القائمة الرئيسية

الصفحات

خمسينية الجمهورية – المرحلة الأولى: التأسيس… الاعترافات… الحرب المفتوحة… وبناء الدولة تحت النار.

        


لم يكن إعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في 27 فبراير 1976 حدثًا رمزيًا عابرًا، بل كان فعلًا تأسيسيًا حاسمًا نقل الكفاح الوطني من طور الثورة إلى طور الدولة. حين أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب قيام الجمهورية، كانت تدرك أن الإعلان ليس بيانًا سياسيًا، بل تعهدًا تاريخيًا بالدخول في مواجهة مفتوحة دفاعًا عن السيادة والوجود.
أولًا: التأسيس… ملء الفراغ بالشرعية
جاء الإعلان في لحظة فراغ قانوني عقب انسحاب الاستعمار الإسباني، ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض. كان الخيار واضحًا: إما أن يُملأ الفراغ بمنطق الضم والإلحاق، بل الابتلاع، أو يُملأ بشرعية وطنية تنبع من إرادة الشعب. فجاء الإعلان ليؤكد أن السيادة لا تُمنح، بل تُؤسَّس.
في تلك اللحظة الفارقة، تحولت الحركة التحررية إلى دولة قائمة بمؤسساتها: قيادة سياسية، جهاز إداري، تمثيل خارجي، وقوة عسكرية تحمي القرار الوطني. فلم تكن الدولة ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة وجودية.

ثانيًا: الاعترافات… تثبيت الشخصية الدولية.

لم تمضِ أسابيع قليلة حتى بدأت الاعترافات الدولية تتوالى، في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى من العالم. وكان الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي تتويجًا لمرحلة توطيد الشخصية القانونية للدولة الصحراوية داخل الفضاء القاري.
هذا الاعتراف لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي؛ بل كان اعترافًا بوجود كيان سياسي ذي مؤسسات وتمثيل وشعب. لقد انتقلت القضية من ملف نزاع إلى حضور رسمي داخل منظمة قارية، وهو مكسب دبلوماسي رسّخ مبدأ أن الجمهورية ليست فكرة، بل واقعًا سياسيًا معترفًا به.
ثالثًا: الحرب المفتوحة… الدولة التي وُلدت تحت النار
كان ثمن الإعلان حربًا شاملة. لم تُمنح الجمهورية فرصة هادئة لبناء مؤسساتها؛ بل وُلدت تحت القصف، ونشأت في سياق مواجهة عسكرية طويلة. ومع ذلك، لم تنكفئ الدولة الناشئة، بل نظمت صفوفها، وطورت قدراتها العسكرية، وفرضت نفسها طرفًا رئيسيًا في معادلة الصراع.
لقد أثبتت المؤسسة العسكرية أن إعلان الدولة لم يكن إعلانًا بلا قوة، وأن الشرعية السياسية تسندها قدرة ميدانية على الصمود والردع. وفي خضم الحرب، تكرّس ميزان ردع فرض الاعتراف بوجود طرف لا يمكن تجاوزه.

رابعًا: الإنجازات التنظيمية والاجتماعية… بناء المجتمع المقاوم
الأصعب من القتال هو البناء في زمن الحرب. ومع ذلك، شهدت هذه المرحلة تشييد اللبنات الأولى لدولة منظمة:
مؤسسات تشريعية وتنفيذية تعمل في ظروف استثنائية.
إدارة مدنية في المخيمات تقوم على المشاركة الشعبية.
نظام تعليمي وصحي رغم شح الإمكانيات.
تنظيم اجتماعي حافظ على الوحدة والهوية الوطنية.
لقد تحولت المخيمات من فضاء لجوء إلى فضاء تنظيم. وتحول الشعب من ضحية نزوح إلى مجتمع منضبط يدير شؤونه بنفسه. كان ذلك إنجازًا سياسيًا واجتماعيًا بقدر ما كان ضرورة إنسانية.
خلاصة المرحلة الأولى
مرحلة التأسيس لم تكن مرحلة انتظار، بل مرحلة فرض وجود.
ثبتت فيها الجمهورية شرعيتها، وخاضت حربها دفاعًا عن قرارتها، وانتزعت اعترافات، وبنت مؤسساتها وهي تحت النار.
هذه المرحلة أرست القاعدة الصلبة لما تلاها:
شرعية مُعلنة، حضور دبلوماسي، قدرة عسكرية، ومجتمع منظم.
وفي ميزان التاريخ، تُقاس الدول ليس بظروف نشأتها المريحة، بل بقدرتها على أن تُولد في العاصفة… وتبقى.
وإذا كانت المراحل اللاحقة ستختبر صلابة هذا البناء، فإن المرحلة الأولى ستظل لحظة الإثبات الكبرى: عنوان المكاسب والانجازات؛ لحظة تحوّل الثورة إلى دولة، والكفاح إلى سيادة مُعلنة تنتظر اكتمالها.
يتبع... 
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...