خلال خمسين سنة من عمر الدولة الصحراوية، سطّر الشعب الصحراوي واحدة من أطول تجارب التحرر الوطني في القارة الإفريقية، تجربة امتزجت فيها المقاومة السياسية والعسكرية بالبناء المؤسساتي والعمل الدبلوماسي، في سبيل انتزاع حقه المشروع في تقرير المصير والحرية والاستقلال.
لقد انطلقت مسيرة الكفاح المعاصر مع تأسيس جبهة البوليساريو سنة 1973، كإطار جامع للنضال الوطني الصحراوي ضد الاستعمار الإسباني أولاً، ثم في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع بعد انسحاب إسبانيا سنة 1975. وفي خضم التحولات الإقليمية، أعلن الصحراويون قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية سنة 1976، تعبيراً عن إرادتهم في بناء كيان سياسي مستقل يجسد شخصيتهم الوطنية ويصون سيادتهم.
اكتشاف المزيد
Sonelgaz information
ساعات ذكية
Website management service
ملابس رياضية
أطقم رياضة جزائرية
لم يكن الكفاح الصحراوي مجرد مقاومة عسكرية، بل كان – ولا يزال – مشروع بناء مؤسساتي متكامل. ففي ظروف اللجوء القاسية، أقيمت هياكل دولة حديثة: مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية، منظومة تعليمية وصحية، وتنظيم إداري واجتماعي يعكس إصرار شعب على ممارسة سيادته حتى قبل اكتمال شروط الاستقلال. هذا البناء المؤسساتي منح القضية الصحراوية مصداقية سياسية وقانونية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وفي الإطار القاري، تُعد عضوية الجمهورية الصحراوية في الاتحاد الإفريقي محطة مفصلية في مسار الاعتراف الإفريقي بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. فقد جسدت هذه العضوية تأكيداً لمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي، وهو احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة. كما عكست التزاماً إفريقياً بدعم حركات التحرر وإنهاء آخر مظاهر تصفية الاستعمار في القارة.
أما على مستوى الشرعية الدولية، فإن حق الشعوب في تقرير المصير مكرّس في ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. وبناءً على ذلك، لا يمكن بأي حال من الأحوال القفز على الحقوق الثابتة للشعب الصحراوي أو الالتفاف عليها عبر صفقات سياسية ظرفية أو ترتيبات تفرضها موازين القوى. فالقانون الدولي لا يشرعن التوسع الإقليمي ولا يعترف بالأمر الواقع إذا كان قائماً على إنكار إرادة شعب بأكمله.
لقد أظهرت العقود الخمسة الماضية أن الإرادة الصلبة لشعب مقاوم، قادرة على الصمود في وجه الضغوط والتقلبات الدولية. فالشعب الصحراوي، رغم اللجوء والمعاناة وطول أمد النزاع، حافظ على وحدته الوطنية وعلى تمسكه بخيار الاستفتاء كآلية ديمقراطية لتجسيد حقه في تقرير المصير. كما واصل حضوره الدبلوماسي في المحافل الدولية، مدافعاً عن قضيته باعتبارها قضية تصفية استعمار لم تستكمل بعد.
إن الكفاح الصحراوي ليس مجرد نزاع إقليمي، بل هو تعبير عن مبدأ كوني مفاده أن الشعوب لا تُباع ولا تُشترى، ولا يمكن أن يقايض بها على طبق المشاريع الاقتصادية والمعادن النادرة. فالسيادة حق غير قابل للتجزئة، والكرامة الوطنية ليست موضوع مساومة.
فعلى امتداد خمسة عقود من الكفاح، أثبت الشعب الصحراوي أنه شعب لا يُروَّض ولا يستسلم، وأن إرادته السياسية ليست قابلة للكسر أو الاحتواء. فمنذ انطلاق مسيرته التحررية مع جبهة البوليساريو، مروراً بإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ظل الخيار واضحاً: لا بديل عن الحرية، ولا مساومة على حق تقرير المصير.
لقد تعلّم الشعب الصحراوي من تجاربه التاريخية، ومن محطات الوعود المنكوثة والمناورات السياسية التي حاولت فرض الأمر الواقع. وعبر سنوات طويلة، واجه سياسات الترغيب والترهيب، ومحاولات الالتفاف على قضيته عبر الإغراءات الاقتصادية أو الضغوط الدبلوماسية. غير أن الوعي الجمعي الصحراوي تشكّل على قاعدة أن الحقوق لا تُمنح كهبات، ولا تُختزل في مشاريع جزئية تُفرغها من مضمونها القانوني والسياسي.
إن الرهان على إنهاك الصحراويين أو شراء مواقفهم او إخضاعهم بالقوة أثبت فشله. فالشعب الذي صمد في وجه الحرب، وتحمل اللجوء، وبنى مؤسساته في ظروف قاسية، لا يمكن أن ينخدع بسهولة بحملات تزييف الحقائق أو بمحاولات تجميل واقع قائم على إنكار حق أصيل. التجربة علّمته أن الوعود غير المؤطرة بضمانات دولية واضحة ليست سوى أدوات لربح الوقت، وأن الحلول التي تتجاوز مبدأ تقرير المصير ليست سوى إعادة إنتاج للأزمة.
ولذلك، فإن الرسالة المركزية التي يؤكدها مسار الكفاح الصحراوي هي أن الاستسلام ليس خياراً، وأن الترويض السياسي وهمٌ لا يستقيم مع تاريخ من المقاومة والتضحيات. لقد أثبتت الخمسة عقود الماضية أن الشعب الصحراوي يمتلك من الوعي والتنظيم والإرادة ما يجعله عصياً على الترويض، ومحصناً ضد محاولات التضليل، ومتمسكاً بحقوقه غير القابلة للتصرف.
إنه شعب خبر الخدع، وواجه حملات الضغط، وعايش محاولات فرض الأمر الواقع، لكنه في كل مرة يعود إلى ثوابته: الحرية، السيادة، والكرامة. ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة تتجاهل هذه الثوابت أو تراهن على تعب الزمن إنما تقرأ الواقع بعين قاصرة. فإرادة الشعوب المقاومة لا تُقايَض، والتاريخ يثبت أن الحقوق المؤجلة قد تُؤخَّر، لكنها لا تموت.
بقلم: محمد فاضل الهيط
