بقلم عبد الله ولد بونا
مفكر وخبير استراتيجي
*ذاكرة الجراح التي يراد لها أن تبقى حية*
تقع مدينة لكويرة في أقصى الجنوب الغربي لالصحراء الغربية ، على تماس مع مدينة انواذيبو عاصمة موريتانيا الاقتصادية ، كتوأمين ، يتقاسمان راس بريا دقيقا تحتضنها أمواج الأطلسي من الجهات الثلاث ، عناق موريتاني صحراوية حدودي تاريخي ، لا يراد له أن ينعم بالاستقرار.
، في موقعٍ ظلّ عبر القرون جزءاً من المجال الصحراوي ثقافةً واجتماعاً ومساراتٍ بشريةً واقتصادية. ورغم صغر حجمها العمراني اليوم، فإن رمزيتها السياسية تتجاوز الجغرافيا، لتضعها في قلب معادلة إقليمية معقدة تتقاطع فيها الذاكرة التاريخية مع الحسابات الاستراتيجية.
ذاكرة لجراح تنزف منذ 1975؛ حين دفعت موريتانيا لتقاسم ثلث القلب الصحراوي النازف مع المحتل المغربي الدخيل تاريخيا على الصحراويين والشناقطة.
دخيل شقيق ، اختار العداء لجيرانه ، وهم جيران صنعوا له مجدا وتاريخا عبر امبراطورية مرابطية نقلت المغرب نقلة حضارة خالدة ، لكنه في انقلاب حضاري مزيف ، صنع سردية معكوسة.
موريتانيا التي انسحبت من ذلك الفخ القاتل للإقليم ، تمسكت بلكويره كتذكار ساخن ، كتذكار تراجيدي لمرحلة كانت فيها ردة فعل المغرب مرتبكة ، فهو الذي وقع في مدريد على أن إقليم وادي الذهب الصحراوي لموريتانيا السيادة الكاملة عليه، ورد على انسحابها واعترافها بالسيادة الصحرلوية باحتلال وادي الذهب ، وتمسكت موريتانيا بموقفها السيادي اتجاه ااجمهورية العربية الصحراوية ، وتمسكت بلكويرة ، معترفة أنها صحراوية ، لكن لن تنسحب منها إلا بعد الوصول لحل نهائي بين الصحراويين والمغرب.
لكويرة ظلت هي النص المركزي في سرديات مغربية مزيفة ، تعلن تحريريها وإعمارها كل عام 20مرة ، وصنع شعار من طنجة إلى لكويره ، لكن كل ذلك ظل وهما يسوق.
فالجيش الموريتاني بقرار سيادي استراتيجي يحكم قبضته البرية والبحرية والجوية على مدينة صغيرة خراب ، وكأن جيشنا حارس أسطوري لكنز عظيم مدفون في أطلال مدينة كانت يوما درة ذلك المدى البديع.
إنها حقيقة تاريخية واجتماعية لا تقبل التدليس.
وتشير الشهادات التاريخية ومسارات القبائل والطرق التجارية القديمة إلى أن لكويرة كانت ضمن الفضاء الصحراوي الممتد، حيث تشكلت الروابط الاجتماعية والاقتصادية عبر شبكة من التداخل البشري بين القبائل الصحراوية، ولم تكن الحدود الحديثة سوى خطوط سياسية لاحقة.
كما أن البنية الاجتماعية والعلاقات القبلية والأنماط الثقافية المرتبطة بالمجال الحسّاني تؤكد انتماءها إلى المجال الصحراوي تاريخياً واجتماعياً، وهو انتماء رسّخته حركة الناس والتجارة والرعي عبر القرون.
*موقع إقليمي ودولي داخل ملف الصحراء*
منذ إدراج قضية الصحراء ضمن مسار التفاوض الدولي، أصبحت المناطق ذات الرمزية الجغرافية المحدودة ذات وزن سياسي كبير. وفي هذا السياق، تظل لكويرة جزءاً من المجال الذي تعالجه القرارات الدولية المتعلقة بالنزاع، سواء في التقارير الأممية أو في مسارات الوساطة الدولية، التي تدير الملف دون قرار حاسم بحله.
فلا المغرب أدرج اقتراحه في سياق دستوري حاسم ، لأنه يريد أن تبقى الرباط جزءا من لعبة التدوير بتكلفة معقولة ، وليحتفظ بمساحة مناورة تفاوضية بما ينتج من تأطير فضفاض لما يسميه عرض الحكم الذاتي الموسع.
ويستخدم التسريبات لصحف إسبانية حليفة لنشر تصورات غير رسمية لحكم ذاتي هو أبعد مايكون من التحقيق.
وهذا الإدراج الدولي لا يمنح لكويره بعداً قانونياً دوليا يحمي السيادة الصحراوية عليها ، بل يجعلها ورقة رمزية يمكن توظيفها في الخطاب السياسي والتفاوضي. والتكتيك الاستراتيجي الذي يجعل ارتباط موريتانيا بالملف عضويا ، ليبرر ذلك ضغط المغرب عليها عند الحاجة ، وضغط الحلف الغربي عليها أمنيا واقتصاديا.
ولتفعيل لعبة الضغط على الوعي الصحراوي والموريتاني لخلق تصعيد وتوتر متبادل عند الضرورة لذلك كما يحدث الآن
لماذا يُعاد طرح لكويرة الآن؟
إعادة استحضار لكويرة في الخطاب السياسي أو الإعلامي لا تأتي غالباً في فراغ، بل تتزامن مع مراحل إعادة تحريك ملف الصحراء على طاولات التفاوض الدولية، خصوصاً حين تسعى القوى المؤثرة إلى إعادة ضبط موازين التفاوض أو اختبار ردود الفعل الإقليمية.
إن توقيت إثارة هذه النقاط الحساسة يُقرأ ضمن إعادة تسخين ملف النزاع لإبقائه حياً في الأجندة الدولية ، وتبقى جراحه الوجدانية مؤلمة لدى الموريتانيين والصحروايين أولا.
واختبار حساسية الرأي العام في دول الإقليم. وإعادة تشكيل أوراق الضغط قبل أي جولة تفاوضية.
وتوجيه النقاش بعيداً عن الحلول الواقعية نحو مسارات رمزية قابلة للاستثمار السياسي.
وتوظيف الإدراك الجمعي في الصراعات المعاصرة وفي النزاعات الممتدة، فلم تعد السيطرة على الأرض وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبح التأثير على الإدراك الجمعي جزءاً من أدوات الصراع. ويتم ذلك عبر إثارة الرموز الجغرافية والتاريخية القادرة على تحريك المشاعر الجمعية.
وعندما تُستدعى رمزية مكان مثل لكويرة، فإن الهدف قد لا يكون المكان نفسه، بل ما يمكن أن يثيره من تعبئة عاطفية لدى المجتمعات المرتبطة بالملف،
وإعادة تنشيط السرديات التاريخية المتنافسة،
وخلق موجات رأي عام تضغط على صناع القرار، وإنتاج حالة استقطاب تُصعّب الحلول التوافقية
.
*العقدة الاستراتيجية المزمنة في الإقليم*
إن إبقاء النزاع في حالة توتر منخفض مستمر يخدم معادلة استراتيجية أوسع، حيث يؤدي استمرار عدم الحسم إلى استنزاف الموارد السياسية والاقتصادية لدول المنطقة،وتعطيل مشاريع التكامل المغاربي،
وإبقاء الإقليم ضمن دائرة النفوذ الخارجي،
ومنع تشكل كتلة إقليمية مستقلة القرار.
*نحو قراءة عقلانية تتجاوز الاستثارة العاطفية*
إن إدراك الأبعاد الرمزية والسياسية لاستحضار لكويرة أو غيرها من النقاط الحساسة يفرض مقاربة عقلانية هادئة، تدرك أن تضخيم الرموز قد يخدم أجندات خارج مصلحة شعوب المنطقة.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الجغرافيا الصغيرة، بل في القدرة على تفكيك حلقات التوتر المزمن، ومنع تحويل المجتمعات إلى وقودٍ لصراعات الإدراك.
لكويرة، في حقيقتها، جزء من المجال الصحراوي تاريخياً واجتماعياً، لكنها في السياسة المعاصرة تحولت إلى رمزٍ يمكن توظيفه. وفهم هذا التحول هو الخطوة الأولى لحماية الوعي الجمعي من الانجرار خلف موجات الشحن العاطفي التي لا تنتج حلولاً، بل تطيل أمد الأزمات.
وأقول للأشقاء الصحراويين : نحن في موريتانيا لسنا قوة احتلال لأرضكم ، وأنتم نصف قلبنا ونصف نبضنا ودرعنا الاستراتيجي الذي لا يخترق أبدا.
وأقول للموريتانيين الذين وقعوا فريسة لاحتلال وعيهم ، إن منشوراتكم عن لكويرة لاقيمة لها مطلقا.
فلا تكونوا وقودا للعبة غربية تعاديكم وتعادي الصحراويين والمغاربة والجزائريين.
نحن في موريتانيا أن تكون انواكشوط جزائرية ومغربية وصحراوية ، ويسرنا أن تكون لعيون والداخله موريتانية وأن تكون الرباط ومراكش وفاس وطنجة موريتانية
وأن تكون الجزائر مغربية والمغرب جزائري ، وأن تكون كل دولنا صحراوية كذلك
فذلك قدرنا الاستراتيجي الذي يجب أن يملأ وعي كل مغاربي
وأن تكون تونس وليبيا تنتهي حدودهما عند نهر السنغال وتنتهي
حدود الاتحاد المغاربي عند حدود مصر واتشاد والنجير ومالي.
فدعونا من النفخ في الجراح ، فهي جراح تغتال حلم الاتحاد المغاربي الكبير بعضوية كاملة للجمهورية العربية الصحراوية فيه.
عضويات مغاربية ستندمج في كتلة أكبر قادرة على منافسة أوروبا وكل تكتلات العالم.
فنحن في حقبة سياسية لا مستقبل فيها للأشقاء الذين يصرون على بناء جدران العداء والكهراهية بينهم.
ويتركون إدارة خلافتهم لعدو استراتيجي ماكر
