تحت وطأة إيقاع العصر السريع، لم يعد الإنسان يكتفي بالركض خلف أحلامه، بل صار يركضُ بمركبته وكأنه يحاول تجاوز الزمن نفسه. لكن الحقيقة المرة التي تصدمنا كل يوم على أرصفة الطرقات هي أن السرعة المفرطة ليست اختصاراً للمسافات، بل هي في الغالب أقصر الطرق لنهاية الرحلة البشرية تماماً.
نشوة "الأدرينالين" القاتلة
خلف مقود السيارة، يشعر الشاب بقوة وهمية؛ محركٌ يزأر تحت قدمه، وعدادٌ يقفز متجاوزاً الأرقام المسموحة، وهواءٌ يصفع النوافذ بشدة. في تلك اللحظة، يظن السائق أنه تسيّد الطريق، وأن خفة يده على المقود ستحميه من غدر الطريق.
هذا الشعور الزائف هو "الفخ"؛ فالفيزياء لا تعترف بالمهارة عندما تخرج الأمور عن السيطرة. إن الثانية الواحدة التي يقضيها الشاب في النظر إلى هاتفه أو التباهي بسرعة سيارته هي ذاتها الثانية التي تقرر مصير عائلة كاملة كانت تعبر الطريق في أمان الله.
عندما يتحول الشباب من "أمل" إلى "ذكرى"
من المحزن أن نرى طاقات الوطن، وعمود الخيمة في كل بيت، يتساقطون في حوادث كان يمكن تفاديها بـ "هدوء أعصاب". الشباب، بطبيعتهم المندفعة، يربطون أحياناً بين السرعة والرجولة، أو بين التهور والمغامرة.
ولكن، هل من الشجاعة أن تترك أماً تحترق شوقاً لعودتك؟ أو أباً يقضي ما تبقى من عمره يستقبل المعزين بدلاً من أن يزفك لعرسك؟ إن الرجولة الحقيقية هي الحكمة في الحفاظ على الأرواح، لا في الضغط على دواسة الوقود.
معادلة الرحيل الصعبة
العلم يخبرنا أن احتمالية النجاة من حادث تصادم تقل بشكل مخيف كلما ارتفع مؤشر السرعة. فالعلاقة بين السرعة وقوة الاصطدام هي علاقة تصاعدية مرعبة:
"في لحظة الاصطدام، تتحول السيارة من وسيلة نقل مريحة إلى قذيفة حديدية تزن أطناناً، تفتك بكل ما يقف في طريقها، بما في ذلك أجساد من بداخلها."
دعوة للتأمل.. لا للندم
إننا بحاجة إلى ثقافة "القيادة الواعية". القيادة التي تنظر إلى الطريق كحق مشترك، وإلى السيارة كأداة للوصل لا للفصل. علينا أن نعيد تعريف "البطل" في عيون شبابنا؛ البطل ليس من يصل أولاً وهو يرتجف رعباً من الموت، بل هو من يصل بسلام ليحتضن أطفاله أو يقبل يد والديه.
ختاماً..
قبل أن تزيد من سرعة سيارتك، تذكر أن هناك من ينتظر سماع صوت مفتاحك في باب المنزل، لا سماع خبرك في غرف الطوارئ. الطريق يتسع للجميع، والحياة أجمل من أن تُهدر من أجل "دقيقة" توفير أو "لحظة" استعراض.
متداول
