القائمة الرئيسية

الصفحات

من لاهاي إلى لوكسمبورغ: قانون يُقال وسيادة تُؤجَّل!.

              


استوقفني مقالٌ في جريدة رأي اليوم لأنه لم يكن مجرد استعادةٍ لوقائع قانونية، بل كان تشريحًا باردًا لانتقائيةٍ ساخنة. لم يكن النص عن طماطم ولا عن فوسفات، بل عن سؤالٍ أكبر: ماذا يحدث حين يقول القانون كلمته… ثم تُعلَّق السيادة إلى أجلٍ غير مسمّى؟
في 16 أكتوبر 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري بشأن الصحراء الغربية. قالت بوضوح إن روابط الولاء التاريخية لا ترقى إلى سيادة إقليمية، وإن المبدأ الحاكم هو تقرير مصير شعب الإقليم. كانت تلك لحظة حسم قانوني. النص كُتب، والمبدأ ثُبّت، والقاعدة أصبحت جزءًا من أرشيف الشرعية الدولية.
لكن ما لم يُكتب يومها هو أن تنفيذ القانون سيبقى رهينة ميزان القوى.
بعد نصف قرن، في 4 أكتوبر 2024، أعادت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي تثبيت المعنى ذاته بلغةٍ أكثر تقنية: الصحراء الغربية إقليم منفصل قانونيًا عن المغرب، ولا يجوز إدراجها في اتفاقيات تجارية أو صيد دون موافقة شعبها. عبارة “الموافقة” هنا ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل جوهر السيادة نفسها.
وما بين لاهاي ولوكسمبورغ، خمسون عامًا من إدارة الظهر للأحكام كلما تعارضت مع المصالح الكبرى.
المقال الذي قرأته لم يكتفِ بعرض هذه الوقائع، بل فكك آلية الالتفاف عليها. فالملصق (الوسم) لم يكن تفصيلًا تجاريًا عابرًا، بل أداة سياسية صامتة. حين تُوسم منتجات قادمة من العيون أو الداخلة بعبارة “المغرب”، فذلك ليس توصيفًا بريئًا للمنشأ، بل تثبيتٌ يوميّ لسردية سيادية لم تحسمها صناديق الاقتراع. السوق هنا يتحول إلى مساحة اعتراف غير معلن، وإلى وسيلة تطبيع تدريجي مع أمر واقع لم يكتسب شرعيته القانونية.
لكن بيت القصيد أعمق من مجرد وسمٍ خاطئ. إنه في المفارقة الصارخة:
القانون الدولي واضح حين لا يزعج أحدًا، ومرنٌ إلى حدّ السيولة حين يلامس توازنات القوى. تُحتفى بسيادة القانون في الخطاب الأوروبي، لكن تُبحث المخارج “السياسية” حين تُلزم الأحكام بتصحيح المسار. كأن الشرعية مبدأٌ قابل للتأجيل إذا ارتفعت كلفة تطبيقه.
في المقابل، هناك رمزٌ مضاد لذلك الملصق (الوسم): مفاتيح قد تصدأ في خزائن المواطنة، لكنها لا تصدأ في الوعي. مفاتيح تختزن معنى التشبث، لا بحنينٍ عاطفي فحسب، بل بإصرار على العودة إلى البيت، إلى الأرض، إلى البحر… ولكن تحت السيادة التامة غير المنقوصة. ليست المسألة إدارةً محلية أو حكمًا ذاتيًا مؤجلًا، بل اكتمالًا سياديًا لا يقبل التجزئة.
تعليق الاستفتاء الموعود منذ 1991
من شأن التأجيل المستمر للاستفتاء الموعود منذ 1991 أن يتحول إلى قوة معنوية. فحين تتأخر سنوات، عقود أحيانًا، يصبح الامتناع عن صندوق الاقتراع اعترافًا ضمنيًا بعدم اليقين في النتيجة. الطرف الذي لا يخاف من إرادة شعبه لن يتردد في الاحتكام إليها، وكل تأجيل طويل هو إعلان صامت: إرادة الشعب الصحراوي قد لا تتوافق مع ما يريده الأقوياء. هذا الاعتراف الصامت أقوى من كل أحكام لاهاي ولوكسمبورغ، لأنه يُنطق بالواقع ويترجم الصبر الطويل للصحراويين إلى قوة لا تُقهر.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد بين سطور المقال أكثر مما يُقال صراحة:
إذا كان الحل المطروح يحظى بالقبول الشعبي كما يُروَّج، فلماذا يُؤجَّل الاحتكام إلى الإرادة الحرة؟ لماذا بقي الاستفتاء الموعود منذ 1991 معلّقًا؟ أليس الخوف من الصندوق اعترافًا ضمنيًا بعدم اليقين في النتيجة؟
من لاهاي إلى لوكسمبورغ، يتكرر الحكم بصيغ مختلفة: الصحراء الغربية ليست فراغًا قانونيًا، بل قضية مؤجلة التنفيذ. الأحكام موجودة، النصوص واضحة، والمبدأ ثابت: لا سيادة دون موافقة الشعب المعني. لكن التنفيذ يُرحّل كلما اقترب من ملامسة المصالح الاستراتيجية والتحالفات الإقليمية.
الخلاصة التي خرجتُ بها ليست قانونية فحسب، بل أخلاقية أيضًا:
الملصق (الوسم) محاولة لفرض معنى عبر السوق، أما المفاتيح _ مهما طال عليها الزمن _ فهي إعلان صامت عن صمودٍ يتشبث بالوطن وبالعودة إليه في ظل سيادة كاملة. بين الاثنين تتجلى المعركة الحقيقية: معركة الاعتراف.
القانون قيل.
والسيادة ما زالت تُؤجَّل.

سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...