ما حدث باستدعاء المدون ابن الشهيد حداد كدي، المعروف باسم “ثائر من أجل وطني”، بسبب تعبيره عن رأيه، ليس مجرد واقعة معزولة يمكن حصرها في إطار إداري أو أمني، بل هو مؤشر عميق على خلل يمس جوهر الفكرة التي قامت عليها الثورة الصحراوية. فحين تُساءل الكلمة الحرة، يصبح من المشروع أن نتساءل: ماذا تبقى من الحرية التي كانت عنوانًا للنضال وسببًا للوجود؟
إن أخطر ما في هذا النوع من الممارسات ليس فقط إسكات صوت فرد، بل خلق مناخ عام من الخوف، تتراجع فيه الجرأة على التعبير، وتُستبدل الثقة بالحذر، والمشاركة بالصمت. وهنا لا يتعلق الأمر بشخص واحد، بل بمسار كامل يُعاد تشكيله في اتجاه يضيق تدريجيًا بكل صوت مختلف.
الثورات، في جوهرها، لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة التحديات الخارجية، بل بمدى التزامها بقيمها داخليًا. وأي ثورة تضيق بالنقد، فإنها تدخل في تناقض مع ذاتها، لأن النقد ليس تهديدًا، بل ضرورة حيوية تضمن تصحيح المسار وتحمي المشروع من الانغلاق والانحراف.
إن غياب النقد أو قمعه يؤدي إلى نتائج خطيرة: أولًا، تضخم الأخطاء الصغيرة حتى تتحول إلى أزمات كبرى، لأن لا أحد يجرؤ على التنبيه.
ثانيًا، إنتاج نخب مغلقة تعيش في دائرة من التبرير الذاتي، بعيدة عن واقع الناس.
ثالثًا، تآكل الشرعية المعنوية، لأن الخطاب يفقد مصداقيته حين لا يعكس الحقيقة.
رابعًا، وهو الأخطر، أن الضغط يولد الانفجار؛ فالأصوات التي تُكبت اليوم، قد تعود غدًا بشكل أكثر حدة واتساعًا، بما يصعب احتواؤه.
أما الخوف من النقد، فليس مجرد رد فعل ظرفي، بل غالبًا ما يرتبط بطبيعة البنية السياسية نفسها. فقد يكون نابعًا من هشاشة الثقة داخل مراكز القرار، أو من غياب ثقافة مؤسسية تستوعب الاختلاف. غير أن الخطر الأكبر يظهر حين تطول المرحلة الثورية وتتحول إلى حالة دائمة، فتفقد روحها الأولى وتبدأ في التكلّس.
في هذه الحالة، تنزلق بعض الأنظمة من مشروع تحرري إلى بنية مغلقة، وتتحول تدريجيًا إلى أنماط انتهازية دكتاتورية تتكئ على تاريخها، وتخلد في السلطة، وتعيد إنتاج نفسها باسم الثورة. وعندها يصبح النقد خطرًا حقيقيًا بالنسبة لها، لأنه لا يهددها من الخارج، بل يعرّيها من الداخل، ويكشف الفجوة بين الشعارات والممارسة. لذلك لا يُواجَه الصوت الحر بالحجة، بل بالقمع.
إن السلطة التي تخاف من الكلمة الحرة، هي سلطة تدرك أن النقد قد يكشف ما تحاول إخفاءه. أما السلطة الواثقة من مشروعها ومن نفسها، فهي التي تفسح المجال للاختلاف، لأنها تدرك أن النقد ليس هدمًا، بل قوة تصحيح وتجديد.
في النهاية، لا تُختبر الشعارات في الخطابات، بل في الممارسة. فالحرية التي لا تُمارس في الداخل، تفقد معناها في الخارج. ويبقى الرهان الحقيقي: إما مشروع يضيق بأصوات أبنائه فيضعف مع الوقت، أو مشروع حيّ يملك شجاعة الاستماع إلى نفسه، فيصحح أخطاءه ويجدد شرعيته باستمرار.
سلامة مولود اباعلي.
