أمضيتُ شهر يناير المنصرم في مخيمات اللاجئين الصحراويين، حيث حضرت نقاشات معمّقة ضمّت مختلف مكوّنات المجتمع الصحراوي، من سياسيين وشباب ونساء ودبلوماسيين ومقاتلين. وقد خلصتُ من خلال هذه الحوارات إلى وجود شعورٍ جماعي غير مسبوق بأن القضية الصحراوية تمرّ بأدقّ وأخطر مراحلها منذ انطلاق الكفاح المسلح من أجل تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية.
هناك إجماع واضح لدى الصحراويين على أن ما يُحاك اليوم في الكواليس الدولية يتجاوز كونه ضغوطاً سياسية عابرة، ليصل إلى مستوى مؤامرة مكتملة الأركان، تهدف إلى تصفية القضية الصحراوية بوسائل غير شرعية، عبر الالتفاف على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وفرض حلّ قسري يكرّس الاحتلال المغربي كأمر واقع.
ومع ذلك، فإن هذا القلق العميق لا يخلو من وعي تاريخي راسخ. فالصحراويون يدركون أن هذه ليست المرة الأولى التي تتكالب فيها القوى المعادية على قضيتهم، كما يعلمون أن مخططات التصفية السابقة تحطّمت دائماً على صخرة صمودهم ووحدتهم الوطنية، وعلى قناعتهم الراسخة بعدالة قضيتهم. ويُعوّل الصحراويون، إلى جانب ذلك، على مواقف حلفائهم التاريخيين، الذين لم تكن مواقفهم يوماً وليدة ظرف عابر، بل نابعة من التزام مبدئي، ومن قراءة استراتيجية عميقة لاعتبارات الأمن الإقليمي وحق الجوار.
غير أن ما يضاعف القلق في المرحلة الراهنة هو التحوّل الخطير في النظام الدولي نفسه. عالمٌ تُدار فيه الأزمات اليوم على رمال متحركة، حيث لم تعد الشرعية الدولية ولا قرارات الأمم المتحدة تشكّل مرجعية مُلزمة، وحيث بات منطق القوة و”قانون الغاب” هو الحاكم الفعلي للعلاقات الدولية. في مثل هذا السياق، تصبح القضايا العادلة، وعلى رأسها قضايا تصفية الاستعمار، أكثر عرضة للمساومة والطمس.
لكن التاريخ، لمن يُحسن قراءته، يعلّمنا درساً ثابتاً: الحلول المفروضة التي تتجاهل إرادة الشعوب ولا تستند إلى الشرعية الدولية لا تعمّر طويلاً. تجارب عديدة تشهد على ذلك، من تيمور الشرقية إلى إريتريا، حيث فشلت كل محاولات فرض الأمر الواقع، مهما طال الزمن.
ولا يمكن فهم الضغوط المتزايدة على القضية الصحراوية بمعزل عن محيطها الجيوسياسي. فاندفاع بعض القوى الغربية نحو فرض “حل سريع” لا ينبع من حرص على الاستقرار بقدر ما تحرّكه مصالح اقتصادية وسياسية واضحة، من بينها محاصرة الجزائر، والتضييق عليها بهدف زعزعة أمنها وإعاقة مسار نموها الاقتصادي المتسارع. كما يدخل ضمن هذا المخطط إضعاف موريتانيا، الدولة العربية والإسلامية التي تنعم باستقرار نادر في محيط مضطرب، وتمتلك موقعاً استراتيجياً وإمكانات واعدة تجعلها هدفاً لحسابات الهيمنة الإقليمية.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور التخريبي الذي تلعبه القوى الاستعمارية الجديدة، ومعها الكيان الصهيوني ومن يدور في فلكه، في استهداف الدول التي رفضت التطبيع والانخراط في مشاريع الهيمنة، وسعت إلى الحفاظ على قدر من الاستقلالية في قرارها السياسي.
أما السيناريو الأخطر، فهو ذاك الذي يتم فيه ـ لا قدّر الله ـ فرض حل يمكّن النظام المغربي من فرض ما يسميه “سيادته” على الصحراء الغربية. فالنظام المغربي، بحكم تاريخه وطبيعته التوسعية، لم يُخفِ يوماً أطماعه في أراضي الجوار. وتعلو اليوم داخل المغرب أصوات تحرّض علناً على المطالبة بما يُسمّى “الصحراء الشرقية”، ملوّحة بأطماع تمتد إلى بشار وتندوف وإجبيلات وغيرها من الأراضي الجزائرية، في خطاب يُغذّيه أعداء المنطقة ويُستثمر لإشعال الفتن خدمة لأجندات خارجية.
إن النهضة الجزائرية، بما تمثله من استقرار سياسي ونمو اقتصادي لافت، ومشاريع استراتيجية أُنجزت في فترة زمنية وجيزة، إلى جانب مواقفها السيادية والمشرّفة، باتت مصدر قلق حقيقي للحاسدين والمتربصين. هؤلاء يسعون إلى خنق جزائر النخوة والكرامة بعدما عبثوا بدول الساحل، ويحاولون اليوم استهداف ما تبقّى من الرئة الغربية للمنطقة.
أما موريتانيا، فقد لخّص الزعيم الصحراوي الراحل الولي مصطفى السيد علاقتها بالصحراويين بدقة حين قال إن موريتانيا والصحراء الغربية بيضتان في عش واحد، ومصيرهما مشترك. ويكفي التذكير بأن المغرب لم يعترف بموريتانيا دولةً مستقلة إلا بعد تسع سنوات، ولا تزال أطروحة “المغرب الكبير” أو “المغرب التاريخي” حاضرة في أدبيات حزب الاستقلال وبعض الدوائر الرسمية، تلك الأطروحة التي تمتد حدودها المزعومة إلى نهر السنغال.
وقد أعاد الجنرال الموريتاني المتقاعد لبات ولد معيوف تسليط الضوء على هذه المخاطر حين أكد أن أجزاءً من شمال موريتانيا واقعة تحت احتلال جيش أجنبي، في إشارة واضحة إلى التمدد غير المشروع للجدار الرملي المغربي داخل الأراضي الموريتانية. وفي حال تمكن المغرب من السيطرة على مدينة لگويرة، المحاذية لنواذيبو، القلب الاقتصادي لموريتانيا، فإن ذلك سيشكّل تهديداً مباشراً وخطيراً لأمن البلاد ومصالحها الاستراتيجية.
لقد شكّلت القضية الصحراوية، على مدى عقود، سداً منيعاً في وجه التوسع المغربي، وكان الجيش الصحراوي خط الدفاع الأول عن استقرار المنطقة، مقدّماً تضحيات جسيمة كي تنعم شعوب الجوار بالأمن والنمو.
إن أي محاولة للقفز على حق الشعب الصحراوي، وفرض حلول غير شرعية، لن تؤدي إلا إلى فتح أبواب الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة بأسرها. فالشعب الصحراوي، الذي صمد لأكثر من خمسة عقود، لن يستسلم ولن يرضخ، وسيواصل نضاله بكل الوسائل المتاحة حتى انتزاع حقوقه كاملة غير منقوصة، مهما طال الزمن، وحتى لو تطلّب ذلك خمسين سنة أخرى من الصبر والكفاح.
كمال فاضل ممثل جبهة البوليساريو باستراليا
