في البداية بودي أن أوضح للرأي العام أنني عادة ما أوقع كتاباتي المتواضعة باسم "المناضل" قبل أن أوقّعها بصفتي وزيرًا. ليس من باب المجاملة أو البحث عن تعاطف، بل هو قناعة راسخة مني وإيمان عميق لن يتزحزح بحول الله ، بأننا كحركة تحرير وطني يجب ان نقتنع بإننا مناضلين قبل كل شيء، مهما تنوعت التسميات وتعددت الألقاب والمسؤوليات . ويجب أن نكون مناضلين بكل ما تحمله الكلمة من معان ، في نوايانا الصادقة ، في سلوكنا اليومي ، في تصرفاتنا ، في أعمالنا، وفي طريقة تعاملنا مع شعبنا وقضيتنا .
ومن جهة أخرى رأيت ضرورة أن أخاطب أولئك الذين ينتقدوننا من حين لاخر بدعوى بأن الوزير لا ينبغي له أن يخوض إلا في نطاق المهمة التنظيمية المكلف بها، فأقول لهم بأن عليهم أن يبرهنوا بان ما يتفوهون به من كلام بهذا الخصوص نابع من صدق نواياهم كمناضلين في خدمة الشعب الصحراوي ومشروعه التحرري وقضيته الوطنية قبل أي شيء اخر ؟؟
لا عليه .. المهم بان ما ساتناوله في هذه الورقة حول المفاوضات الجارية بين جبهة البوليساريو والمغرب ، لا أراه خروجا عن المهمة التنظيمية المكلف بها ، ولا بحثا عن سجال ، وإنما دافعه الأساسي الغيرة الصادقة على المشروع الوطني، والإحساس بالمسؤولية تجاه شعبنا الذي يستحق الوضوح والطمأنينة. ومحاولة المساهمة ــ مهما كانت رمزيتها ــ في الحد من الشائعات والمغالطات قبل أن تتحول إلى عامل إرباك داخلي . وخاصة بإننا تابعنا ولاحظنا كما تابع ولاحظ غيرنا خلال الأيام الاخيرة الماضية ما رافقها من لغط وتأويلات متسرعة ، بل وخطاب تشاؤمي انهزامي لدى البعض ، ومحاولات المشككين والمتشائمين بث مفاهيم خاطئة، وترويج قراءات مغلوطة حول الموضوع تهدف إلى زعزعة الثقة والتأثير سلبًا على معنويات الجماهير وقناعاتها، بل وصل الأمر بالبعض إلى وصف تحرك الجبهة دبلوماسيا وكأنه مقدمة لتنازل ، أو مؤشر على تراجع استراتيجي او بأن هناك تنازلات تُطبخ في الخفاء. ناهيك عن التقزيم من قدرة الجبهة وقياداتها في إدارة أية مفاوضات أو مشاورات باحترافية وقدرة ووعي ومسؤولية .
وبهذا الخصوص لعل الكل يعلم بان ما أطلق عليه المشاورات أو المفاوضات بين جبهة البوليساريو والمغرب بحضور الجزائر وموريتانيا كبلدين مراقبين ، ورعاية أمريكية تحت إشراف الامم المتحدة ، للبحث عن “أرضية مشتركة” لحل النزاع الذي عمر لاكثر من خمسين سنة ، يأتي في خضم تحولات إقليمية ودولية متسارعة لاداعي للخوض في تفاصيلها .ولكن أكثر ما يهمنا إبرازه في ظل هذه التحديات ، ان جبهة البوليساريو اظهرت بانها أكثر تماسكًا على المستويين السياسي والقانوني، وبانها قد دخلت المسار السياسي اليوم من موقع صلابة ، مستندة إلى شرعية قانونية دولية راسخة، وإلى اعتراف واضح بتمثيلها الحصري للشعب الصحراوي ، وسند شعبي متجذر ، وإلى واقع ميداني أسقط نهائيًا وهم “النزاع المنتهي” . أكد أن الشعب الصحراوي ما زال حاضرًا بقوة في معادلة الصراع ، وأن محاولات فرض الأمر الواقع لم تنجح في كسر إرادته في الحرية والاستقلال . وهذه معطيات موضوعية لا يمكن القفز عليها أو التقليل من شأنها.
صحيح بانه من حق كل المناضلين المطالبة بأن يكون التعاطي مع اللقاءات التشاورية او المفاوضات تعاطيًا مسؤولًا، وحذرا . ولكن لأ أظن بانه من المعقول أوالمنصف أن يتصور أي مناضل مهما كان موقعه بان قيادتنا السياسية ــ التي راكمت تجربة سياسية ودبلوماسية لايستهان بها ــ لا تدرك كل الإدراك أن التعاطي مع هذا المسار يجب أن يكون تعاطيًا واعيًا، متفائلا دون سذاجة ، ومنفتحا دون تنازل . ولا أظن بان هناك من لا يمكنه التمييز بين المرونة السياسية المسؤولة التي عادة ما تميز الطرف الصحراوي خلال مسارات المفاوضات السابقة . وبين الوهم السياسي للطرف المغربي الذي أثبت مرارًا عجزه عن الاستعداد للانخراط الجاد في أي مسار يفضي لحل جدي ، عادل ودائم لهذا النزاع .
وبالتالي فمن الهام طمأنة شعبنا بان المفاوضات إن كتب لها أن تكون ، ليست غاية في حد ذاتها ، بل وسيلة من وسائل النضال، تُستثمر بقدر ما تخدم الهدف الوطني ، وتُواجه بالرفض حين تتحول إلى أداة إلهاء أو التفاف .
ومن ناحية اخرى ، ففي تقديرنا بان كل المناضلين على علم بان الاحتلال المغربي قد دأب منذ سنوات طويلة على محاولة تزييف الحقائق ، و تمييع طبيعة النزاع ، وتقديمه كخلاف يمكن الالتفاف عليه بتغيير المصطلحات أو بتجاوز الطرف الأساسي فيه ، سعيا منه لتضليل الرأي العام الدولي . لكن وحتى يطمئن شعبنا ، فإن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها والتي أصبحت واضحة وضوح الشمس هي أن جبهة البوليساريو تظل الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، والطرف الأساسي الذي لا يمكن تجاوزه في أي تفاوض أو نقاش حول آليات تقرير المصير ، حب من أحب وكره من كره وهي حقيقة معترف بها دوليًا، ومسنودة بالتفاف شعبي تاريخي، وبحضور ميداني وعسكري . وأي محاولة لتجاوز هذا الواقع أو تقزيمه ليست سوى مناورة سياسية لن تغيّر من موازين الحقائق شيئًا . بان القضية الصحراوية قضية تصفية استعمار ، وقضية تحرر وطني ثابتة الأساس القانوني والسياسي، وجوهرها غير القابل للمساومة هو حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال. هذا الحق الذي لن يتنازل عنه الشعب الصحراوي قيد أنملة مهما تعاظمت الضغوطات .
وختاما ، نقول لشعبنا بوضوح واطمئنان : قضيتنا أكبر من أن تُختزل في إشاعة، وأصلب من أن تهزها قراءة متسرعة ، وبان لا شيء تغير أو سيتغير في جوهر القضية، ولا شيء تغير أو سيتغير في أهدافنا. مهما اشتدت الضغوط أو تعالت الأصوات المشككة . فلا الإدارة الأمريكية ولا غيرها من القوى الدولية قادرة على أن تزحزح الصحراويين مثقال ذرّة عن تطلعاتهم المشروعة في الحرية والاستقلال ، وخاصة بان لدينا عناصر قوة حقيقية لايجب الاستهانة بها ، تدعو إلى الثقة والتفاؤل . مع التأكيد بان تحويل هذه العناصر إلى أوراق ضغط يحسب لها حسابها في أي مسار تفاوضي ، يتطلب شروطا أساسية لا غنى عنها ، اهمها تعزيز الوحدة الوطنية ، وتعزيز قدرات وجاهزية جيش التحرير الشعبي الصحراوي ، وتحصين الجبهة الداخلية. والالتفاف الصادق والواعي حول جبهة البوليساريو بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي .
الطريق قد يكون طويلا ، لكنه واضح ... التحديات قد تكون كبيرة ، لكن إرادتنا أكبر ... والاستقلال ليس حلما بعيد المنال ، بل هدفًا نقترب منه بثبات ، خطوة بعد خطوة .
فلنحافظ على معنوياتنا عالية ، ولنغلق أبوابنا أمام الإشاعة ، ولنجدد عهدنا بأننا شعب لا يُشترى ولا يُساوم وبان الوطن أمانة في أعناقنا جميعا .
سنظل مناضلين قبل أن نكون وزراء أو مسؤولين . وإن غادرنا الموقع يوما .. فهذه قضيتنا، وهذا عهدنا .
بقلم : عبيد الله الضعيف ، المناضل قبل أن يكون الوزير/ موسى سلمه لعبيد
