إقامة مباراة استعراضية ودية بين الفريق الوطني الصحراوي وفريق من قدماء المنتخب الوطني الجزائري، وعلى أرضية ملعب يحمل اسم زعيم الحرية والانعتاق نيلسون مانديلا، ليست مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل فعل رمزي كثيف الدلالات، تختلط فيه الرياضة بالسياسة، والذاكرة بالتاريخ، والرسائل المعلنة بتلك التي تُقرأ بين السطور.
فالرياضة، منذ أن أدركت الشعوب قوتها الناعمة، لم تعد فقط تنافساً على الأهداف والنقاط، بل أصبحت لغة سيادية تُخاطِب الداخل والخارج. وعندما يلتقي فريق من الصحراء الغربية بقدماء نجوم من الجزائر، فإن المشهد يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، ليحمل في طياته إشارات سياسية وتاريخية عميقة.
أول هذه الدلالات هو البعد الرمزي للاسم والمكان. فاختيار ملعب يحمل اسم مانديلا ليس تفصيلاً بروتوكولياً. مانديلا ليس مجرد رئيس سابق لجنوب إفريقيا، بل هو أيقونة كونية للتحرر من الاستعمار والتمييز، ورمز لمقاومة نظام الفصل العنصري. إقامة المباراة في فضاء يرتبط اسمه بقيم الحرية والانعتاق يُضفي على الحدث بعداً أخلاقياً، ويُسقط على اللقاء الرياضي ظلالاً من الشرعية الرمزية المرتبطة بقضايا التحرر في العالم.
أما البعد الثاني، فهو البعد السياسي الهادئ. فمشاركة قدماء المنتخب الجزائري ليست مجرد حضور رياضي، بل تعبير عن استمرارية موقف تاريخي جزائري داعم لحق الشعوب في تقرير مصيرها. ف_ صيغة "القدماء" تحمل في ذاتها دقة محسوبة: فهي تمنح الحدث طابعاً شعبياً وأخوياً، بعيداً عن الطابع الرسمي المباشر، لكنها في الوقت ذاته تُبقي الرسالة واضحة لمن يقرأ المشهد بعين السياسة.
ثالثاً، هناك البعد الشعبي والوجداني. كرة القدم في المنطقة المغاربية ليست لعبة فحسب، بل هي ذاكرة جمعية وهوية وانتماء. حين تتقاطع راية الرياضة مع راية القضية، فإن الجمهور لا يرى مجرد مباراة، بل يرى اعترافاً، وحضوراً، وتجسيداً لوجود سياسي وثقافي في فضاء عام. إن الاعتراف الرياضي، حتى وإن كان رمزياً، يراكم حضوره في الوعي العام، ويصنع سردية موازية للسرديات الرسمية.
رابعاً، البعد الإعلامي والدولي. حدث كهذا، مهما حاول البعض تصنيفه كمباراة ودية، فإنه يملك قابلية عالية للتحول إلى مادة إعلامية، تُعاد صياغتها في سياقات مختلفة. في عالم تُصنع فيه المواقف عبر الصورة واللقطة والرمز، يصبح مشهد المصافحة بين لاعبين، أو رفع الأعلام في ملعب يحمل اسم مانديلا، خطاباً بصرياً مكثفاً يتجاوز آلاف البيانات السياسية.
خامساً، البعد الاستراتيجي الناعم. فالقضايا الوطنية اليوم لا تُخاض فقط في أروقة الأمم المتحدة، بل في الفضاءات الثقافية والرياضية والفنية. وكل حضور في فضاء عام هو تثبيت للوجود، وكل تفاعل جماهيري هو تعزيز لسردية. من هذا المنظور، تصبح المباراة جزءاً من معركة الرموز، حيث لا يُطلق الرصاص، بل تُرفع الشعارات، ولا تُرسم الخرائط، بل تُبنى الصور الذهنية.
وهنا يقف اسم مانديلا شاهداً على أن الحرية، في نهاية المطاف، ليست حدثاً عسكرياً فقط، بل أيضاً فعل رمزي، وصورة، وكلمة، ومباراة كرة قدم.
سلامة مولود اباعلي
