القائمة الرئيسية

الصفحات

بين ذاكرة الأرض وموائد التفاوض

 


في كل مرة تُفتح فيها ملفات المفاوضات حول الصحراء الغربية  يعود السؤال القديم بثقله من يملك الحق في تقرير المصير ؟  الأرض أم الشعب ؟ الخرائط أم الذاكرة ؟
وحين تُطرح في إسبانيا – المستعمر الأول – أفكار جديدة تحت مسمى “الحكم الذاتي”  يبدو المشهد كأنه فصل جديد من رواية لم تُغلق صفحاتها منذ اتفاقية مدريد سنة 1975م  تلك الاتفاقية التي يعتبرها كثير من الصحراويين بداية التقسيم والتي رسمت حدودًا على الورق لكنها لم تمحُ حدود الألم من القلوب.
إسبانيا  التي كانت القوة الاستعمارية للإقليم  انسحبت سياسيًا لكنها لم تنسحب من الذاكرة التاريخية ففي اللحظة التي وقّعت فيها اتفاقية مدريد تم اقتسام الإقليم بين المغرب وموريتانيا  بينما وجد الشعب الصحراوي نفسه بين نزوح وتشرد ومخيمات لجوء وانقسام اجتماعي وجغرافي. كان السؤال يومها وما زال  أين صوت الشعب في كل ذلك ؟
اليوم حين يُعاد طرح فكرة الحكم الذاتي يتجدد التساؤل ذاته ولكن بمرارة أكبر حكم ذاتي مع من  ؟
مع شعب شُرِّد وقُسِّمت أرضه  ؟
أم مع سلطة أمر واقع نشأت في ظل صراع طويل ومعقّد ؟
الحكم الذاتي كمفهوم سياسي قد يكون في تجارب أخرى حلاً وسطًا بين الاستقلال والاندماج  لكنه يفقد معناه حين لا ينبع من إرادة حرّة لأهله فالقضية بالنسبة لكثير من الصحراويين ليست مجرد ترتيبات إدارية أو صلاحيات محلية  بل مسألة هوية وحق تاريخي وتقرير مصير أقرته قرارات دولية  والفرق شاسع بين أن يُمنح الحكم الذاتي كتنازل من طرف أقوى  وبين أن يُختار كخيار سيادي من شعب حر 
ما يزيد المشهد تعقيدًا هو البعد الرمزي لطرح الفكرة في إسبانيا نفسها فالتاريخ لا يُمحى بتبدل الحكومات ولا تُمحى المسؤوليات بتغير الخطاب السياسي  الشعب الذي عاش الاستعمار ثم النزوح لا ينسى بسهولة  لأن الذاكرة هنا ليست رواية تُحكى  بل تجربة عيش يومي في المخيمات والشتات وعلى الأرض المتنازع عليها وهي حق شرعي للشعب الصحراوي. 
لقد تقاسمت القوى الإقليمية والدولية أرض الصحراء الغربية في لحظة سياسية حرجة لكن الشعب ظل العامل الثابت في المعادلة قد تتغير التحالفات والمواقف وقد تتبدل المصطلحات من “احتلال” إلى “حكم ذاتي” إلى “حل سياسي واقعي”، لكن جوهر القضية يبقى مرتبطًا بحق تقرير المصير كما تنص عليه الشرعية الدولية.
إن أي حل لا يضع الإنسان الصحراوي في مركز القرار سيظل ناقصًا وأي مبادرة لا تعترف بعمق الجرح التاريخي ستبقى سطحية مهما حسنت صياغتها الدبلوماسية فالقضايا العادلة لا تُقاس بعدد الجولات التفاوضية  بل بمدى احترامها لإرادة الشعوب.
التاريخ يكتب دائمًا من زاويتين  زاوية السلطة وزاوية الذاكرة
وربما يمكن للسلطة أن تغيّر الخرائط  لكنها لا تستطيع أن تُعيد تشكيل الذاكرة الجمعية لشعب يؤمن بحقه .
فالشعب الذي تقاسمه الاستعمار لا ينسى  ليس بدافع الكراهية  بل بدافع التمسك بالهوية والحق .
وفي النهاية قد يختلف السياسيون حول الصيغ والمسميات  لكن الحقيقة البسيطة تبقى 
لا يمكن لأي تسوية أن تعيش طويلًا إن لم يشعر أصحاب الأرض بأنها تعكس إرادتهم الحرة.
فالأرض قد تُقسّم  لكن الشعوب التي تؤمن بحقها تبقى موحّدة في الذاكرة والهدف حتى وهي تسير في طرقٍ متباعدة والشعب الصحراوي  لن تستطيع اي قوة امتصاص ارادته بالحرية والاستقلال والعيش الكريم علي أرضه .                                           *الكنتي ابيه*

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...