تُقاس بما تملكه الدولة من أدوات، بل بقدرتها على فهم حدود هذه الأدوات. بهذا المعنى، لا يكون ترامب خاسراً لأنه لم يحقّق أهدافه فقط، بل لأنه كشف، من حيث لا يدري، أن القوة التي يُفترض أن تضمن الهيمنة، قد تتحوّل إلى أداة تكشف هشاشتها. وهذه هي المفارقة الكبرى: الإمبراطورية لا تخسر حين تُهزم، بل حين تكتشف أن أدواتها لم تعد كافية للانتصار.
