القائمة الرئيسية

الصفحات

مرسوم التعيينات: التوقيت المشبوه وغياب التجديد.

                 


في توقيتٍ ملتبس، لا ينفصل عن سياق التحضير للمؤتمر الشعبي العام القادم، أقدم الأمين العام للجبهة، إبراهيم غالي، على إصدار مرسوم يتضمن جملة من التعيينات داخل هياكل التنظيم. وبينما يُسوَّق هذا الإجراء باعتباره خطوة تنظيمية عادية تفرضها ضرورات المرحلة، فإن التدقيق في سياقه وتوقيته يكشف أنه أبعد ما يكون عن البراءة.
وما يؤكد عدم براءة هذا التوقيت هو هذا السيل المتسارع من المراسيم في لحظة يُفترض أن تكون أقرب إلى “الوقت البديل الضائع”، حيث تتكاثف القرارات بشكل لافت يوحي برغبة في حسم موازين داخلية بسرعة غير معتادة. فبدل أن تكون هذه المرحلة مناسبة للتريث والتقييم الشامل، تتحول إلى مساحة لتمرير قرارات متتابعة، بما يعزز الانطباع بأن الهدف ليس فقط التنظيم، بل تثبيت تموضعات معينة قبل الوصول إلى محطة المؤتمر.
إن القيام بهذه التعيينات على مرمى حجر من انعقاد المؤتمر الشعبي العام يجعلها أقرب إلى عملية إعادة ترتيب للأوراق، لا بهدف الإصلاح أو ضخ دماء جديدة، بل لضبط موازين القوى الداخلية وتطويعها بما يخدم نتيجة محددة سلفًا: تأمين ولاية جديدة للأمين العام. وهنا تتحول القرارات من أدوات تدبير إلى وسائل تمهيد، ومن آليات تنظيمية إلى أدوات توجيه سياسي مغلف.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود التوقيت فقط، بل يمتد إلى جوهر هذه التعيينات نفسها. فلو كانت هناك إرادة حقيقية للإصلاح، لكان من المفترض أن تُتخذ هذه الخطوات في وقت سابق بكثير، حين كانت الحاجة إليها أكثر إلحاحًا، لا أن تُؤجَّل إلى لحظة حساسة تُوظَّف فيها لخدمة حسابات ظرفية ضيقة. إن هذا التأخير يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة الدوافع، ويعزز الانطباع بأن الأمر لا يتعلق بإصلاح بقدر ما يتعلق بتدبير سياسي موجه.
ثم إن هذه التعيينات، رغم ما أُحيطت به من خطاب التحديث، لم تحمل في طياتها أي ضخ حقيقي لدماء جديدة في الروح الوطنية، بل بدت أقرب إلى إعادة تدوير لنفس الوجوه ونفس المنهجيات. وهو ما يعكس عجزًا عن التجديد، أو ربما خوفًا منه، في وقت تتطلب فيه المرحلة جرأة في فتح المجال أمام طاقات جديدة قادرة على إعادة الحيوية للفعل الوطني.
هذا النمط من “الهندسة المسبقة” للمؤتمرات ليس جديدًا في التجارب السياسية التي تعاني من أزمة تداول فعلي على السلطة، حيث يُستبدل منطق التنافس الحر بمنطق الضبط المسبق، وتُختزل المؤتمرات في مجرد محطات شكلية لإضفاء الشرعية على ما تم حسمه في الكواليس. وفي مثل هذه الحالات، تصبح التعيينات أقرب إلى رسائل سياسية مشفّرة: من يُقرَّب، من يُبعد، ومن يُعاد تموضعه.
الأخطر في هذه الممارسات أنها تُفرغ الفعل السياسي من محتواه الحقيقي، وتُضعف ثقة القاعدة في جدوى المشاركة، حين تدرك أن مخرجات المؤتمر لا تُصنع داخل قاعاته، بل تُطبخ خارجه. كما أنها تعمّق الفجوة بين الخطاب الذي يتحدّث عن الديمقراطية، والممارسة الفعلية التي تسير في اتجاه معاكس تمامًا.
إن ما يجري لا يمكن قراءته كإصلاح متأخر، بل كإعادة ترتيب محسوبة لضمان نتائج معروفة سلفًا. وحين تتحول القيادة إلى طرفٍ يُدير قواعد اللعبة بدل أن يحتكم إليها، فإن ذلك لا يطرح فقط سؤال الشرعية، بل يضع مستقبل العمل الوطني برمّته على المحك.
فالتاريخ لا يرحم محاولات الالتفاف، وما يُخفى بدافع التدبير لا يلبث أن ينكشف تحت وطأة الحقيقة؛ إذ لا شيء يبقى مستورًا إلى الأبد، وما يُبنى على المناورة لا يمكن أن يصمد أمام اختبار الحقيقة.

سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...