في الحياة اليومية، يوصَف موقع أحد هؤلاء بأنه «فوق فوق» «هاي هاي» «الهاي كلاس». ويُقال عنهم في بلادنا «إشي إشي»، وتكرار كلمة «إشي» يعني أنهم شيء مضاعف القيمة. هذا الوصف لا يقتصر على البشر، بل يُمنح للبضائع والخدمات وكل ما يُراد رفع شأنه. «أدعوك إلى مطعم إشي إشي» هذا جاكيت «إشي إشي»، فلان خطب لابنه فتاة من عائلة «إشي إشي».
ولكي تصبح من شريحة الـ «إشي إشي»، عليك بالتعب والجهد، هذا صحيح إذا كنت تسعى للتميّز في فن من الفنون أو العلوم أو الرياضات، ولكن في السياسة هنالك ما قد يكون أهم من الاجتهاد وهو إدارة العلاقات، ومعرفة كيف تسوّق نفسك باعتبارك تستحق هذا الموقع. لهذا كثيرًا ما يُعجب الناس بشخصية تافهة ويرفعون من شأنها.
يصنع الناس حول هذه الشخصيات هالاتٍ تُبعدهم عن محيطهم البشري العادي، وتتعزز هذه الصورة عندما تُكتب عنهم سِيَر ذاتية معقّمة، بلا زلات ولا هنات، زاخرة بالأفعال الطيبة، حتى يبدو أحدهم فاعل خير مجهولاً وصاحب يد بيضاء على الكثيرين، ولكنه المتواضع الذي يرفض بل ويزعل إذا ذُكرت أعماله هذه، فهو يفعلها «ليحظى برضا الله وليس لإرضاء الناس».
وحين يتجرأ أحد على نقد شخصية من هذا النوع، تنهال عليه جوقة الردّاحين من المستفيدين منه، ومن المغشوشين فيه.
“هذا حسد وعين فارغة».
“ما هو موقعك من الإعراب حتى تتحدث عن فلان؟»
“من أنت حتى تتطاول… الزم حدودك؟»
“رحم الله امرأ عرف قدر نفسه ووقف عنده».
“اعرف حجمك».
و»الحجم» هنا يُقاس بعدد المستعدين لحمل العصي أو البنادق ليدافعوا عنك، وبقدرتك على الدفع. فالضعفاء والفقراء لا يحق لهم نقد الأقوياء.
الإنسان يظل إنساناً، سواء كان في موقع سلطة ومسؤولية، أو عامل نظافة، أو عاطلاً عن العمل. الخطيئة جزء من تكوينه الجسدي والنفسي، ويحتاج إلى جهد خارق للعبور من دون خطايا في حياة فُرضت عليه، هذا إن توفّرت أصلًا نيّة لتجاوزها.
وما دام الإنسان في دار الفناء، فهو في امتحان دائم أمام مغريات الحياة الكثيرة، مرة على هيئة هدايا بسيطة أو ثقيلة، من زجاجة عطر وزجاجة شمبانيا وعلبة سيجار وغيرها، إلى تخفيض كبير في ثمن شقة، أو مساحة من الأرض، وتارة في صورة امرأة تعرف كيف تقتلع شعرة من شارب الأسد وهو مبتسم راضٍ، أو على هيئة شاب لطيف ظريف وحنون، وتارة في مغلّف أنيق يحوي رزمة نقود تُقدَّم بغلاف محترم «هذا تبرّع مني، افعل به ما تراه مناسباً، ومن دون ذكر أسماء».
هكذا تسير العلاقة داخل طبقة الـ «إشي إشي» وفق مبدأ بسيط «يد تغسل يدًا» «خُذ واعط».
في منطقة الجليل، عاش قبل عقود ضابط شرطة اشتهر بفظاظته وكلامه النابي، وحتى في استعمال يديه وقدميه للضرب، وكان الأولاد يهربون من الشارع حين يرونه، والرجال يتجنبون مواجهته، خشية إسماعهم كلاماً بذيئاً.
في آخر سني خدمته، تحوّل إلى إنسان لطيف جداً، يساعد الناس في قضايا المخالفات الجنائية، لطيف في تعامله وكلامه، لكن عبر وسطاء من البلدة… البلاط، أو السبّاك، النجّار، البنّاء، الدهان، وصاحب الجرافة، جميع من شاركوا في بناء بيته الفخم الذي قضى فيه سنواته الأخيرة، طبعاً بأسعار شعبية جداً وحتى بالمجان، فصار من يواجه مشكلة جنائية يذهب إلى واحد من هؤلاء المهنيين المستعدين لمد يد العون.
في مسرحية «ريا وسكينة» تغني سهير البابلي وشادية وعبد المنعم مدبولي «شبكتنا الحكومة وبقينا قرايب».
بمعنى لم نعد في مواجهة السلطة، بل صرنا شركاء معها.
اشتغل الأدب كثيراً على تفكيك الشخصيات التي تبدو أمام الجمهور مقدّسة وقريبة من الألوهية، بينما تعيش في داخلها رغبات وهفوات وغيرة وحسد وصراع على المتعة، وحتى في شذوذ أحيانًا.
أجهزة المخابرات في العالم كلّه وليس الموساد فقط، تستثمر هذه النزعات للسيطرة على شخصيات قيادية، أو يُتوقّع لها أن تصبح قيادية أو تُصَنّع لتصبح قيادية. يُبنى المسار تدريجياً: ناشط، فمسؤول صغير، فقيادي منطقة، إلى أن يصل مفتاح سلطة، لكن تحت عين وسيطرة ودعم الأجهزة التي مهّدت له الطريق للوصول.
يتظاهر العالم بالدهشة أو الصدمة، كأننا أمام خلل طارئ أصاب بعض «الشخصيات المحترمة»، لا أمام نظام كامل. تُوصف الأسماء فوراً بأنها كبيرة ورفيعة ومن طبقة الـ «إشي إشي».
الأدب، ومنذ زمن بعيد، أوضح أن أخطر ما في الشخصيات المحترمة ليس فسادها، بل قدرتها على الالتفاف عليه، وتقديم نفسها بأغلفة أخلاقية زائفة.
قد يكون الغلاف زيادة في التقوى وتكرار عبارات مثل «أنا بخاف ربنا» أو «أنا أروح من ربنا فين». أو مبالغات في التعبيرات الوطنية مثل «والله العظيم… لو أنفع أتباع لأتباع من أجل مصر». وقد يكون في مبالغة في حماية الديمقراطية والحريات الشخصية.
نيكولاي غوغول سخر من المسؤولين الذين لا يرتجفون لأنهم فاسدون، بل لأن فسادهم قد يُكشف.
وعند دوستويفسكي، تتحوّل النخب الأخلاقية إلى كائنات تبرّر كل شيء باسم الأفكار الكبرى.
في فلسطين، صنع الاحتلال فئة تحمل بطاقة «شخصية مهمة جدًا» تمرّ على المعابر بلا إذلال أو تفتيش دقيق، بينما يقف الناس العاديون في طوابير الذل والإهانة. انتهت هذه المرحلة، لكن آثارها لم تختفِ بعد.
في الأنظمة الدكتاتورية، يُحاط الفساد والظلم بطبقة كثيفة من الدعاية عن أخلاق الزعيم. يُسمح أحيانًا بنشر قصة عقاب الحاكم لأحد أفراد أسرته بسبب فساد أو اعتداء على شرف مواطن، ليبدو رأس النظام نظيفاً أخلاقياً وعادلاً، وما دام هو كذلك، تصبح إدانته كدكتاتور أكثر صعوبة.
عندما كُشفت فضيحة بيل كلينتون عام 1998، اعترف واعتذر وهو هادئ تماماً، ولم يدّعِ الطهارة. المجتمع الأميركي تسامح معه «أخطأت، نعم، لكنك واحد مثلنا، والقانون فوق الجميع». كانت حالة الانتعاش الاقتصادي التي شهدتها ولايتاه أكبر مدافع عنه، وأكثر الناس اعتبروها تصرّفاً شخصياً وفصلوها عن السياسة.
في المقابل، يقف دونالد ترامب بلا منظومة أخلاقية، يدعو رئيس إسرائيل إلى العفو عن فساد بنيامين نتنياهو، موجّهًا رسالة مباشرة فظة «الأقوياء لا يُحاسَبون، القانون صُمّم للضعفاء».
ظهرت أسماء عربية في أوراق إبستين، لا يمكن الجزم بسبب وجودها ولماذا أدرجت أسماؤها، قد تكون ضمن قائمة مدعوّين كضيوف إلى مؤتمر ما، أو وضعت لدعوتها إلى مناسبة ما، وليس بالضرورة أنها كانت على صلة مباشرة بإبستين أو متورطة بأعمال الشذوذ المذكورة.
ظهور الاسم لا يعني إدانة تلقائية، لكنه أعاد إلى الذاكرة مواقف بعض هذه الأسماء. مثل موقف وزير خارجية مصر عام 2008 وأمين عام جامعة الدول العربية الحالي الذي هدد بقطع أرجل الغزّيين إذا هم حاولوا عبور الجدار سعياً للنجاة من جحيم «الرصاص المصبوب» في حينه.
سهيل كيوان - القدس العربي
