حين يهبّ قلمٌ للدفاع عن سياساتٍ مثقلةٍ بالجدل، متدثرًا برداء العاطفة ومفردات الوفاء، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أن الطيور لا تحلّ إلا حيث يشبهها الغصن. فالدفاع المستميت لا يُقرأ في فراغ، بل في سياق إقليمي تتقاطع فيه المصالح مع الدم، وتختلط فيه لغة “الاستقرار” بوقائع الانقسام والتدخلات الناعمة والخشنة على حد سواء.
ليس النقاش هنا حول العلاقات الثنائية أو المجاملات الدبلوماسية، بل حول أدوار إقليمية تركت بصماتها في ملفات ملتهبة، من فلسطين إلى الصحراء الغربية إلى السودان؛ حيث لا تُقاس السياسات بحسن النوايا المعلنة، بل بنتائجها على الأرض: استقطاب، اصطفاف، وتغذية صراعات بالوكالة تزيد المشهد هشاشة وتضاعف كلفة الإنسان البسيط.
في فلسطين، تُختبر المواقف عند حدود العدالة والحق التاريخي، لا عند حدود الحسابات الاستراتيجية. وفي الصحراء الغربية، يتجدد السؤال حول موقع التدخلات والتحالفات من مسار نزاعٍ طال أمده وتعقّدت خيوطه. وفي السودان، يدفع المدنيون ثمن صراع تتشابك فيه الأجندات الإقليمية وتتنازع فيه المصالح على حساب الاستقرار الوطني. تلك ليست عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل جراح مفتوحة في جسد المنطقة.
أيُّ بلاغةٍ هذه التي تحوّل كل مساءلة إلى شماتة، وكل نقد إلى مؤامرة؟ وأيُّ منطقٍ ذاك الذي يختزل السياسة في ثنائية الصديق والخصم، فيُجرِّم السؤال قبل أن يسمع الجواب؟ إن النقد السياسي ليس طعنًا في الأوطان، بل صيانةٌ لها. والمساءلة ليست كراهية، بل مسؤولية أخلاقية تجاه شعوب تدفع كلفة الحسابات الكبرى.
المكانة لا تُصنع بخطابات الثناء، بل تُختبر حين تتقاطع المصالح مع مصائر البشر. فالطفل الذي يُقتلع من بيته في غزة، والأسرة التي تنتظر حلاً عادلاً في الصحراء الغربية، والنازح الذي يفرّ من لهيب الحرب في السودان، لا يعنيهم بيانٌ مصقول ولا قصيدة مديح. ما يعنيهم أن تتوقف دوامة السياسات التي تُدار من خلف الستار وتُترجم على الأرض اضطرابًا وعدم يقين.
إن الطيور على أشكالها تقع فعلًا؛ فحين يتشابه منطق التبرير مع منطق الهيمنة، يصبح التلاقي طبيعيًا. لكن التاريخ لا يُجامل، وهو وحده من يفصل بين من شيّد استقرارًا قائمًا على العدل، ومن نسج نفوذًا على حساب توازن المنطقة.
فلنرتقِ بالنقاش من تمجيد الأشخاص إلى مساءلة السياسات، ومن الاصطفاف العاطفي إلى قراءةٍ نقدية شجاعة. فالأوطان لا تحتاج جوقات مدح، بل تحتاج ضمائر حيّة تقول: هنا موضع السؤال، وهنا واجب المراجعة، قبل أن يصبح الخطاب أعلى صوتًا من الحقيقة، وأقرب إلى الغصن الذي لا يشبه إلا طيره.
سلامة مولود اباعلي
