ليس كل ما يُنشر يُقرأ، وليس كل ما يُكتب يُحترم. وما خطّه عبد القادر بريهمه، ليس مقالًا فكريًا ولا تحليلًا سياسيًا، بل نص دعائي فجّ، يخلط الشتيمة بالتاريخ، ويستبدل الحُجّة بالولاء، ويستثمر في النعي السياسي لأشخاص راحلين دفاعًا عن سردية رسمية مأزومة.
الحديث عن أحمد بابا مسكة رحمه الله بهذه الخفّة ليس جرأة فكرية، بل سقوط أخلاقي. فالرجل، مهما اختلف معه البعض، لم يكن يومًا متملقًا لسلطة، ولا بوقًا لمخزن، ولا شاهد زور في موائد التطبيع. لم يهرول خلف الصهاينة، ولم يفتح لهم الأبواب، ولم يشارك في تبييض جرائم الإبادة في غزة، ولم يبرّر تشريد شعب أو مصادرة أرض أو بيع مقدّرات وطنية باسم “الواقعية”.
أحمد بابا مسكة لم يأتِ بالصهاينة ليُسلَّم لهم أرضًا وموانئ وثروات شعبٍ ما زال يُقمع ويُهمَّش ويُعتقل حين يرفع صوته. لم يقف يومًا في خندق من يباركون ذبح الأطفال في فلسطين صباحًا، ويتغنّون بـ“الاستقرار” مساءً. ولم يُحوِّل السياسة إلى سوق نخاسة أخلاقية كما يفعل كُتّاب المرحلة.
أما محاولة تصوير البوليساريو كـ“وهم تاريخي” فقط لأنها لم تنتهِ على مقاس الرباط، فذلك تبسيط مُخلّ يخدم أجندة واحدة لا غير. النزاع الصحراوي لم يبدأ مع الجزائر، ولم يُخلق في مكاتب مخابرات، بل هو نتاج احتلال، وتشريد، وإنكار حق تقرير المصير، شئتم أم أبيتم. أكثر من خمسين سنة من الصراع لا تُختزل في مقالة رأي ولا تُمحى بعبارة “روح المجتمع”.
أما ما يُسمّى “صحراويون من أجل السلام”، فليكن واضحًا: _ والكلام هنا موجه لبريهمه _
السلام لا يُبنى على الإنكار، ولا على شيطنة الضحية، ولا على إعادة تدوير خطاب القوة. كل حركة تولد تحت سقف القوة المهيمنة، وتتبنّى سرديتها، وتُهاجم فقط طرفًا واحدًا من النزاع، ليست حركة سلام، بل ملحق سياسي مهما حسنت النوايا.
ثم عن أي “واقعية” يتحدث عبد القادر بريهمه؟
هل الواقعية هي القبول بالأمر الواقع مهما كان ظالمًا؟
هل الواقعية هي الصمت عن التطبيع مع كيان يُبيد شعبًا كاملًا؟
هل الواقعية هي تبرير تشريد الصحراويين بالأمس، وتشريد الفلسطينيين اليوم، باسم “الاستقرار”؟
إذا كانت هذه هي الواقعية، فليشهد التاريخ أن أحمد بابا مسكة لم يكن واقعيًا، بل كان منحازًا للحق، ولو أخطأ التقدير. والفرق بين من يخطئ وهو يبحث عن العدالة، ومن يُصيب وهو يخدم الظلم، فرقٌ أخلاقي لا يُقاس بالمقالات ولا بالمنابر.
إن من يكتب اليوم بهذه اللغة العدائية ضد تاريخٍ كامل، وضد رموز راحلة لا تستطيع الرد، إنما يكشف مأزق السردية التي يدافع عنها. فالسرديات الواثقة لا تحتاج إلى تشويه الموتى، ولا إلى تخوين الشعوب، ولا إلى ترديد لازمة “الجزائر” كلما ضاق أفق الحُجّة.
ختامًا،
أحمد بابا مسكة رحمه الله لم يبع قضيته، ولم يطبّع، ولم يصفّق للمجازر.
أما عبد القادر بريهمه وأمثاله، فليتحمّلوا وزر كلماتهم، لأن التاريخ، بخلاف الجرائد، لا يُحرَّر بأجر ولا يُراجع تحت الطلب.
سلامة مولود اباعلي
