منذ بدأت المفاوضات، في شكلها الجديد، منذ بداية فبراير الحالي حول قضية الصحراء الغربية وصفها الإعلام والسياسيون والمهتمون والمتابعون للشأن الصحراوي، ووصفها الاحتلال المغربي إنها مفاوضات تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية فقط، وإن هذه الأخيرة هي التي فرضتها مثلما تحاول أن تفرض حلولا في قضايا كثيرة أخرى في العالم.
في خضم هذه المغالطة التي تبناها الاحتلال المغربي تم تجاهل أن الأمم المتحدة تحضر لها ممثلة في المبعوث الشخصي للأمين العام كمشرف على تطبيق تقرير المصير، كما تم تجاهل أنها تنطلق من قرار مجلس الأمن 2797 الذي يلح على تقرير المصير.
في الحقيقة، هذه المفاوضات لا تنطلق من فراغ، وهي نتيجة لتراكم محاولات كثيرة قامت بها الأمم المتحدة في السابق وفشلت بسبب تعنت النظام المغربي الذي أفشل كل محاولة لتطبيق القانون الدولي، وبسبب عدم وجود دولة عظمى تضغط على المغرب ليكون جديا ويطبق ما تم الاتفاق عليه. وجود الولايات المتحدة الآن في المفاوضات شكّل الآلية التي كانت تحتاج الأمم المتحدة لتفرض على المغرب أن ينصاع للشرعية الدولية، ويجلس وجها لوجه مع البوليساريو للتفاوض لتطبيق قرارات مجلس الأمن.
مثلما رأينا في اللقاءات التي حدثت أيام 8 و9 فبراير تحدثت الولايات المتحدة فقط عنها ولم تتحدث الأمم المتحدة. في اللقاءات التي جرت أيام 23 و24 فبراير، تفطنت الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية للخطأ بسبب تجاهل دور الأمم المتحدة، وتحدث الناطق الرسمي للأمين العام وقال إنها مفاوضات تشرف عليها الولايات المتحدة والأمم المتحدة. هذا التصريح صحح المفاهيم واسكت الدعاية المغربية التي تحاول إظهار أن القضية الصحراوية لم تعد تُناقش في الأمم المتحدة إنما أصبحت حصريا بيد الولايات المتحدة الأمريكية.
من جون بولتون إلى مسعد بولس
فكرة أن تفرض الولايات المتحدة الأمريكية على المغرب أن يجلس، حول طاولة واحدة، مع البوليساريو هي فكرة للأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، الذي اختار، سنة 1997م، مبعوثا أمريكيًا شخصيا له هو جيمس بيكر في محاولة لجعل الإدارة الامريكية تقف إلى جانبه وتضغط على المغرب ليقبل الحل، لكن الإدارة الأمريكية لم تفعل فاستقال. رغم ذلك بقيت الفكرة قائمة وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الوحيدة التي تستطيع أن تضغط على المغرب ليقبل تطبيق القانون الدولي. في سنة 2007م، حاول جون بولتون، سفير أمريكا في الأمم المتحدة آنذاك، أن ينظم مفاوضات بين المغرب والبوليساريو تحت الإشراف الحصري للولايات المتحدة الأمريكية ودون إشراك الأمم المتحدة. فحسب وثيقة للسفارة الأمريكية في الأمم المتحدة، بتاريخ 20 مارس 2007م، تحت رقم 07USUNNEWYORK225_a ، نشرتها منصة ويكيليكس، فإن الولايات المتحدة في سنة 2007م، قررت أن تمضي قُدما في تطبيق فكرة جون بولتون وهي إجراء مفاوضات بين المغرب والبوليساريو تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية. يقول التقرير المذكور أن بعثة الولايات المتحدة بنيورك سلمت يوم 19 مارس 2007م دعوة إلى المغرب لحضور المفاوضات مع البوليساريو، وأنها تنتظر الجواب.. تقول السفارة في تقريرها:” لم يكن بمقدورنا أن نسلم نفس الدعوة لممثل البوليساريو بوخاري احمد حتى يوم 20 مارس بسبب أنه رفض قبول الدعوة دون أمر من محمد عبد العزيز الأمين العام للبوليساريو، وقال أنه سينقل الدعوة وتقرير المحادثات معه إلى قيادة الجبهة. حسب تقرير آخر للسفارة الأمريكية بالأمم المتحدة بتاريخ 23 مارس 2007م، ويحمل رقم 07USUNNEWYORK235_a ، ونشرته ويكيليكس، أيضا، فإنه بتعليمات من قيادته فإن ممثل البوليساريو بنيورك، بوخاري احمد، سلَّم يوم 22 مارس 2007م الرد الرسمي للبوليساريو على الدعوة الأمريكية- دعوة جون بولتون- المتعقلة بإجراء مفاوضات بين البوليساريو والمغرب، والتي تم تسليمها للطرفين يوم 20 مارس بخصوص عقد لقاء مع المغرب حول الصحراء الغربية برعاية أمريكية.. وكان رد البوخاري الوحيد هو أن البوليساريو تريد أن تساعد، لكن هناك خطوط لا يمكن تجاوزها، ومنها إنها لن تحضر لأية مفاوضات خارج إطار الأمم المتحدة. لقد فشل عقد ذلك اللقاء لأنه الأمم المتحدة لم تحضر له.
إذن، فكرة أن ترعى الولايات المتحدة الأمريكية مفاوضات بين البوليساريو والمغرب ليست جديدة وتم بعثها الآن في ثوب جديد. الآن، يبدو أن مسعد بولس استعاد فكرة جون بولتون السابقة، وضمّنها شروط البوليساريو فأصبح السيناريو كالآتي: أولا، ضرورة أن تحضر الولايات المتحدة كعامل ضغط على المغرب ليتفاوض مع البوليساريو؛ ثانيا، أن تكون الأرضية هي قرارات مجلس الأمن؛ ثالثا، أن تحضر الأمم المتحدة بصفتها هي الراعية لعملية تقرير المصير وتطبيق القانون الدولي.
حسب تقديرنا، فإن الضغط على المغرب الآن أكبر من الضغط الذي يمكن أن تتعرض له البوليساريو لعدة أسباب، منها أن المغرب لم يستطع تقديم مقترح حكم ذاتي بمواصفات دولية، وأن حضور الأمم المتحدة سيكون ضامنا لتقرير المصير، وأن قرار 2797 لم يقتصر على الحكم الذاتي فقط، لكن ترك المجال مفتوحا أمام خيارات أخرى من ضمنها تقرير مصير الشعب الصحراوي الذي لا يمكن تطبيقه ما لم ينظم استفتاء عام ديمقراطي بإشراف دولي.
وإذا كان الجميع متفق أن الإدارة الأمريكية الحالية هي إدارة براغماتية، وأنها تتعامل مع القضايا من منظور الربح والضغط، فإنها في قضية الصحراء الغربية اكتشفت أن مصلحتها هي في إشراك الأمم المتحدة معها لإيجاد حل، وهذه الأخيرة لا تستطيع أن تتصرف خارج القانون الدولي وتقرير المصير، وهذا يعني أنه لن يكون هناك أي حل لا يَرضَى به الشعب الصحراوي.
الكاتب : السيد حمدي يحظيه- الشروق اونلاين
