في 25 مارس 2026، وقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام مجلس النواب في واحدة من أكثر الجلسات السياسية حساسية منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. لم تكن المقارنة مجرد عرضٍ للموقف الدبلوماسي، بل محاولة متكاملة لتأطير دور إسبانيا في الأزمة الدولية، والدفاع عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة أمام معارضة متصاعدة.
“لا للحرب” كمرتكز للسياسة الخارجية
استند خطاب سانشيز إلى شعار واضح: رفض الحرب ورفض المشاركة فيها. وأكد أن حكومته تبنت منذ البداية موقفًا معارضًا للتدخل العسكري، معتبراً أن الحرب “غير قانونية” ولا تخدم مصالح أوروبا أو إسبانيا. كما شدد على أن مدريد رفضت السماح باستخدام القواعد العسكرية في روتا ومورون لدعم العمليات العسكرية، في خطوة أراد من خلالها إبراز استقلالية القرار الإسباني ضمن حلف الناتو.
هذا الموقف، الذي استُخدم أيضاً في الخطاب الداخلي، سعى إلى إعادة تقديم إسبانيا كقوة أوروبية تدافع عن القانون الدولي والحلول الدبلوماسية، في تكرار لاستراتيجية مدريد خلال الحرب في أوكرانيا.
“أكبر درع اجتماعي في الاتحاد الأوروبي”
المحور الثاني من المقارنة ركز على الاقتصاد والداخل، حيث أعلن سانشيز أن الحكومة أطلقت خطة شاملة بقيمة خمسة مليارات يورو لمواجهة آثار الحرب على الأسعار والطاقة والنشاط الاقتصادي. وتشمل الخطة مساعدات مباشرة وإعفاءات ضريبية وإجراءات لحماية الأسر والشركات.
وصف رئيس الحكومة هذه الإجراءات بأنها “أكبر درع اجتماعي واقتصادي في الاتحاد الأوروبي”، في محاولة لربط إدارة الأزمة الحالية بسردية سياسية اعتمدها خلال جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، تقوم على تدخل الدولة لحماية الطبقات المتوسطة والضعيفة.
إدارة الأزمة الإنسانية وإجلاء المواطنين
من أبرز النقاط التي عرضها سانشيز أيضاً عمليات الإجلاء من مناطق النزاع، والتي وصفها بأنها الأكبر في تاريخ إسبانيا، حيث تم إجلاء آلاف المواطنين من مناطق التوتر. هذا الجزء من الخطاب سعى إلى إظهار قدرة الدولة على حماية مواطنيها خارج الحدود، وتقديم صورة حكومة تتحرك بسرعة في الأزمات الدولية.
خطاب موجّه إلى الداخل بقدر ما هو للخارج
على الرغم من أن المقارنة جاءت رسمياً لشرح موقف إسبانيا الدولي، إلا أن مضمونها كان موجهاً بوضوح إلى الساحة السياسية الداخلية. فقد استخدم سانشيز خطاباً دفاعياً ضد المعارضة، مؤكداً أن الحكومة لم تكتفِ برفض الحرب، بل عملت أيضاً على تخفيف آثارها الاقتصادية، في حين اتهم خصومه بعدم تقديم بدائل واضحة.
هذا البعد الداخلي يعكس طبيعة السياسة الإسبانية في السنوات الأخيرة، حيث تحولت القضايا الدولية – من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط – إلى أدوات صراع حزبي داخل البرلمان، خاصة في ظل غياب أغلبية حكومية مريحة واعتماد الحكومة على تحالفات متغيرة.
محاولة تثبيت صورة إسبانيا كفاعل دولي مستقل
أحد أهم الرسائل الضمنية في الخطاب كان التأكيد على أن إسبانيا ليست مجرد تابع للسياسات الأمريكية أو الأوروبية، بل دولة تمتلك قرارها السيادي. وقد تجلى ذلك في رفض استخدام القواعد العسكرية وفي التركيز على القانون الدولي والمساعدات الإنسانية، وهي عناصر تسعى الحكومة من خلالها إلى تعزيز صورة البلاد كوسيط محتمل في الأزمات الدولية.
خطاب أزمة متعددة الأبعاد
تكشف مقارنة سانشيز أمام البرلمان عن إدارة سياسية لأزمة مركبة تجمع بين الحرب الخارجية والتوتر الداخلي. فبينما سعى إلى تقديم نفسه كقائد يدافع عن السلام ويحمي الاقتصاد، كان يدرك أن خطابه سيُقرأ أيضاً في سياق المنافسة السياسية الداخلية، وقبل تصويت حساس على إجراءات اقتصادية طارئة.
وهكذا، لم تكن الجلسة مجرد عرض دبلوماسي، بل اختباراً جديداً لقدرة الحكومة الإسبانية على تحويل الأزمات الدولية إلى فرصة لتعزيز شرعيتها السياسية في الداخل، في وقت تتزايد فيه الضغوط من المعارضة ومن بعض حلفائها على حد سواء.
