3مارس 2026
يرى علم النفس المعرفي وعلوم الأعصاب الحديثة ، لدى العقل المادي الغربي ؛ أن الإدراك ليس تصويرًا محايدًا للواقع، بل عملية انتقائية وتفسيرية تتأثر بالتوقعات والعاطفة والسياق الاجتماعي.
لذلك يمكن توجيهه بسهولة نسبيًا عندما تُفهم آلياته.
أهم العوامل التي تجعل الإدراك قابلاً للتأثير
1. نظرية تقول : الدماغ يعمل بالاختصار لا بالتحليل الكامل
كما قدّم ذلك دانيال كهنيمان، في مفهوم التفكير السريع، في النظام الذي يعتمد على الحدس والاختصارات الذهنية.ويوفّر الطاقة والوقت.
لكنه عرضة للانحيازات حسب ماتعرض له من توجيه.
فهو يقبل تفسيرات سريعة دون تمحيص.
2.الانحيازات المعرفية
إن الدماغ يستخدم اختصارات ذهنية قد تؤدي إلى أخطاء منهجية، مثل انحياز التأكيد، فالعقل نصدق ما يوافق معتقداته فقط.
ويتأثر الدماغ بانحياز التوفر ، فيبالغ في في تقدير مصداقية ما يتكرر أمامه من سرديات ولو ناقضت الواقع الحقيقي.
ويتأثر الدماغ بالإطار ، أي بطريقة عرض المعلومة فيتغيّر الحكم عليها.
و طريقة تقديم الحقيقة فقد تكون أكثر تأثيرًا من الحقيقة نفسها.
3. الإدراك التنبؤي
ويرى نموذج الدماغ التنبؤي المرتبط بأعمال كارل فريستون أن الدماغ يتوقع الواقع قبل أن يراه،ثم يفسر المعلومات وفق التوقع.
للظن أن التوقعات يمكن أن تشكّل ما نراه بالفعل.
4. دور العاطفة في تشكيل الإدراك
العاطفة ليست عدو العقل عند العقل المادي الغربي ، فهي جزء من عملية الحكم على الواقع النفسي المتصور.
وتشير أبحاث أنتونيو دوماسيو إلى أن القرارات دون عاطفة تصبح مشوشة.
وأن المشاعر توجه الانتباه والتقييم، لذلك فإن الخوف، والغضب، والأمل وبقية الانفعالات النفسية تغيّر إدراك الواقع.
5.تأثير الجماعة والبيئة الاجتماعية
حسب تجارب سولمون آسش أظهرت أن الأفراد قد يوافقون رأيا خاطئًا، لأن المجموعة تتبناه.
فالانتماء قد يغلب الإدراك الفردي.
6. قوة التكرار وبناء الألفة
فالتكرار يخلق شعورًا بالألفة، والألفة تُفسَّر كصدق.
فكلما سمع الإنسان فكرة أكثر بتكرار أكثر ، بدت له أكثر صحة.
7. الضغط المعرفي وقلة الانتباه
فعندما يكون الإنسان متعبا وتحت ضغط متنوع ، فقيرا أو هش المعرفة وهش الثقة بذاته وبمجمتعه، ويغرق بمعلومات صادقة وأخرى كاذبة فإن دماغه يعتمد أكثر على الاختصارات الذهنية بساطة ووضوحا.
ففي ظروف الإجهاد من أي نوع ، يضعف التفكير النقدي. الفاحص لكل خبر.
خاصة في البيئات التي تعاني من فراغ معرفي عميق
8. العقل المادي يرى أن السرديات أكثر تأثيرًا من الحقائق
والدماغ البشري مهيأ لفهم العالم عبر القصص، فالسرد الجيد يثير العاطفة ويخلق معنى نفسي ذهني يسيطر على النفس،
ويسهل حفظه وتذكره.
فالبشر يتذكرون القصص أي السرديات أكثر من البيانات.
9. الخوف والتهديد يضيقان الإدراك
فعند الشعور بالخطر يتركز الانتباه
ويقل التفكير التحليلي، وتزداد الاستجابة العاطفية.
فالخوف يجعل التأثير أسهل.
فيسهل توجيه الإدراك تحت ضغط الخوف لأن الدماغ يوفر الطاقة عبر الاختصارات الذهنية و يعتمد على التوقعات السابقة، ف يتأثر بالعاطفة والانتماء الاجتماعي ، و يبحث عن المعنى عبر السرديات،
ويضعف تحت الضغط والخوف.
فالإدراك ليس مرآةً للواقع، إذ هو تفسيرٌ نفسي مستمرّ له..
لكنه تفسير جوهره خداع العقل بانفعلات النفس بسبب نشاط دماغي ، تديره السرديات الموجهة للإدراك ، لتحوله إلى سلوك وأفعال وردات فعل ، قابلة للإدارة والتحكم ، عبر مسارين إيجابي وسلبي ، فالإيجابي يحتكره المتحكم في هندسة الإدراك ، والسلبي يغرق فيه الخصم أو العدو المستهدف.
ويغرق به الإدارك الجمعي والفردي لإنتاج ضغط هائل على انفعلات صانع القرار وتوجيهه نحو القرار الأسوإ ، الذي يوجهه إليه أثر السرديات في مجتمعه؛ نخبا مثقة وسياسية وإدراك جمعي وفردي يدار في الخفاء النفسي دون أن ينكشف لأحد
لتغلق دائرة التضليل على الماضي والحاضر والمستقبل بتفسير سردي بسيط ، تدوره أدمغة وانفعالات ضحاياه كسرديات إعلامية وسياسية تستفز القارئ والمشاهد ليرد ، لتكتمل دورة السرديات المدمرة .
وتربط هذه السرديات بحوافز ، تخلق ردة فعل بانفعال نفسي إيجابي مقابل الخضوع لمعايير وضعها صانع السردية تفرض الخضوع لها بوسائل ناعمة ، تدفع بدوافع غريزية للنفس .
وهي سرديات تخدم نفوذ المهيمن على صناعة أكمل سردية.
فقد يصنع المهزوم سردية نصر ويصنع الضعيف سردية قوة ، ويصنع الكذاب سردية صدق.
لتنتج ثنائيات تفسر الواقع بنقيضه، والشعار بنقيضه والمبادئ الأخلاقية بنقيضها
والشعارات الدينية والحضارية بنقيضها..
