القائمة الرئيسية

الصفحات

دراسة | المشروع الوطني الصحراوي عند مفترق الطرق: مطارحات تحليلية، استراتيجية، ونقدية حول ترتيب أولويات المرحلة



المشروع الوطني الصحراوي عند مفترق الطرق: مطارحات تحليلية، استراتيجية، ونقدية حول ترتيب أولويات المرحلة
 إعداد:
أحمد مولاي حمة (الساسي)
إهداء إلى شهداء القضية الوطنية،
باعتبارهم ضميرها الحي وعهدها الوطني المتجدد،
وإلى الشعب الصحراوي في معركته من أجل الحرية والسيادة والكرامة
تنبيه منهجي:
أُعدت هذه الوثيقة في ظل ظروف وإكراهات خاصة لم تسمح بإخضاعها للمراجعة المنهجية النهائية التي تستحقها، ما يجعلها نصا مفتوحا وقابلا للتطوير والتحيين. وهي تمثل اجتهادا تحليليا أوليا يهدف إلى إثارة نقاش وطني جاد حول مقاربة ترتيب أولويات المرحلة، دون ادعاء امتلاك الحقيقة أو تقديم خلاصات استنتاجات نهائية.
الفهرس العام
القسم الأول: الإطار العام والتشخيص
1. توطئة عامة: من إدارة الأزمة إلى استحقاق إعادة البناء الوطني
2. تحولات معركة التحرير في السياق الدولي المتغير
3. أزمة الخطاب السياسي وضرورة تجديده
4. المؤتمر الوطني السابع: استحقاق سياسي واستراتيجي
5. الديمقراطية في السياق التحرري: من أداة وحدة إلى مصدر انقسام
6. الجالية والمجتمع المدني في المهجر كساحة مركزية للصراع
القسم الثاني: التنظيم السياسي وإعادة الاتزان المؤسسي
7. أمانة التنظيم السياسي كمرجعية قيادية ووحدة ناظمة للمشروع الوطني
8. تجديد أدوات التنظيم السياسي في سياق الصراع المتحوّل
9. النخبة السياسية المطلوبة: الكفاءة بدل الكم 
10. إعادة ترتيب العلاقة بين التنظيم السياسي والدولة
11. وحدة القرار السياسي ومنع الازدواجية المؤسسية
12. إعادة ترتيب العلاقة بين التنظيم السياسي للحركة والتنظيم الإداري للدولة
13. ربط النضال الحقوقي بالتنظيم السياسي
القسم الثالث: الحقوق والشرعية الدولية والمرافعة القانونية
14. مأسسة النضال الحقوقي وإحداث وزارة لحقوق الإنسان
15. المرافعة القانونية كرافعة استراتيجية للتحرر
16. التنسيق الوطني وتوحيد الجهد الحقوقي 
17. التكيّف الإجرائي والتعامل مع الفضاءات الدولية
18. التفاعل مع الفضاءات الدولية (إفريقيا – الأمم المتحدة – أوروبا...)
19. التكامل بين وزارة حقوق الإنسان والتنظيم السياسي
20. المرأة الصحراوية وازدواجية المعايير الدولية
القسم الرابع: تفكيك وإعادة توزيع بعض الاختصاصات الوزارية 
21. من الإعمار المدني إلى الإعمار الدفاعي
22. المناطق المحررة كعمق استراتيجي لمعركة التحرير
23. عقلنة الهياكل ودمج الوظائف المدنية المؤجّلة
24. إعادة هيكلة وزارة الأرض المحتلة والجالية
25. ربط الجالية بوزارة الخارجية كقوة دبلوماسية شعبية
26. إلحاق ملف الأرض المحتلة بمرجعية أمنية/سياسية مختصة
27. تكامل المسارات: الدبلوماسي، الشعبي، والأمني
القسم الخامس: الدبلوماسية الرسمية والشعبية
28. وزارة الخارجية والجاليات: إعادة توجيه الدبلوماسية الصحراوية
29. إعادة تموضع الدبلوماسية الصحراوية
30. السلك الدبلوماسي ومعايير التمثيل
31. تفعيل الدبلوماسية الموازية ومأسستها
32. الجالية الصحراوية في امريكا
33. المجتمع المدني والجاليات كرافعة للقوة الناعمة
34. تحالف الجاليات وحركات التضامن الدولية
35. الجالية في الجزائر وموريتانيا كعمق إقليمي
36. تشبيب حركة التضامن الأوروبية مع الشعب الصحراوي (أوكوكو)
37. الإعلام المدني في المهجر كأداة دبلوماسية

القسم السادس: الإعلام، الثقافة، والتعليم (معركة الوعي والهوية)
38. الإعلام الوطني المركزي ومعركة الوعي والسردية
39. الإطار القانوني والمهنية الإعلامية
40. الإعلام الدولي ومواجهة الدعاية المعادية
41. إدماج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في الإعلام
42. دمج الإعلام والثقافة لحماية الهوية الوطنية
43. إصلاح منظومة التعليم وبناء الإنسان الصحراوي
القسم السابع: الأمن، المقاومة، وبناء الجاهزية
44. إعادة هيكلة المنظومة الأمنية وتوحيد القرار الاستخباراتي
45. بنك المعلومات الوطني الموحد وإنهاء التشظي المعلوماتي
46. تحديث العقيدة القتالية وبناء الجاهزية العسكرية
47. الحرب السيبرانية والدفاع الجوي ضد الدرونز
48. المقاومة السلمية في المناطق المحتلة...
49. الحماية الدولية للمدنيين في حال التصعيد
القسم الثامن: الديمقراطية، الهوية، العدالة الاجتماعية
50. معضلة ديمقراطية الإثنيات وأزمة الاطر
51. الهوية الوطنية بين الولاء القبلي والسيادة الشعبية
52. استحقاق الاستفتاء وضبط معايير الانتماء
53. العدالة الاجتماعية كشرط للوحدة الوطنية
54. نحو ديمقراطية وطنية جامعة
55. المشروع الوطني عند مفترق الطرق: بين الجمود والإصلاح
الخاتمة
56. الإصلاح كشرط وجودي لحسم معركة التحرير وبناء الدولة

1. توطـــــــئة عامة: 
لم تعد معركة التحرير الوطني الصحراوي اليوم مجرد صراع تقليدي مع قوة احتلال، بل أضحت معركة مركبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية، الاقتصادية والثقافية والمؤسسية، والحقوقية، والإعلامية، والعسكرية، إضافة إلى معركة التأثير في الوعي الداخلي والخارجي، وذلك في سياق دولي متحول يفرض على حركات التحرر إعادة التفكير في أدواتها، وبناها، وأنماط اشتغالها. وفي هذا الإطار، لم يعد كافيا الاكتفاء بتكرار الخطاب التعبوي أو استدعاء الشرعية التاريخية وحدها، بل بات من الضروري إخضاع التجربة الوطنية برمّتها لتقييم نقدي مسؤول، يميز بين ما راكمته الثورة من مكاسب، وما اعترى أداءها من اختلالات بنيوية عطلت جزءا من طاقتها ورأسمالها التاريخية.
وفي ظل هذا التحول العميق في طبيعة معركة التحرير، يبرز سؤال الفعالية السياسية والخطاب المصاحب لها كأحد التحديات المركزية التي تواجه المشروع الوطني اليوم، والمتمثل أساسا في أزمة الخطاب السياسي، ليس من حيث المبدأ أو الشرعية، بل من حيث الفعالية والقدرة على الإقناع والتأطير والتعبئة. فقد ظل الخطاب، في محطات عديدة، أسير التكرار، أو منفصلا عن التحولات الواقعية، أو غير متكامل مع الأداء المؤسسي، مما أضعف تأثيره داخليا، وقلص من قدرته على اختراق الفضاءات الدولية والإعلامية والحقوقية، رغم عدالة القضية ووضوحها القانوني.  ومن ثم، يبرز استحقاق تجديد الخطاب السياسي وإعادة إنتاجه بوصفه ضرورة ملحة، حتى يكون قادر على التأثير في الوعي الجمعي للجماهير في كل المساحات. 
إذ لم يعد كافيا التلويح بعدالة القضية وحدها، ولا الاكتفاء بإعادة إنتاج خطاب تعبوي كلاسيكي عاجز عن مواكبة تعقيدات المرحلة أو عن مخاطبة التحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي يشهدها العالم، فضلا عن قصوره في الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة من الشعب الصحراوي. ولا يستمد الخطاب السياسي قوته من البلاغة وحدها، بل من النخبة المثقفة القادرة على إعادة انتاجه وصناعته وتكييفه مع ذهنية ونفسية الجماهير وسياقاتها الواقعية، وتوزيعه بفعالية على مختلف الجبهات، وربطه بآليات التنفيذ، وتحويل الرؤى والتصورات إلى سياسات عملية قابلة للتنزيل.
وفي هذا السياق، يكتسي الاستحقاق التنظيمي والسياسي القادم أهمية خاصة، إذ يرتقب أن يشكل المؤتمر الوطني السابع حدثا مفصليا، يأتي في ظل ظروف حساسة تمر بها القضية الوطنية وسياق دقيق يفرض مراجعة الخيارات وتدقيق الأولويات، لا باعتبار المؤتمر محطة روتينية تنظيمية دورية للتداول على السلطة او المسؤوليات أو لتدبير ناعم لإدارة المرحلة، بل بوصفه استحقاقا سياسيا وإستراتيجيا يفرض الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة بناء المشروع الوطني على أسس مكثفة وأكثر نجاعة وواقعية، بما يتيح مقاربة شاملة لحسم المعركة المصيرية بجميع أبعادها. فبعد عقود من النضال، وما رافقها من تحولات داخلية وضغوط خارجية، أصبح سؤال الفعالية السياسية والمؤسسية مطروحا بإلحاح، ليس من باب التشكيك في شرعية الكفاح، بل من باب الحرص على استدامته وتعزيز قدرته على تحقيق أهدافه التاريخية.
غير أن أي استحقاق سياسي من هذا الحجم لا يمكن أن يحقق أهدافه دون مساءلة عميقة لأسس القوة الداخلية للمشروع الوطني نفسه. ومن هنا، تنطلق هذه المطارحات من قناعة مركزية مفادها أن قوة المشروع الوطني لا تقاس فقط بعدالة قضيته، بل بمدى تماسك بنيته الاجتماعية وجبهته الداخلية، ووضوح رؤيته، ومرونة أدواته، وقدرته على توظيف جميع طاقات الشعب الصحراوي، داخل الوطن وفي مخيمات اللجوء وفي المهجر، ضمن استراتيجية موحدة تتكامل فيها الأدوار ولا تتنازع. فالتحديات الراهنة تفرض إعادة ترتيب العلاقة بين التنظيم السياسي ومؤسسات الدولة، وبين الفعل الثوري والعمل المؤسسي، وبين المقاومة بأشكالها المختلفة والدبلوماسية الرسمية والشعبية.
وفي صلب هذه المساءلة، تبرز إشكالية الممارسة الديمقراطية في سياق تحرري تعددي، إذ تحولت الديمقراطية، في بعض المحطات، من أداة لتنظيم الاختلاف داخل وحدة وطنية جامعة، إلى آلية لإعادة إنتاج الانقسامات الإثنية، وإضعاف معيار الكفاءة، وتفريغ التمثيل من مضمونه الوطني. وهو ما يستدعي إعادة التفكير في مفهوم الديمقراطية ذاته، ليس من باب نفيها أو التقليل من قيمتها، بل من أجل إعادة تأصيلها كديمقراطية وطنية جامعة تخدم وحدة الشعب، وتحمي المشروع التحرري من التفكك الداخلي.
وبالتوازي مع هذا النقاش الداخلي، تفرض التحولات الدولية إعادة النظر في أدوار الجالية الصحراوية والمجتمع المدني الصحراوي في المهجر، إذ لم يعودا عنصرين ثانويين أو مكملين رمزيين، بل أضحيا أحد ميادين الصراع الأساسية، سواء على مستوى التأثير في الرأي العام الدولي، أو في معارك القانون وحقوق الإنسان، أو في مواجهة الدعاية المغربية داخل الفضاءات السياسية والإعلامية الغربية. وهو ما يستدعي نقل هذا الفعل من العفوية والموسمية إلى التنظيم والتخطيط، ومن رد الفعل إلى المبادرة.
وانطلاقا من وعي بتعقيد هذه الإشكالات وتشابكها، لا تدعي هذه المطارحات امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا تقديم وصفة جاهزة، بل تسعى إلى تقديم بدائل ممكنة وفتح نقاش وطني صريح ومسؤول حول مكامن القوة والضعف في الأداء السياسي والمؤسسي الوطني، وتقديم مقترحات عملية قابلة للنقاش والتطوير، في أفق بناء فعل وطني أكثر انسجاما مع طبيعة المرحلة، وأكثر قدرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب، والشرعية إلى قوة فعل، والنضال إلى مشروع تحرر ناجح ومكتمل.
كما تنطلق هذه الوثيقة من إدراك عميق بأن التنظيم السياسي الوطني يجب أن يستوعب التحول الجوهري في موقع الجالية الصحراوية والمجتمع المدني في المهجر، باعتبارهما لم يعودا مجرد فضاء تضامني، بل ساحة مركزية للصراع السياسي، والحقوقي، والإعلامي، والقانوني. وهو ما يفرض نهجا وهيكلا منظما، متماسكا، متعدد الثقافات، قادرا على مخاطبة الرأي العام الدولي، والتأثير في مراكز القرار، دون التفريط في الثوابت الوطنية أو الانزلاق نحو التنازلات.
وانطلاقا من هذا التشخيص العام لطبيعة المرحلة وتعقيداتها، وبحجم التحديات التي تواجه المشروع الوطني في سياق تحرري متغير، تنتقل هذه المطارحات من مستوى التأطير النظري إلى تفكيك الإشكالات البنيوية التي تعيق فعالية المشروع الوطني في ممارسته وفي مختلف تجلياته. ففهم طبيعة الاختلالات التنظيمية، والديمقراطية، والهوياتية، والمؤسسية، يشكل المدخل الأساس لأي تصور إصلاحي جاد، ويتيح الانتقال من منطق التوصيف إلى منطق المعالجة. وعليه، تسعى المحاور التالية إلى مقاربة هذه الإشكالات بشكل تحليلي ونقدي، بهدف تحديد مكامن الخلل واقتراح بدائل استراتيجية وعملية قادرة على إعادة بناء الفعل الوطني على أسس أكثر تماسكا ونجاعة.

2. أمانة التنظيم السياسي: من التوازي المختل إلى القيادة الوطنية الجامعة
تعد أمانة التنظيم السياسي للفروع العمود الفقري والإطار الناظم لوحدة الشعب والتماسك السياسي والاجتماعي، وآلية الأم التي تحتضن مختلف الهياكل التنظيمية والإدارية للحركة والدولة. فهي لا تمثل جهاز تنظيميا تقنيا فحسب، بل تشكل عقلا سياسيا جمعيا، وروح الحركة ونبضها الحي والعصب الذي يمنحها تماسكها الداخلي وقوتها القيادية، ويوجه فعلها الوطني ومسارها السياسي والفكري ويحصن الجبهة الداخلية من الاختراق والتشظي والانقسام. ومع تعقد المرحلة الراهنة وتنامي التحديات الأمنية والعسكرية والسياسية، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار لهذه المؤسسة المحورية، وتجديد أدوراها بما ينسجم مع متطلبات الصراع الوطني في بعديه الداخلي والخارجي.
وفي ظل هذا التحول العميق في طبيعة التحديات وتشابكها، تفرض الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار لهذه المؤسسة المحورية، ويعيد لها مكانتها الرمزية والتاريخية، لا عبر العودة إلى صيغها الكلاسيكية، بل تعريف وتجديد وظائفها وأدوات اشتغالها بما ينسجم مع طبيعة الصراع الراهن وتحولاته.
وانطلاقا من هذا الدور المحوري، يبرز سؤال نوعية النخبة القادرة على الاضطلاع بمهام التنظيم السياسي في المرحلة الراهنة، إذ لم يعد هذا التنظيم مطالبا باستقطاب الأطر من حيث العدد، بل من حيث النوعية والكفاءة. فالتحديات المطروحة تفرض استقطاب نخبة حقيقية من الكفاءات المؤهلة، تمتلك العمق الفكري والقدرة التحليلية على إنتاج خطاب سياسي معاصر، قادر على مخاطبة وعي ووجدان الأجيال الجديدة، وإقناعها وتأطيرها وتحفيزها في مختلف أماكن تواجدها، ومع استيعاب تحولات وعيها وتطلعاتها المتغيرة، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج أنماط تعبئة تقليدية لم تعد قادرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة. 
فالخطاب السياسي اليوم يجب أن يكون ديناميا، واقعيا، مؤثرا، وقادرا على استنهاض الوعي الوطني وإطلاق تعبئة شاملة، يستعدّ فيها شعبنا لهبة وطنية واستنفار عام يعكس حجم التحديات المقبلة. ذلك ان الخطاب السياسي لا تستمد من البلاغة وحدها، بل من صدقيته، ومن ارتباطه بالفعل المؤسسي، ومن قدرته على التحوّل إلى سياسات ممكنة وآليات تنفيذ ملموسة على أرض الواقع.
ولا يقتصر دور التنظيم السياسي على الفعل السياسي والتعبوي، بل يمتد ليشمل أدوار مركزية في تعزيز الأمن المجتمعي وحماية الجبهة الداخلية، عبر رصد محاولات اختراق أو تجسس قد تستهدف النسيج الوطني، والتصدي لمحاولات نشر الفتن والنعرات والانقسامات، ومتابعة مخاطر المخدرات والجريمة المنظمة التي يعمل الاحتلال المغربي على استغلالها لإضعاف المجتمع الصحراوي. إن وجود جهاز تنظيمي يقظ ومحصن متواصل مع قاعدته، يشكل خط الدفاع الأول عن الجبهة الداخلية، يعزز مناعة المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات الداخلية التي قد تستغل لضرب الوحدة الوطنية.
وفي صلب هذا الدور، تبرز مسؤولية التنظيم السياسي كمسؤولية مركزية في إعادة بناء جسور الثقة مع القاعدة الشعبية، عبر تنظيم لقاءات دورية، وفضاءات حوار صريح ومسؤول، في مختلف أماكن تواجد الشعب الصحراوي: في الأرض المحتلة، وفي المخيمات، وفي المهجر. ولا تقتصر هذه اللقاءات على التعبئة الظرفية او اللحظية، بل ترمي إلى ترسيخ ثقافة سياسية واعية، تركز على طبيعة التحديات، وتحدد الأولويات، وتعيد ربط الجماهير بخط الجبهة وفلسفتها التحررية، بما يمهد لتعبئة وطنية شاملة وقادرة على مواكبة استحقاقات الحسم القادمة.
وبناء على ما سبق، فإن بناء جهاز تنظيمي قوي، متجدد، واع ويقظ، يمتلك رؤية سياسية متقدمة، ويضطلع بأدوار سياسية وأمنية واجتماعية متكاملة، ويتواصل بعمق ومسؤولية مع الشعب، يعد شرطا وجوديا لضمان استمرار المشروع الوطني، وتحصين المجتمع، وتوجيه الطاقات الجماعية نحو معركة التحرر والاستقلال. فأمانة التنظيم السياسي للفروع هي الأساس الذي تبنى عليه الوحدة الوطنية، وصمام الأمان لضمان التماسك الداخلي، والرافعة التي تعيد للجبهة حيويتها ودورها القيادي في مختلف ساحات الفعل الوطني.
وانطلاقا من هذا التشخيص، يبرز الانتقال من مستوى التحليل إلى مستوى التنزيل العملي والتنظيمي كاستحقاق ملح لا يحتمل التأجيل.
المقترح التنظيمي: إعادة ترتيب العلاقة بين التنظيم السياسي للحركة والتنظيم الإداري للدولة
أفرز تطور التجربة الوطنية، على امتداد العقود الماضية، وضعا إشكاليا تمثل في توازي تنظيمين يعملان بمنطقين مختلفين: تنظيم سياسي للحركة، وتنظيم إداري يمثل جهاز الدولة. ومع مرور الزمن، أخذ التنظيم الإداري يتضخم تدريجيا على حساب التنظيم السياسي، مستحوذا على جزء معتبر من الصلاحيات، بما في ذلك الموارد الاقتصادية، الأمر الذي أفضى إلى إضعاف ديناميكية الحركة، وخلق حالة من الفصل غير الصحي بين القرار السياسي وآليات التنفيذ الإداري.
وانطلاقا من هذا التشخيص، تقترح هذه المطارحات إعادة ترتيب العلاقة بين التنظيمين على أسس واضحة ومحددة، قوامها أن التنظيم السياسي للحركة يشكل المظلة والمرجعية العليا التي تندرج ضمنها مؤسسات الدولة الإدارية، انطلاقًا من كون الدولة، في وضعها الراهن، دولة في طور التحرّر ولم تبلغ بعد مرحلة السيادة المكتملة. وعليه، ينبغي أن يظل القرار السياسي، وتحديد الأولويات الوطنية، وإدارة التوازنات الاستراتيجية، من اختصاص التنظيم السياسي، لا أن يُختزل أو يُفرَّغ مضمونه عبر حصره في إدارة تقنية أو منطق بيروقراطي محض.
ويقتضي هذا التوجه أن يكون كل مسؤول إداري مسؤولا سياسيا في الوقت نفسه، ملتزما بخط الحركة، وخاضعا لمنطق المساءلة السياسية، مع اعتماد آليات واضحة لتقاسم الموارد الاقتصادية والميزانيات بين التنظيم السياسي والمؤسسات الإدارية، بما يحول دون امتصاص التنظيم الإداري للطاقة السياسية، ويحافظ على حيوية الحركة ودورها القيادي بصورة دينامية.
إن هذا الترتيب لا يهدف إلى تسييس الإدارة بمعناها السلبي، بل إلى إعادة وصل السياسة بالتنفيذ، وضمان انسجام القرار الوطني، ومنع تشكل مراكز نفوذ إدارية منفصلة عن المشروع التحرري. كما يضمن هذا التكامل توحيد الجهد الوطني، وتعزيز الفعالية، وتفادي الازدواجية، بما يمكن الحركة والدولة من مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بقدر أعلى من الكفاءة والجاهزية.

تأسيس مديرية حقوق الانسان داخل أمانة التنظيم السياسي
كما يقتضي هذا التوجه استحداث مديرية لحقوق الإنسان داخل أمانة التنظيم السياسي، تناط بها مهمة الإشراف على ملف حقوق الإنسان، ولا سيما ما يتصل بالأراضي المحتلة، مع ضمان التنسيق المنهجي والدائم مع الفعاليات الحقوقية والمجتمع المدني الصحراوي الفاعل في مجال حقوق الإنسان، سواء في الداخل أو في فضاءات اللجوء والمهجر. ويمكن، في هذا الإطار، اعتماد صيغ مرنة للتكامل المؤسسي، سواء عبر إحالة الملف إلى وزارة حقوق الإنسان المحتملة أو إلى جهة مختصة أخرى، مع الحفاظ على دور التنسيق السياسي المركزي داخل أمانة التنظيم.
ويهدف هذا الترتيب إلى ضمان الربط العضوي بين النضال الحقوقي وقضية الأرض، باعتبارها جوهر النزاع السياسي وركنا أساسيا من أركان حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. كما تعنى هذه المديرية بتجميع المعطيات الميدانية، وتوثيق انتهاكات الاحتلال، لا سيما تلك المرتبطة بمصادرة الحق في تقرير المصير بأبعاده السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، إلى جانب التنسيق مع الفروع والهياكل التنظيمية ذات الصلة.
وعلى هذا الأساس، تحال هذه المعطيات بشكل منهجي ومنظم إلى وزارة حقوق الإنسان أو الجهة المختصة، قصد إدماجها ضمن المرافعة القانونية والحقوقية الرسمية، وتعزيز الحضور الصحراوي في آليات الحماية والتقاضي على المستويين الإقليمي والدولي.

3. تأسيس وزارة لحقوق الإنسان كرافعة مؤسسية للمرافعة القانونية ومشروع التحرر الوطني
وفي إطار تطوير البنية المؤسسية للدولة الصحراوية وتكييفها مع متطلبات المرحلة الراهنة، يقترح تأسيس وزارة مستقلة لحقوق الإنسان تكون الجهة المركزية المسؤولة عن توثيق ومتابعة ومرافعة جميع الانتهاكات التي ترتكبها دولة الاحتلال في المناطق المحتلة... ويأتي هذا المقترح استجابة للحاجة المتزايدة إلى جهاز متخصص قادر على إدارة المعركة القانونية والحقوقية باحترافية، ومواكبة التطورات الميدانية والقانونية في ظل التصعيد المغربي ضد المدنيين الصحراويين واستنزاف خيرات المنطقة ومحاولة استلاب الهوية الثقافية. إن وجود وزارة لحقوق الإنسان سيسمح بتجميع الجهود القانونية والحقوقية المبعثرة داخل مؤسسات متعددة، وتوحيدها في إطار مؤسسي منظم ومتناغم قادر على التوثيق، والتحقيق، والمرافعة، والتحرك الدبلوماسي، والتنسيق مع المنظمات الدولية والإقليمية.
حيث ستمارس وزارة حقوق الإنسان مهامها باعتبارها الإطار الوطني الشامل لحماية الحقوق الفردية والجماعية للشعب الصحراوي في أبعادها السياسية والثقافية والاقتصادية، بما في ذلك الحق غير القابل للتصرف في السيادة الدائمة على الثروات الطبيعية، بوصفه جزءا لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان وحق تقرير المصير.
كما ينبغي أن تشمل صلاحيات وزارة حقوق الإنسان جانبا أساسيا يتمثل في المرافعة عن الحقوق الاقتصادية والثقافية للشعب الصحراوي، باعتبار أن كل انتهاك ترتكبه الدولة المغربية في مجال الثروات الطبيعية، أو الموارد البحرية، أو المعادن، أو المنتجات الزراعية....، أو من خلال محاولات الغزو الثقافي وطمس الهوية وتغيير الملامح البشرية واغراق المنطقة بالمستوطنين الذي يعد انتهاكا مباشرا لحق تقرير المصير ليس فقط في شقه السياسي، بل في شقه الاقتصادي والثقافي. 
إن نهب الثروات خارج رغبة وإرادة الشعب ومصادرة حقه في تقرير المصير، وفرض سياسات التذويب الثقافي للهوية وتغيير الملامح السوسيو- ثقافية للمنطقة، يشكلان خرقا واضحا للقانون الدولي واعتداءً صريحًا على الحقوق الجماعية غير القابلة للتصرف وحق تقرير المصير في شقه الثقافي.
ومن هنا، تصبح الوزارة المرتقبة قاعدة مركزية تنطلق منها جميع المعارك القانونية والحقوقية ذات الصلة بالحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والإنسانية....، بما يعزز القدرة على بناء ملفات قانونية قوية أمام المحاكم الدولية والإقليمية، ويوفر إطارًا مؤسسيا لربط هذه الانتهاكات ببنية الاحتلال الاستعماري المفروضة على الإقليم. وستكون الوزارة حلقة وصل أساسية بين العمل الدبلوماسي الرسمي والعمل الحقوقي القاعدي، بما يضمن مأسسة النضال القانوني والحقوقي وتحويله إلى رافعة إستراتيجية ضمن مشروع التحرر الوطني.
وبإدارة الوزارة لهذا الملف من منظور شامل ومتكامل، يمكن تحويل النضال الحقوقي إلى رافعة إستراتيجية تضغط باتجاه فرض احترام القرارات الدولية المتعلقة بتقرير المصير، وكشف الطبيعة الاستعمارية للوجود المغربي في الإقليم، وضمان أن تكون المعارك الحقوقية والقانونية جزءا أصيلا من معركة التحرر الوطني، وليست نشاطا ثانويا أو موسميا.
ويمكن للوزارة، في إطار مهامها التنسيقية، أن تشكل الإطار المرجعي الذي تعمل في نطاقه مختلف الهيئات الحقوقية الوطنية، مثل جمعية أولياء المعتقلين والمفقودين، واتحاد الحقوقيين الصحراويين، واللجنة الصحراوية لحقوق الإنسان والمستشار المكلف بشؤون الثروات الطبيعية والقضايا القانونية وملف الأرض المحتلة بفروعه التنظيمية والحقوقية والمرصد الصحراوي للثروات الطبيعية والتنسيق مع السفارات والتمثيليات عن طريق وزارة الخارجية..... ويهدف هذا التوجه إلى توحيد الجهود والخطاب وضمان التنسيق الوثيق بين الجميع سواء منظمات او مؤسسات والفاعلين الحقوقيين والمجتمع المدني، خاصة وأن الوطن ما يزال تحت الاحتلال، وحق تقرير المصير ما يزال مصادرا، ما يجعل الهدف مشتركا والمسؤولية جماعية في إطار عملية التحرير.
ولا يعني هذا الارتباط فقدان هذه المنظمات لاستقلاليتها، بل يضمن لها فضاء مؤسساتيا مشتركا للعمل، سواء من خلال مظلة الوزارة أو عبر فروع تنسيقية مرتبطة بها. ويسمح هذا الإطار بإعداد استراتيجية موحدة وتقارير مشتركة، وتنظيم حملات مشتركة، وتبادل المعلومات والملفات، مما يعزز المسار القانوني والحقوقي للقضية الوطنية ويرفع فعاليته داخل المؤسسات الدولية.
كما يوفر هذا التعاون آلية أكثر نجاعة لتوثيق الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون الصحراويون، ومتابعة ملفات المعتقلين والمفقودين، وتفعيل آليات الحماية الدولية، ورفع مستوى الاحترافية في العمل الحقوقي والقانوني في إدارة الصراع. إن جمع هذه الجهود تحت سقف واحد يُحوّل المنظمات الحقوقية من كيانات متفرقة إلى شبكة وطنية موحدة تعمل وفق رؤية مشتركة، بما يعزز قوة المرافعة الصحراوية، ويمنح القضية حضورا أكثر ثباتا ووزنا في المحافل الحقوقية الإقليمية والدولية.
إن تأسيس وزارة لحقوق الإنسان في الجمهورية الصحراوية لا يشكل عبئا على المرافعة الدولية، بل يفتح أفقا مؤسسيا جديدا يعزّز الحضور الرسمي للدولة الصحراوية داخل الفضاءات الإقليمية والدولية، ولا سيما داخل أروقة الاتحاد الإفريقي والدول التي تعترف بالجمهورية الصحراوية كدولة ذات سيادة، وفي مقدمتها عدد معتبر من دول أمريكا اللاتينية. فوجود وزارة متخصصة لحقوق الإنسان يوفّر إطارًا رسميًا ومباشرا للتفاعل مع آليات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية، ويمنح المرافعة الصحراوية صفة مؤسسية واضحة تتجاوز منطق ردّ الفعل إلى منطق البناء الاستراتيجي طويل المدى.
كما أن هذه الخطوة من شأنها أن تلقى ترحيبا وتفاعلا إيجابيا متزايدا من قبل المجتمع الدولي، ولا سيما داخل منظومة الأمم المتحدة، ودوائر الاتحاد الأوروبي، والمنظمات الحقوقية الدولية الوازنة، إذ إن العالم اليوم لا يكتفي بسماع خطابات التحرر، بل يتفاعل بشكل أعمق مع الكيانات التي تُظهر التزاما مؤسسيا وعمليا بمنظومة حقوق الإنسان. وفي هذا السياق، تُمكّن وزارة حقوق الإنسان الجمهورية الصحراوية، بصفتها دولة قائمة تحت الاحتلال وفي المنفى، من الجمع بين شرعية حركة التحرر وشرعية الدولة المسؤولة، بما يعزز مصداقية الخطاب الحقوقي ويُظهر أن النضال من أجل إنهاء الاحتلال وانتزاع الحرية وحق تقرير المصير لا يتعارض مع بناء دولة القانون، بل يتكامل معه.
إن تأسيس هذه الوزارة يبعث برسالة واضحة مفادها أن الشعب الصحراوي لا يؤجل تشييد دولة حقوق الإنسان إلى ما بعد التحرر، بل يشرع في بنائها منذ الآن، رغم ظروف الاحتلال والمنفى، وهو ما يعزّز قابلية الإصغاء الدولي للمرافعة الصحراوية، ويرفع مستوى الثقة في المشروع الوطني، ويجعل الخطاب الصحراوي أكثر انسجامًا مع منطق المؤسسات الدولية التي تنظر بإيجابية إلى كل تجربة تحرر تدمج النضال السياسي بالالتزام الحقوقي و المؤسساتي، وتربط الحرية بالمسؤولية، والتحرر باحترام القيم الكونية لحقوق الإنسان والقانون الدولي بشقيه، دون أن يمسّ ذلك باستقلالية المنظمات الحقوقية الوطنية، بل على العكس، يوفّر لها إطارًا تنسيقيا داعما يضاعف من أثر عملها ومرافعتها.
ولأغراض الترافع أمام الهيئات القضائية والآليات الدولية، تمارس المرافعة القانونية من طرف وزارة حقوق الإنسان بصفتها جهازا وطنيا مختصا بقيادة وإدارة المعركة الحقوقية والقانونية، وذلك وفق الصيغ الإجرائية المعتمدة في القانون الدولي وبما ينسجم مع الوضع القانوني للصحراء الغربية. وفي هذا الإطار، تتولى الوزارة إعداد الملفات القانونية، وتنسيق التقاضي، وتوجيه الدعاوى، والمشاركة في المسارات القضائية الدولية، سواء بشكل مباشر حيثما يسمح الإطار الإجرائي، أو باسم أو عبر ممثل الشعب الصحراوي الجبهة وهيئاتها القانونية المعتمدة، دون أن يمس ذلك بجوهر الصفة السياسية أو المؤسسية للوزارة وانسجاما مع ممارسات القانون الدولي في التعامل مع الشعوب الخاضعة للاحتلال.
إن الخشية من فقدان الاستقلالية بسبب اعتماد تسمية «وزارة» هي خشية مفهومة نسبيا وليست مطلقة، لكنها غير دقيقة من الناحية المهنة ومن زاوية المرافعة الدولية. فالاستقلالية لا يحددها الاسم او الظرف، بل تحددها طريقة العمل، وآليات التنسيق، وطبيعة العلاقة مع المنظمات الحقوقية المستقلة ووضعنا الاستثنائي كشعب محتل. بل على العكس، إن اعتماد تسمية «وزارة حقوق الإنسان» يجعلنا أقرب إلى لغة المؤسسات الدولية، ويمنح معاركنا القانونية وعملنا الحقوقي صفة مؤسسية واضحة وفاعلة، دون أن يلغي طبيعتنا كحركة تحرير أو يمس باستقلالية الفاعلين الحقوقيين، لذلك نحن لا نؤسس وزارة لنتشبه بالدول، بل نؤسسها لأننا نناضل ضد احتلال، والعالم اليوم لا يفهم هذا النضال إلا بلغة المؤسسات.
وقد أكدت المواقف والقرارات الأخيرة لـ الاتحاد الأوروبي بوضوح أن الصحراء الغربية والمغرب إقليمان منفصلان ومتمايزان قانونيا، وأن جبهة البوليساريو هي الممثل الشرعي للشعب الصحراوي، وهو ما يكرس اعترافا دوليا بازدواجية الشرعية الصحراوية: شرعية حركة التحرر الوطني، وشرعية الدولة الصحراوية غير المكتملة بسب قوة الاحتلال. ويُعزّز هذا الواقع مشاركة الجمهورية الصحراوية في القمم الأورو-إفريقية واليابانية باسم الدولة، لا باسم الحركة، بما يؤكد أن المجتمع الدولي يتعامل مع الصحراويين ككيان سياسي منظم ذي طابع مؤسساتي.
وفي هذا السياق، فإن تسمية «وزارة حقوق الإنسان» لا تعني دولة مكتملة، بل دولة جزء منها تحت الاحتلال وتبني مؤسساتها الحقوقية وتجربتها الديمقراطية لتجاوز مرحلة البناء بعد الاستقلال، وتحول النضال الحقوقي إلى سياسة وطنية واضحة تستند على قاعدة امرة من قواعد القانون الدولي حق الشعوب في تقرير المصير. كما تمنح هذه الوزارة صفة الجهة الرسمية والشرعية للمرافعة أمام الأمم المتحدة المؤسسات الدولية، والاتحاد الأوروبي، والهيئات الحقوقية الدولية، بما يعزز فعالية الخطاب الصحراوي، ويرفع مستوى الإصغاء الدولي له، ويترجم شرعية التمثيل السياسي إلى فعل مؤسسي منظم يخدم معركة إنهاء الاحتلال وانتزاع الحرية وحق تقرير المصير بجميع الوسائل الممكنة.
ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة لأن الحديث يتعلق بوزارة لحقوق الإنسان تحديدا، وهي وزارة ذات رمزية وقيمة سياسية وأخلاقية عالية، إلى درجة أن عددا من الدول المستقلة لا تتوفر أصلا على وزارة متخصصة في هذا المجال. فكيف بشعب يناضل منذ عقود من أجل إزالة الاحتلال وانتزاع الحرية وحق تقرير المصير؟ إن تأسيس وزارة لحقوق الإنسان لا يمنح فقط بعدا رسميا وعمليا للمرافعة، بل يرسخ صورة الشعب الصحراوي كشعب منظم، واعٍ، ومسؤول، يبني دولة القانون وحقوق الإنسان حتى في ظروف الاحتلال والكفاح والمنفى.
كما أن هذا الخيار يعزز مكانة الجمهورية الصحراوية دوليا، ويرفع من مستوى الاعتراف السياسي بها كدولة قائمة، خاصة في ظل ما أكده الاتحاد الأوروبي من أن الصحراء الغربية والمغرب إقليمان منفصلان متمايزان قانونيا، وأن جبهة البوليساريو هي الممثل الشرعي للشعب الصحراوي، إلى جانب مشاركة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في القمم الأورو-إفريقية والقمة اليابانية الافريقية باسم الدولة لا باسم الحركة. وفي هذا السياق، تشكل وزارة حقوق الإنسان جهة مرافعة رسمية وشرعية أمام الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الحقوقية الدولية، وتحوّل النضال الحقوقي من جهد متفرق إلى سياسة وطنية واضحة، تعزز الثقة الدولية، وتقوي حظوظ الاعتراف، وتؤكد أن الشعب الصحراوي لا يطالب بحريته فقط، بل يثبت أهليته لبناء دولة تحترم الإنسان وحقوقه.
ولتفنيد الخطاب الكلاسيكي بحجج معاصرة، يجدر التذكير بأن القانون الدولي وفضاء حقوق الإنسان لا يشترطان استقلالية وزارة حقوق الإنسان بوصفها جهة مرافعة رسمية وشرعية قابلة للتواصل المؤسسي. فالاستقلالية تُطلب أساسًا من المنظمات غير الحكومية والآليات الرقابية، لا من أجهزة الدولة. وعليه، لا يمكن الطعن في مصداقية وزارة حقوق الإنسان بحجة أنها «عدم الاستقلالية»، إذ تقيَّم هذه الوزارات دوليا على أساس مستوى المسؤولية، والمهنية، وجودة التوثيق، والاتساق القانوني في المرافعة.
كما أن اعتماد تسمية «وزارة» يمنح الجهة المعنية صفة رسمية واضحة كجهاز دولة، ويجعلها الأقرب عمليًا وقانونيًا للتفاعل مع المحاكم الدولية والمؤسسات الدولية مقارنة بصيغة «مستشار» أو مسمى إداري آخر، إذ يظل المستشار في النهاية شخصا أو وظيفة داخلية محدودة الصلاحيات، بينما تجسد الوزارة إطارًا مؤسسيًا مستدامًا وقابلًا للتعامل الدولي المنتظم.
بل إن مأسسة المعارك القانونية ضمن وزارة حقوق الإنسان تشكّل ضمانة أساسية لاستمرارية النضال الحقوقي وحفظ الذاكرة القانونية الوطنية. فالمعركة القانونية، بخلاف المبادرات الفردية، تتطلب تراكمًا مؤسسيًا، وأرشفة دقيقة، واستراتيجية موثقة تُمكّن من المتابعة والبناء على ما تحقق، لا البدء من الصفر مع كل تغيير في الأشخاص أو القيادات.
لقد عانت التجربة الوطنية سابقا من ضياع جزء مهم من الأرشيف التاريخي والسياسي والدبلوماسي والقانوني والوثائقي برحيل بعض القيادات، حيث كان النضال، وخاصة في شقه القانوني، مرتبطًا بالأفراد أكثر من ارتباطه بالمؤسسات، وهو ما أدى في كثير من الأحيان إلى فقدان الاستمرارية وغياب استراتيجية واضحة تُورَّث لمن يخلفهم. وتُعد المعارك القانونية أمام المحاكم الدولية من أكثر الملفات التي تتطلب هذا النوع من التراكم والمتابعة المنهجية طويلة الأمد.
إن تحويل إدارة هذا الملف إلى إطار وزاري مؤسسي يضمن حفظ الأرشيف، وتثبيت الاستراتيجيات، وتوثيق التجارب، وتأمين انتقال سلس للمسؤوليات، بحيث لا يُضطر كل قيادي جديد إلى إعادة بناء المسار من بدايته، في مشهد يشبه أسطورة سيزيف، حيث يُعاد حمل الصخرة ذاتها في كل مرة بدل الدفع بها إلى الأمام.
التكيف الإجرائي للتسمية المؤسسية في المرافعة والتعاون والدعم الدولي
تعتمد وزارة حقوق الإنسان مقاربة مرنة ومتكاملة في استعمال تسميتها عند مخاطبة مختلف الفضاءات الإقليمية والدولية، بما ينسجم مع خصوصية كل إطار قانوني وسياسي. ففي الفضاء الإفريقي، وبحكم عضوية الجمهورية الصحراوية الكاملة في الاتحاد الإفريقي، تستعمل التسمية الوزارية كاملة باعتبارها وزارة دولة عضو. أما أمام منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان وآلياته المختلفة، فتُستعمل تسمية «وزارة حقوق الإنسان» مرفقة بتوصيف وظيفي قانوني يبيّن أنها آلية وطنية مختصة بحقوق الإنسان تابعة لممثل الشعب الصحراوي في إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، وذلك لأغراض التعاون والمرافعة والدعم التقني، دون طلب الاعتراف بالدولة أو المساس بالوضع القانوني للإقليم. وفي التعامل مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، تقدم الوزارة بصفتها «Human Rights Authority of the Sahrawi People» أو «Ministry of Human Rights, acting as the Human Rights Authority of the Sahrawi People»، بما ينسجم مع المقاربة الوظيفية المعتمدة أوروبيًا في مجال الشراكات والبرامج الحقوقية. كما يُستعمل الاسم المؤسسي للوزارة دون تحفظ في التعاون مع المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وحركات التضامن، والمؤسسات الأكاديمية، باعتباره عنصر قوة تنظيمية ومؤشرًا على الجدية والاستمرارية. ويُنظر إلى هذا التنوّع في الصيغ باعتباره تكيفا إجرائيا مشروعا وأداة قانونية ودبلوماسية تهدف إلى تسهيل الوصول إلى مصادر الدعم والتعاون، لا تناقضًا في الصفة المؤسسية ولا مساسًا بشرعية التمثيل.
ويهدف اعتماد هذا التنوع في الصيغ كذلك إلى تسهيل الوصول إلى برامج الدعم والتعاون وبناء القدرات، بما في ذلك الدعم التقني والمؤسسي والبرامجي، مع الجهات الإقليمية والدولية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، دون أن يُفهم من ذلك طلب تمويل سيادي أو مساس بالوضع القانوني للصحراء الغربية.
تعمل وزارة حقوق الإنسان على بناء شبكة علاقات متعددة المستويات، تشمل منظومة الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وحركات التضامن، والدول الصديقة، والمؤسسات الأكاديمية، وشبكات المحامين وذلك بهدف تعزيز المرافعة الحقوقية، وبناء الشراكات، وتعبئة الدعم التقني والمؤسسي، وضمان حضور دائم ومنهجي للقضية الصحراوية في مختلف الفضاءات الإقليمية والدولية.

ملاحظة توضيحية:
يؤكد أن اعتماد تسمية «وزارة حقوق الإنسان» لا يمثل بأي حال تقليصا للاختصاصات، بل يندرج في إطار فهم شامل ومتقدم لمنظومة حقوق الإنسان كما هي مكرسة في القانون الدولي. فهذه المنظومة لا تقتصر على الحقوق المدنية والسياسية، بل تمتد لتشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي صلبها الحق غير القابل للتصرف للشعوب في السيادة الدائمة على ثرواتها الطبيعية بوصفه جزءًا لا يتجزأ من حق تقرير المصير. وعليه، تشكل وزارة حقوق الإنسان، بصيغتها المقترحة، الإطار الوطني الأشمل والقادر على مرافعة جميع هذه الحقوق في ترابطها وتكاملها، مع إمكانية إحداث هياكل داخلية متخصصة تُعنى بالثروات الطبيعية والحقوق الاقتصادية وأيضا الثروات الطبيعية، دون الحاجة إلى إدراجها في التسمية الوزارية ذاتها، بما يحفظ قوة الاسم، ويعزز وضوح الاختصاص، ويرفع من فعالية المرافعة الحقوقية على المستويين الإقليمي والدولي.
التكامل المؤسسي بين عمل وزارة حقوق الإنسان والتنظيم السياسي:
ينظر إلى العمل الحقوقي باعتباره رافعة مركزية في معركة التحرر الوطني وحق تقرير المصير، ويبنى على مبدأ التكامل بين مختلف الهياكل السياسية والمؤسسية، لا على منطق التنافس أو الإقصاء. وفي هذا الإطار، يقوم التنسيق بين وزارة حقوق الإنسان ومديرية حقوق الإنسان داخل أمانة التنظيم السياسي على احترام واضح للاختصاصات، وضمان الانسجام بين العمل التنظيمي الداخلي والمرافعة الحقوقية الرسمية على المستوى الدولي.
تتولى وزارة حقوق الإنسان مهام المرافعة الرسمية باسم الدولة في المنفى أمام المؤسسات الإقليمية والدولية، وإعداد التقارير الحقوقية الرسمية، والملفات القانونية، والتواصل مع آليات حقوق الإنسان، بما في ذلك الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والمنظمات الحقوقية الدولية. ويُناط بها اعتماد الخطاب الحقوقي الرسمي، وضمان اتساقه مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بحق تقرير المصير.
وفي المقابل، تضطلع مديرية حقوق الإنسان داخل أمانة التنظيم السياسي بدور تنسيقي داخلي يهدف إلى ربط الفعل الحقوقي بالقاعدة التنظيمية والفروع والجاليات، من خلال تجميع المعطيات الميدانية الأولية، وتوثيق الشهادات، وتأطير المناضلين في ثقافة حقوق الإنسان، وتعزيز الوعي بالبعد الحقوقي للنضال الوطني. ويقتصر دور المديرية على الإحالة المنهجية لهذه المعطيات إلى وزارة حقوق الإنسان دون تحرير نهائي أو مخاطبة خارجية مباشرة.
ويستند التنسيق بين الطرفين إلى قنوات اتصال واضحة ومنظمة، واجتماعات دورية تضمن تبادل المعلومات وتوحيد الأولويات، مع الالتزام بعدم التداخل في الاختصاصات. فلا تقوم المديرية بأي مرافعة خارجية باسم الدولة، ولا تتدخل الوزارة في الشؤون التنظيمية الداخلية، بما يحفظ وضوح الأدوار ويمنع الازدواجية أو التضارب.
ويؤكد هذا الإطار على احترام استقلالية المنظمات الحقوقية الوطنية، التي لا تخضع لأي وصاية تنظيمية أو حكومية، ويقتصر دور الوزارة والمديرية على التنسيق والدعم وتبادل المعلومات، بما يعزز قوة المرافعة الحقوقية دون المساس باستقلالية الفعل المدني.
ويهدف هذا التناغم المؤسسي إلى توحيد الجهد الحقوقي، ورفع فعاليته داخليا وخارجيا، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان داخل التنظيم، وتعزيز صورة الشعب الصحراوي كشعب منظم ومسؤول، يبني مؤسسات دولة القانون وحقوق الإنسان في ظل الاحتلال والمنفى، ويحوّل النضال الحقوقي إلى جزء أصيل من مشروع التحرر الوطني.
تتولى وزارة حقوق الإنسان مهام المرافعة الرسمية باسم الدولة في المنفى أمام المؤسسات الإقليمية والدولية، وإعداد التقارير الحقوقية الرسمية، والملفات القانونية، والتواصل مع آليات حقوق الإنسان، بما في ذلك الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والمنظمات الحقوقية الدولية. ويُناط بها اعتماد الخطاب الحقوقي الرسمي، وضمان اتساقه مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بحق تقرير المصير.
وفي المقابل، تضطلع مديرية حقوق الإنسان داخل أمانة التنظيم السياسي بدور تنسيقي داخلي يهدف إلى ربط الفعل الحقوقي بالقاعدة التنظيمية والفروع وزارة الخارجية والجاليات، من خلال تجميع المعطيات الميدانية الأولية، وتوثيق الشهادات، وتأطير المناضلين في ثقافة حقوق الإنسان، وتعزيز الوعي بالبعد الحقوقي للنضال الوطني. ويقتصر دور المديرية على الإحالة المنهجية لهذه المعطيات إلى وزارة حقوق الإنسان دون تحرير نهائي أو مخاطبة خارجية مباشرة.
ويستند التنسيق بين الطرفين إلى قنوات اتصال واضحة ومنظمة، واجتماعات دورية تضمن تبادل المعلومات وتوحيد الأولويات، مع الالتزام بعدم التداخل في الاختصاصات. فلا تقوم المديرية بأي مرافعة خارجية باسم الدولة، ولا تتدخل الوزارة في الشؤون التنظيمية الداخلية، بما يحفظ وضوح الأدوار ويمنع الازدواجية أو التضارب.
ويؤكد هذا الإطار على احترام استقلالية المنظمات الحقوقية الوطنية، التي لا تخضع لأي وصاية تنظيمية أو حكومية، ويقتصر دور الوزارة والمديرية على التنسيق والدعم وتبادل المعلومات، بما يعزز قوة المرافعة الحقوقية دون المساس باستقلالية الفعل المدني.
ويهدف هذا التناغم المؤسسي إلى توحيد الجهد الحقوقي، ورفع فعاليته داخليًا وخارجيًا، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان داخل التنظيم، وتعزيز صورة الشعب الصحراوي كشعب منظم ومسؤول، يبني مؤسسات دولة القانون وحقوق الإنسان في ظل الاحتلال والمنفى، ويحوّل النضال الحقوقي إلى جزء أصيل من مشروع التحرر الوطني.
وانطلاقا مما سبق من طبيعة المهام القائمة فعليا، ومن متطلبات المرافعة الدولية، فإن الحلّ الأنسب والأكثر انسجامًا مع الواقع التنظيمي يتمثل في تحويل منصب المستشار المكلف بشؤون الثروات الطبيعية والقضايا القانونية إلى وزارة لحقوق الإنسان. فالمستشار يضطلع أصلًا بهندسة المعركة القانونية، ويُشرف على إعداد الملفات القضائية، ويشارك في المعارك أمام المحاكم الدولية، ويتولى مخاطبة وسائل الإعلام، ويقود المرافعة القانونية والحقوقية باسم الدولة في المنفى. وعليه، فإن هذا التحول لا يُعد استحداثًا لبنية جديدة، بل تطويرًا مؤسسيًا لوظيفة قائمة، يمنحها الإطار الرسمي والصفة الوزارية التي تتلاءم مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، ويعزّز فعالية الحضور الصحراوي أمام المؤسسات الدولية، دون المساس باستقلالية الهيئات الحقوقية الأخرى.

4. المرأة الصحراوية: ريادة في النضال وسبق تاريخي في حقوق المرأة مقابل تجاهل دولي ممنهج
لم تكن المرأة الصحراوية يوما هامشا منذ النظام التقليدي لدولة الوبر القديمة او في تجارب دول الحضر الثورية في مسيرة النضال، بل كانت في صلب المشروع الوطني منذ اللحظة الأولى. ففي وقت كان فيه الغرب ما يزال يخوض معاركه الفكرية والتشريعية من أجل الاعتراف بحقوق المرأة الأساسية، كانت المرأة الصحراوية تمارس هذه الحقوق واقعا حيا: مشاركة سياسية، قيادة اجتماعية، مساهمة في القرار، وتحمل كامل لمسؤوليات المجتمع في زمن الحرب واللجوء.
لقد سبقت المرأة الصحراوية كثيرا من المجتمعات الغربية في تجسيد المساواة العملية، لا كشعار نظري، بل كممارسة يومية فرضتها قيم واخلاقيات المجتمع وقداسة المرأة في المخيال الشعبي، وفي ظروف المقاومة وبناء المجتمع في المنفى. ومع ذلك، فإن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا النموذج المتقدم لم يحظ لا بالاعتراف ولا بالدعم الحقيقي من المؤسسات الدولية والمنظمات والقوى التي تدعي الدفاع عن حقوق المرأة عالميا.
فكيف يحتفى بحقوق المرأة في الخطاب الدولي، بينما يتجاهل حق المرأة الصحراوية الأم الأساسي والجماعي، في تقرير المصير؟ وكيف يطالب العالم بتمكين النساء ورفع شعار المساواة، في حين تترك المرأة الصحراوية وحيدة في مواجهة الاحتلال، والنفي، وحرمان شعبها من حقه المشروع الذي تكفله الشرعية الدولية؟
إن تجاهل قضية الصحراء الغربية ليس فقط فشلا سياسيا وأخلاقيا ووصمة عار يتحمل وزرها المجتمع الدولي، بل هو أيضا تجسيد صارخ للتناقض البنيوي في خطاب حقوق الإنسان العالمي. فالمرأة الصحراوية لا تطلب امتيازا، بل تطالب بحق أصيل: أن تعيش حرة في وطن حر، وأن يعترف بنضالها لا كاستثناء إنساني، بل كجزء من معركة عادلة من أجل الكرامة والسيادة.
إن واقع نضال المرأة الصحراوية يفرض على التنظيم السياسي مسؤولية تاريخية وأخلاقية في توظيف الخطاب النسائي توظيفا استراتيجيا واعيا، لا دعائيا. فالمرأة الصحراوية لم تناضل يوما بحثا عن مقابل، بل حملت عبء المقاومة، وبناء المجتمع، والحفاظ على الهوية في ظروف اللجوء والاحتلال، دون مقابل مادي او رمزي او حتى امتيازات، أو مكافآت، او منح، او هبات من المجتمع الدولي بمؤسساته ومجتمعه المدني.
ومن هنا، يصبح من الضروري أن يتحول هذا الرصيد النضالي إلى رافعة ضغط سياسية واقتصادية في الفضاء الدولي، خاصة في السياقات التي تعلي من قضايا المرأة والمساواة الجندرية. ليس من باب الاستغلال الرمزي، بل من باب استرداد حق مشروع مقابل تضحيات حقيقية.
ومن دون الاعتراف بالدور المحوري للمرأة الصحراوية بوصفها فاعلا مركزيا، ليس فقط في بناء المشروع الوطني، بل أيضا في تشييد الهوية الوطنية وصون الهويات الثقافية الأخرى، وإعادة إنتاجها وتداولها عبر الأجيال، سواء في مخيمات اللجوء والشتات أو في المناطق المحتلة والأراضي السليبة، وفي ظل محاولات طمس الهوية وتهجينها أو استلابها، تظل المرأة الصحراوية حاميا اجتماعيا للذاكرة الجماعية والاجيال وحصنا منيعا، بل شكلا من أشكال "المناعة الجماعية الإيجابية" في مواجهة كل محاولات التأثير على العادات والقيم واللهجة والأخلاق والتماسك الاجتماعي والذاكرة الجمعية.
وعليه، فإن أي حديث عن الكفاح الوطني من دون استحضار الدور الجوهري الذي لعبته المرأة الصحراوية يظل حديثا غير منصف، ناقصا في مضمونه، ومختلا في بنيته التحليلية ومشوها في رؤيته، بل أشبه بسردية مبتورة تعاني من الإعاقة او العرج الفكري والتاريخي. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى التأسيس الفعلي لمسار واع لتأريخ وتوثيق الدور الريادي الذي اضطلعت به المرأة الصحراوية، باعتبار أن الرعيل الأول يمثل تجربة فريدة لن تتكرر، وأن دراسته ونقلها إلى الأجيال القادمة ليس مجرد فعل ذاكرة، بل فعل وعي واستخلاص للعبر والاقتداء، بما يضمن استمرارية القيم النضالية وترسيخها في الوجدان الوطني.
وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع نضال المرأة الصحراوية بوصفه مجرد رصيد رمزي أو حالة إنسانية معزولة، بل ينبغي إعادة توظيفه ضمن استراتيجية حقوقية هجومية تستهدف الفضاء الدولي، وتحوّل خطاب حقوق المرأة إلى أداة ضغط وإحراج سياسي وقانوني للمجتمع الدولي، عبر مساءلة التناقض الصارخ بين شعارات الدفاع عن حقوق النساء، والممارسة الفعلية في التعاطي مع قضية الصحراء الغربية وحق شعبها في تقرير المصير. ويقتضي هذا التوجه توظيف الخطاب النسوي توظيفا استراتيجيا عبر عمل مشترك ومنسق بين فروع التنظيم السياسي والأطر الإدارية ذات الصلة، وفي مقدمتها اتحاد النساء ووزارة شؤون المرأة والرعاية الاجتماعية والحركات النسوية الصحراوية في المهجر، بما يسمح بالانتقال بنضال المرأة الصحراوية من كونه رصيدا أخلاقيا صامتا وتشخيصا حقوقيا نظريا، إلى أداة ضغط وتأثير سياسي واقتصادي منظم وفاعل في معادلات المرافعة والفعل السياسي وصناعة القرار.
ويفترض أن يساهم هذا التوظيف الواعي في تعزيز الدعم السياسي الخارجي للقضية الوطنية، عبر الربط المنهجي بين حقوق المرأة وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، ذلك أن نضال المرأة الصحراوية لم يكن يوما نضالا فئويا من أجل مطالب داخلية ضيقة، بل كان نضالا سياديا من أجل الحرية والاستقلال. كما يفتح هذا المسار قنوات تمويل موجهة ومستدامة للنساء الصحراويات، بما يدعم تمكينهن اقتصاديا واجتماعيا، ويعزز حضورهن كفاعل منتج ومؤثر في المجتمع.
وفي الوقت ذاته، يشكل هذا الخطاب أداة لكشف وفضح ازدواجية المعايير في السياسات الدولية وخطاب عدد من المنظمات الأممية والدولية، التي ترفع شعارات الدفاع عن حقوق المرأة، بينما تتجاهل أو تتغاضى عن نضال المرأة الصحراوية وحقوق شعبها الأساسية في الحرية وتقرير المصير. ويستدعي هذا التناقض مقاربة نقدية جريئة تعيد مساءلة منطق المعايير المزدوجة الذي يحكم الخطاب الحقوقي الدولي. ولا سيما أن مصادرة الحق الأم في تقرير المصير من قبل قوة الاحتلال تجعل سائر الحقوق الأخرى السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، حقوقا معلقة ومفرغة من مضمونها، الأمر الذي يحمل الاحتلال المغربي، ومعه المجتمع الدولي، مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة عن استمرار هذا الوضع، وعن ضرورة إيجاد حل عادل وجذري للنزاع السياسي الذي يكفل حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.



5. إعادة توجيه مهام وزارة البناء وإعمار الأراضي المحررة: من الإعمار المدني المؤجل إلى الإعمار الدفاعي
لقد دخلت القضية الوطنية طورا جديدا منذ استئناف الكفاح المسلح سنة 2020، حيث لم تعد المناطق المحررة مجرد فضاءات انتظار لما بعد الحل السياسي، بل تحولت إلى عمق إستراتيجي وجغرافي للحرب الجارية، وإلى مجال تتقاطع فيه متطلبات الصمود العسكري مع ضرورات التنظيم المدني. وفي هذا السياق، لم يعد ممكنا التعامل مع وزارة البناء وإعمار الأراضي المحررة بوظيفتها التقليدية، لأن الإعمار دون تحرير كامل للأرض يظل مشروعا سابقا لأوانه، بل قد يتحول إلى عبء يستنزف الموارد في غير محلها. لإن المرحلة الراهنة تفرض رؤية جديدة تعيد تعريف معنى الإعمار ليصبح إعمارا هجوميا ودفاعيا يخدم معركة التحرير قبل أن يتحول إلى إعمار تنموي مستدام لخدمة الدولة المستقلة.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة توجيه مهام هذه الوزارة بما ينسجم مع طبيعة الصراع، ويحفظ منطق الدولة، ويعقلن البناء المؤسساتي، دون التفريط في الاستعداد المسبق لمرحلة ما بعد الاستقلال وبما في ذلك موارد التموين الخارجي الآنية.
وفي ظل استئناف الحرب وتحول المناطق المحررة إلى مجال عمليات عسكرية نشطة منذ نوفمبر 2020، أصبح من الواضح أن مفهوم الإعمار المدني التقليدي لم يعد قابلا للتطبيق في الظروف الراهنة، بل قد يشكل مخاطرة على المدنيين وعلى البنية الأساسية التي يمكن استهدافها بسهولة من قبل الطائرات المسيرة والأسلحة بعيدة المدى. ومن ثم، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة توجيه مهام وزارة البناء وإعمار الأراضي المحررة بما يتناسب مع الواقع العسكري والسياسي الجديد.
وبدل الإبقاء على وزارة بوظائف مؤجلة إلى ما بعد التحرير، يقترح تحويل الجزء الهندسي والتقني من الوزارة إلى جهاز دعم هندسي ميداني يتبع المؤسسة العسكرية، يتولى مهام التحصين الدفاعي، وحفر الخنادق والأنفاق، وإنشاء الملاجئ، وتأمين الطرق العسكرية، وتقديم الدعم الهندسي للوحدات القتالية في الجبهات. فهذه المهام تمثل الصيغة الواقعية والضرورية لـ"الإعمار" في زمن الحرب، وتعد عنصرا حاسما في حماية القوات ورفع الجاهزية القتالية.
وفي إطار رؤية مستقبلية، يقترح دمج الطابع المدني المتبقي للوزارة داخل وزارة المياه والبيئة، التي يمكن أن تضطلع بمهمة إعداد المخططات العلمية لمرحلة ما بعد الاستقلال، ووضع التصاميم الاستراتيجية للإعمار الحضري والزراعي والبنية الأساسية، دون استنزاف الموارد الحالية في مشاريع لا تخدم الظرف الاستثنائي الذي تعيشه القضية الوطنية. إن هذا الدمج يمثل خطوة ضرورية لعقلنة الهياكل الإدارية، وتركيز الجهد الوطني في الميادين التي يحتاجها التحرير بالفعل.
ومع ذلك، لا يعني هذا التوجه إلغاء الدور الاجتماعي والخِدمي للوزارة بشكل كامل؛ إذ يمكن للهيكل الجديد، عبر مديرية متخصصة، تستحدث داخل وزارة المياه والبيئة، أن يساهم في تسيير مخيمات اللاجئين وتنظيمها، وخاصة في الجوانب المتعلقة بالبنية الأساسية، وتخطيط الأحياء، وإدارة الموارد المائية والبيئية، وتحسين جودة العيش داخل المخيمات. ويسمح هذا التصور بالحفاظ على الخبرات المدنية للكوادر، واستثمارها في خدمة المجتمع، دون الحاجة إلى بقاء الوزارة بصيغتها القديمة التي تجاوزتها شروط المرحلة.
إن إعادة توجيه مهام هذه الوزارة وفق هذا التصور تتيح بلورة رؤية عملية وواقعية، تحقق الانسجام بين متطلبات معركة التحرير وضرورات بناء المستقبل، وتسهم في إرساء قاعدة مؤسساتية متينة ومُستدامة، قادرة على مواكبة مرحلة الإعمار الوطني عقب استعادة السيادة الكاملة على الأراضي المحررة. كما تفتح هذه المقاربة المجال أمام تعبئة الإمكانيات والموارد الاقتصادية المتاحة، وتوجيهها نحو الاستخدام الأمثل في مواقع الأولوية الوطنية.

6. إعادة هيكلة وزارة الأرض المحتلة والجالية: مقاربة دبلوماسية وتنظيمية لتفكيك الاختصاصات وإعادة توزيعها
إن إعادة النظر الجذرية في الصيغة المؤسسية لوزارة الأرض المحتلة والجالية باتت اليوم ضرورة إستراتيجية تفرضها المرحلة الراهنة، بالنظر إلى الحاجة المتزايدة لتنسيق عميق ومتكامل بين العمل النضالي داخل الأرض المحتلة، والتحركات الخارجية للجاليات، والدبلوماسية الرسمية للدولة الصحراوية. إذ أن الصيغة المعتمد الحالية، على الرغم من أهميتها التاريخية ودورها في مراحل سابقة، لم تعد قادرة على مواكبة حجم التحوّلات والتحديات السياسية، والدبلوماسية، والحقوقية التي تواجه القضية الوطنية على الساحة الإقليمية والدولية. ومن ثم، تبرز الحاجة الملحة إلى تجاوز هذا الإطار المؤسسي القائم وإعادة ضبط وظائفه وأدوات اشتغاله، بما ينسجم مع طبيعة الصراع وحدّة المواجهة مع دولة الاحتلال، ويعزز فاعلية العمل الوطني في خدمة المشروع الوطني.
ويقوم هذا المقترح على مبدأ أساسي قوامه ربط شؤون الجالية بوزارة الخارجية، بما يتيح انتقال الجالية من مجرد مكون اجتماعي أو امتداد بشري في المهجر، إلى قوة دبلوماسية شعبية فاعلة ومؤثرة في خدمة القضية الوطنية. ويفضي هذا الربط الى توحيد الفعل والخطاب السياسي، وتنسيق الأنشطة، وتفعيل الدبلوماسية الشعبية بالتوازي وفي تكامل عضوي مع الدبلوماسية الرسمية التي تضطلع بها سفارات وتمثيليات الدولة الصحراوية. 
كما يتيح هذا التوجه تعزيز التحرك الخارجي المنظم، وتمكين الجاليات من الانخراط الواعي والمنهجي في المعارك الدولية، ودعم حضور القضية الصحراوية في المحافل السياسية، والبرلمانية، والحقوقية عبر مختلف دول العالم، بما يعزز موقعها التفاوضي ويراكم عناصر القوة لصالح المشروع الوطني.
وبالموازاة مع إعادة ضبط التحرك الخارجي وتفعيل أدوار الجالية ضمن مقاربة دبلوماسية منسجمة، تفرض خصوصية المعركة داخل الأرض المحتلة مقاربة تنظيمية مختلفة، تستجيب لمتطلبات المتابعة الميدانية الدقيقة، وحساسية السياقين الأمني والحقوقي.
وفي هذا الإطار، يقترح هذا التصور إلحاق قطاع الأرض المحتلة بإحدى المرجعيات المركزية ذات الصلة المباشرة بمتطلبات المتابعة الميدانية، سواء عبر مؤسسة أمنية مختصة، أو رئاسة الدولة، أو أمانة التنظيم السياسي، أو وزارة حقوق الإنسان في حال إحداثها، وذلك بهدف رفع مستوى التتبّع الدقيق للوضع الميداني، وتعزيز قنوات التواصل المنظم مع المناضلين في الداخل.  فالمعركة داخل الأرض المحتلة تتطلب جهازا قادرا على جمع المعلومات، وتأمين قنوات الاتصال، ومواكبة الوضع الميداني لحظة بلحظة.
 إن ربط هذا القطاع بمرجعية أمنية أو تنظيمية مركزية من شأنه أن يمنح العمل داخل المدن المحتلة قوة وفعالية أكبر، ويسهم في تعزيز حماية النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتحسين التنسيق معهم، ضمن إطار يوازن بين المتطلبات الأمنية والبعد الحقوقي والسياسي.
كما يهدف مقترح تفكيك الوزارة الحالية إلى خلق تكامل بين ثلاث مسارات رئيسية:
المسار الدبلوماسي عبر وزارة الخارجية وتمثيليات الجبهة والجالية.
مسار الدبلوماسية الشعبية وتسليع أوجه الصراع الثلاثة، وتعزيز الحضور الحقوقي والانساني من خلال المجتمع المدني والجاليات.
المسار الأمني والميداني داخل الأرض المحتلة وشمالها ....حسب خصوصية كل مرحلة.
وبالمحصلة، لم تعد الصيغة الحالية لوزارة الأرض المحتلة والجالية قابلة للاستمرار، ما يستدعي تفكيك بنيتها الوظيفية وإعادة توزيع اختصاصاتها ضمن مؤسسات أكثر تخصصا وفاعلية، في إطار مؤسسي منظم يعزز قوة العمل الوطني ويرفع مستوى انسجامه. وتعد إحالة ملف الجاليات إلى وزارة الخارجية خيارا إستراتيجيا كفيلا بتعزيز التأثير الخارجي والارتقاء بمهنية الترافع عن القضية الوطنية، عبر استثمار طاقات الجالية الصحراوية وخبراتها وشبكاتها داخل دول الإقامة، وإنهاء الطابع الإداري التقليدي الذي طبع هذا القطاع، لصالح مقاربة استراتيجية قائمة على التخصص والنجاعة بما يضمن تكامل الدبلوماسية الشعبية مع الدبلوماسية الرسمية.

7. وزارة الخارجـــــــــــــــية والجاليات: إعادة تموضع الدبلوماسية الصحراوية وتعزيز الحضور الدولي
انطلاقا من التحولات العميقة التي تشهدها الممارسة الدبلوماسية المعاصرة، وتزايد دور الفاعلين غير الرسميين في التأثير على السياسات الدولية، يبرز مقترح إعادة هيكلة وزارة الخارجية، سواء عبر توسيع تسميتها إلى وزارة الخارجية والجاليات أو من عبر إدماج ملف الجاليات إدماجا مؤسسيا دائما ضمن اختصاصاتها وصلاحياتها، باعتباره خيارا استراتيجيًا يهدف إلى تفعيل الدبلوماسية الموازية وماسستها وتحويلها من مبادرات ظرفية إلى سياسة دولة منتظمة ومستدامة.
تعد الدبلوماسية الصحراوية ركيزة أساسية في تثبيت القضية الوطنية على الساحة الدولية، غير أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق الحضور الرمزي الى منطق التأثير الفعلي، وذلك عبر تمثيليات قوية وفاعلة، ومن خلال التنسيق مع الجاليات والمجتمع المدني، وتوسيع شبكة العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، تُقترح مجموعة من التدابير العملية:

تعيين ممثلين مختصين بالشؤون السياسية والإدارية للجالية داخل السفارات والتمثيليات، بمهام واضحة وصلاحيات محددة، لتفعيل الدبلوماسية وضمان التواصل الفعال ومعالجة ملفات الجالية بشكل منظم ومهني.

فتح مكاتب دبلوماسية إضافية في كل من فرنسا، الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والصين وروسيا وكوريا وإيران وبالنظر إلى أهميتها السياسية والاقتصادية والديموغرافية والعسكرية ودورها المتنامي في موازين القوى الدولية، وأيضا لتعزيز الحضور الخارجي للدولة الصحراوية.

تعزيز الانفتاح والتنسيق مع فعاليات المجتمع المدني الصحراوي في المهجر، والتفاعل مع مبادراته وأنشطته، وتقديم الدعم المعنوي المستمر له باعتباره امتدادا للدبلوماسية الرسمية لتأثير في الرأي العام المحلي وصناع القرار.

تشبيب الدبلوماسية الصحراوية عبر تمكين الشباب الصحراوي في الجاليات والمجتمع المدني من الانخراط في العمل الدبلوماسي لنيل حظهم من التجربة ضمن مسارات تكوين وتأهيل واضحة، خاصة الشباب الفعالين ولديهم علاقات قوية مع الطلبة والشباب والمنظمات المدنية العالمية.

خلق ديناميكية دبلوماسية فاعلة داخل الاتحاد الأفريقي من خلال الحضور المكثف والمنظم في هياكله الدائمة ولجانه الفرعية، بما يعزز العلاقات الثنائية، ويوطّد الثقة، ويضمن استمرار المتابعة والتأثير داخل المنظمة القارية والاستفادة من الامتيازات المستحقة للجمهورية الصحراوية كدولة مؤسسة للاتحاد.

تقتضي المرحلة الراهنة إجراء مراجعة شاملة لتوزيع التمثيليات الدبلوماسية الصحراوية عبر العالم، وذلك وفق معايير دقيقة تأخذ بعين الاعتبار حجم التأثير السياسي، والقدرة على تعبئة الدعم الدولي للقضية، وأهمية الدول المستقبِلة في موازين القرار العالمي. ويهدف هذا التوجه إلى إعادة توجيه الجهد الدبلوماسي نحو المناطق الأكثر استراتيجية، وضمان وجود فعّال في المراكز المحورية لصناعة القرار، سواء في العواصم المؤثرة أو في المنظمات الإقليمية والدولية، بما يعزز حضور القضية الوطنية ويقوّي موقع الدولة الصحراوية على الساحة العالمية.

كما يتعين اختيار ممثلين وسفراء يتمتعون بثقافة سياسية واسعة، ووعي عميق بالعلوم السياسية والاتجاهات الأيديولوجية المختلفة، إضافة إلى الموهبة السياسية ذات البعد البراغماتي والقدرة على استغلال واستثمار الفرص. فهذه المؤهلات مجتمعة تمكنهم من التواصل الفعّال مع التيارات السياسية المتباينة التي تشكل الحكومات الدولية المعاصرة. ويعد هذا الشرط أساســيا لضمان قدرة الدبلوماسي الصحراوي على قراءة المشهد العالمي، وفهم خلفيات القرارات، والتأثير في البيئة السياسية الخارجية بمهارة واحترافية عالية.


8. المجتمع المدني الصحراوي في المهجر كرافعة للدبلوماسية الموازية والقوة الناعمة

في ظل التحولات المتسارعة في العلاقات الدولية، وتراجع فعالية القنوات الدبلوماسية الرسمية وحدها في التأثير على مراكز القرار، بات المجتمع المدني يشكل أحد أهم أدوات القوة الناعمة في معارك التحرر الوطني. وتبرز الجالية الصحراوية في المهجر باعتبارها رصيدا استراتيجيا لم يستثمر بعد بالشكل الكافي، قادرا على لعب دور محوري في تفعيل الدبلوماسية الشعبية، وتعزيز الحضور السياسي والحقوقي والانساني للقضية الصحراوية داخل المجتمعات والمؤسسات الدولية. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري الانتقال من العمل الجمعوي المتشتت إلى عمل منظم، نخبوي، وموحّد، قائم على الكفاءة والتأثير لا على الكم والانتشار الشكلي.

يصبح من الضروري اليوم الانفتاح المنظم والفاعل على الجالية الصحراوية في مختلف أماكن تواجدها، مع إيلاء أهمية خاصة للجالية المتواجدة في الولايات المتحدة الأميركية، وفي فضاءات صنع القرار الدولي، ولا سيما الدول الأعضاء في مجلس الأمن. فوجود جالية صحراوية معتبرة في الولايات المتحدة، يقدر عدد افرادها بأكثر من 400 شخص، يشكل رصيدا بشريا وسياسيا مهما، يتطلب التأطير والتنظيم والتفعيل بما يخدم القضية الوطنية من داخل المجتمع المدني الأميركي.

إن تفعيل دور هذه الجالية لا ينبغي أن يظل في إطار المبادرات الفردية أو الحضور الرمزي، بل يستوجب إرساء إطار تنظيمي واضح ينسق الجهود، ويوجه العمل، ويحول هذا الوجود إلى قوة ضغط مدنية وحقوقية مؤثرة. كما يقتضي ذلك تعبئة واسعة ومنظمة للمشاركة في فعاليات اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، بحضور نوعي وكمي وازن، يعكس حجم القضية وعدالتها، بدل الاكتفاء بمشاركات محدودة لا ترقى إلى مستوى التحديات المطروحة. إن الاستثمار الجيد في طاقات الجالية، خاصة في مراكز التأثير وصنع القرار، يشكل أحد المفاتيح الاستراتيجية لتعزيز الحضور الصحراوي دوليا، وتوسيع دوائر الدعم، وترسيخ القضية في الأوساط الحقوقية والسياسية المؤثرة.
وفيما يلي أهم المقترحات:
إحداث إطار أو آلية نخبوية نوعية (تنسيقية/ كونفدرالية/ رابطة) لجمعيات الجالية الصحراوية في فالمهجر، يركز على النوعية والكيف قبل الكم، يضم كفاءات قادرة على النفاذ الى مراكز صنع القرار في دول الإقامة، وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية. ويناط بهذا الإطار توحيد برامج عمل مختلف الفعاليات المدنية الصحراوية في المهجر، في صيغة تنظيمية مرنة مثل اتحاد أو تنسيقية أو كونفدرالية للجمعيات الصحراوية في أوروبا والمهجر، بما يضمن الانسجام وتكامل الجهود.

وتضم شخصيات وخبرات قادرة على النفاذ إلى مراكز صنع القرار في دول الإقامة، وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وباقي المؤسسات الدولية. ويُناط بهذا الإطار توحيد برامج عمل مختلف الفعاليات المدنية الصحراوية في المهجر، في صيغة تنظيمية مرنة مثل اتحاد أو تنسيقية أو كونفدرالية للجمعيات الصحراوية في أوروبا والمهجر، بما يضمن الانسجام وتكامل الجهود.

التركيز على التعامل المباشر مع المؤسسات والمنظمات الدولية في البلدان المضيفة عند تنفيذ البرامج، مع إمكانية تنظيم "إنزال مدني وطني منظم" تمثله مكونات المجتمع المدني الصحراوي داخل مؤسسات دولية معروفة، مثل البرلمان الأوروبي، مجلس حقوق الإنسان، أو مقر الأمم المتحدة وعواصم الدول ذات الثقل السياسي.

تنظيم ندوات وأيام دراسية وملتقيات وطنية ودولية تهدف الى تعريف المجتمع الدولي والمجتمعات المدنية الغربية بالقضية الوطنية من زوايا متعددة: سياسية، اقتصادية، ثقافية، إعلامية، حقوقية، وغيرها. بما يسهم في تفكيك الرواية المعادية وبناء سردية صحراوية متماسكة ومقنعة.

تشجيع الجالية على تأسيس منظمات وجمعيات متخصصة في مجالات الصراع الثلاثة: السياسي، الاقتصادي، الثقافي، إضافة إلى الجانب الإنساني والإعلامي، بما يضمن ضبط العمل وتوزيع الاختصاصات عالميا. كما يمكن الاستفادة من أصدقاء الشعب الصحراوي للقيام بالدور نفسه في المناطق التي لا توجد فيها جالية.

تعزيز القدرات الذاتية والاعتماد على التمويل الذاتي، مع البحث عن مصادر تمويل إضافية مشروعة وشفافة لا تمس مصداقية الجبهة ولا استقلالية القرار الوطني من خلال الاستفادة من برامج الدعم التي يوفرها نظام البلد المضيف والمنظمات المانحة التي تمول برامج ومشاريع لجمعيات المجتمع المدني المرخص لها.

منح الأولوية للشباب والعنصر النسوي المثقف لقيادة هذا الإطار وإدارة هياكل الجمعيات، ومكاتبها التنفيذية، ولجانها الوظيفية، وتمكينهم من اكتساب الخبرة وتحمل المسؤولية.

إعداد برامج سنوية موحدة تلتزم جميع الجمعيات والفعاليات بتنفيذها دون استثناء.

التحرك على أعلى المستويات لدى صانعي القرار والمحاكم والشركات العالمية الكبرى في دول الإقامة، بهدف التحسيس بخطورة الوضع في المدن المحتلة، والتنديد بنهب الثروات الوطنية والمطالبة بوقفه.

التواصل المستمر مع المناضلين في المدن المحتلة والأراضي السليبة والمواقع الجامعية، وتقديم الدعم للمعتقلين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بالتنسيق مع الجهة التنظيمية المختصة.

تنظيم زيارات سنوية لوفود الجاليات الصحراوية إلى مخيمات اللاجئين للتضامن، وتعزيز الهوية الوطنية والثقافية وتعزيزالوحدة الوطنية، والمشاركة الفعالة في المؤتمرات الشعبية، والمساهمة في الأعمال التطوعية حسب اختصاص كل فرد من داخل المؤسسات الدولة الصحراوية.

اقتراح تخصيص يوم وطني للجالية الصحراوية يخلد بالتنسيق بين مع الجهة التنظيمية.

يؤكد على أن أي مبادرة أو مقترح قانوني أو عملي يصدر عن هذا الإطار يجب أن ينسجم انسجاما تاما مع مسار وتوجهات الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، حفاظًا على وحدة القرار والمرجعية السياسية.
آفاق العمل الميداني والدولي في تفعيل الدبلوماسية الشعبية والضغط الدولي
يعد العمل الميداني الامتداد العملي والوظيفي للدبلوماسية الشعبية، والمجال الذي تختبر فيه فعالية الاستراتيجيات المرسومة، ومدى قدرتها على تحويل التعاطف إلى مواقف، والمواقف إلى ضغط سياسي وقانوني ملموس. وفي هذا الإطار، يكتسب الانتقال من المبادرات الظرفية إلى الفعل المنظم والمستدام أهمية مركزية في تعزيز التأثير الدولي للقضية الصحراوية.
• تفعيل دور المجتمع المدني الصحراوي وتعزيز علاقاته مع المنظمات الدولية والإقليمية والقارية، مع ضمان متابعة أنشطته داخل هذه الهيئات عبر تقوية أو إحداث لجنة أو آلية العلاقات الخارجية والتعاون.

• تبني إستراتيجية مرحلية واضحة الأهداف موجهة للمنظمات الدولية والأحزاب والبرلمانات، وفقا خصوصية العمل داخل كل إطار، مع تكليف آلية العلاقات الخارجية بمتابعة التنفيذ بالتنسيق مع المركزية.

• الانخراط الفعال في جميع الحملات الدولية المدافعة عن الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والإنسانية للشعب الصحراوي، مع تشجيع الجالية ومكونات المجتمع المدني على المشاركة الريادية في هذه الحملات على مستوى الخارج ومكاتبة وتفعيل الية البيانات المشتركة والمراسلات والعوارض والحملات الرقمية....

• تنظيم حملات تحسيسية موجَّهة لمجتمعات الدول المضيفة وفق خطة واضحة وشاملة تضمن الوصول إلى أهم المكونات السياسية والحقوقية والتشريعية في أبرز دول العالم.

• المشاركة الفاعلة في المنتديات الاجتماعية العالمية والأوروبية والأفريقية والمغاربية والقارية، بالتنسيق مع بقية فعاليات المجتمع المدني والجهة التنظيمية المختصة.

• تعزيز الحضور في الندوات الدولية ودورات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وإشراك أصدقاء الشعب الصحراوي فالمعركة وتوسيع الشراكات مع جمعيات الصداقة والتضامن وغيرهم.
• المساهمة في تنظيم ندوة دولية سنوية حول موضوعا استراتيجي يختار بعناية تعقد على هامش الجمع العام للإطار، وتغطي مختلف المجالات ذات الصلة بالقضية الوطنية.
• تخصيص أيام تضامنية سنوية للجاليات الصحراوية دعماً لكفاح الشعب الصحراوي في المدن المحتلة، وتضامنا مع المعتقلين السياسيين والمدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان.

• ضمان تفاعل الجاليات في المناسبات الوطنية والمهرجانات وتطورات الوضع في المناطق المحتلة، مع دعوة شخصيات دولية بارزة (برلمانيين، رؤساء بلديات، جمعيات، فنانين، أكاديميين…) للمشاركة في هذه التظاهرات.
• نسج علاقات قوية مع الاتحادات الطلابية في الجامعات الدولية والعمل على تحسيسها بالقضية الوطنية، باعتبار أن الشباب المثقف يشكل قاعدة المستقبل السياسي لأي دولة وحثهم على إعداد بحوث واطروحات اكاديمية عن قضية الصحراء الغربية. 

مقترحات مكملة لتعزيز تمثيلية الجالية والتنسيق المؤسسي:

• تخصيص عضوية أمانة عامة أو مقاعد برلمانية او تمثيلية استشارية للجالية الصحراوية ضمن الهيكلة الإدارية والسياسية، بما يعكس دورها وحجمها وتأثيرها.

• تعيين ممثلين مكلفين بالشؤون السياسية والإدارية للجالية داخل السفارات وتمثيليات الجبهة في الخارج، لضمان التنسيق، والمتابعة، وخدمة أفراد الجالية بشكل منتظم.

9. تحالف الجاليات كأداة لإعادة تشكيل الرأي العام وتعديل ميزان القوى الجالياتي
يعد التنسيق المنهجي مع الجاليات العربية والصديقة من دول أخرى ركيزة أساسية في بناء رأي عام دولي مساند للقضية الصحراوية، ولا سيما داخل الدول الأوروبية ذات الثقل السياسي والإعلامي. ويكتسي هذا التنسيق أهمية خاصة في فرنسا، بالنظر إلى الحضور العددي والنوعي الكبير للجالية الجزائرية، وما تملكه من امتداد اجتماعي، ونقابي، وثقافي، وقدرة على التأثير في الفضاء العمومي.

 ويهدف هذا التوجه إلى خلق توازن قوى حقيقي، أو ما يمكن تسميته بثقل اجتماعي وسياسي مضاد، يحد من هيمنة الخطاب الذي تروج له الجالية المغربية داخل الفضاء العام الفرنسي والأوروبي، ويكسر احتكارها لتمثيل قضايا المنطقة. ويتحقق ذلك عبر بناء تحالفات مدنية مرنة، وتنظيم مبادرات مشتركة، وتنسيق الخطاب الإعلامي والحقوقي، بما يساهم في إعادة تشكيل ميزان التأثير داخل المجتمعات المضيفة، وتحويل التعاطف التاريخي مع القضية الصحراوية إلى ضغط سياسي ملموس داخل دوائر القرار.

ولا يقتصر هذا التنسيق على البعد العددي، بل يستند إلى تقاطع القيم والمواقف، وفي مقدمتها الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومناهضة الاستعمار، واحترام الشرعية الدولية، بما يسمح بتوسيع قاعدة الدعم، وتعزيز مصداقية الخطاب الصحراوي داخل الفضاء الأوروبي والدولي.


10. الجالية الصحراوية في الجزائر وموريتانيا كعمق إقليمي للدبلوماسية الشعبية
نظرا للروابط الكفاحية والتاريخية، والاجتماعية، والثقافية العميقة التي تجمع الشعب الصحراوي بكل من الشعبين الجزائري والموريتاني، تكتسي مسألة تطوير حضور الجالية الصحراوية في هذين الفضاءين أهمية خاصة في مسار دعم القضية الوطنية وتعزيز محيطها الإقليمي التضامني. فإلى جانب البعد السياسي، تمثل الجزائر وموريتانيا عمقا اجتماعيا وثقافيا لا يمكن فصله عن مسار الكفاح الوطني الصحراوي.
وفي هذا السياق، يفرض البعد الاجتماعي والثقافي للقضية الصحراوية توجيه اهتمام خاص إلى مجتمع البيظان بوصفه مجالا إنسانيا وتاريخيا مشتركا يتجاوز الحدود السياسية الراهنة، ويمتد عبر الجزائر وموريتانيا وأجزاء واسعة من الصحراء الكبرى. فمجتمع البيظان لا يشكل مجرد إطار اجتماعي أو ثقافي، بل يمثل فضاء هوياتيا متداخلا تتقاطع فيه اللغة الحسانية، والذاكرة التاريخية، وأنماط العيش، والمرجعيات الرمزية، وهو ما يجعله رافعة استراتيجية أساسية في إعادة بناء الوعي المشترك بالقضية الصحراوية داخل محيطها الطبيعي. إن الاشتغال المنهجي على هذا العمق البيظاني يسمح بإحياء سردية جامعة تبرز وحدة المصير والتاريخ المشترك، وتعيد وصل ما قطع بفعل الحدود الاستعمارية، بما يحول الانتماء البيظاني من رابطة اجتماعية صامتة إلى قوة ناعمة فاعلة في خدمة الدبلوماسية الشعبية، وقادرة على خلق رأي عام متعاطف ومساند داخل المجتمعات المحلية، وعلى التأثير في النخب وصناع القرار على حد سواء.
ورغم الأهمية السياسية والتاريخية التي تتميز بها الساحتان الموريتانية والجزائرية، فإن حضور الجالية الصحراوية في هذه البلدان لم يبلغ بعد مستوى الدينامية والتنظيم التي تظهرها الجاليات الصحراوية في أوروبا. ويعزى ذلك إلى جملة من العوامل المرتبطة أساسا بطبيعة الفعل المدني داخل هذه الدول، وبغياب مبادرات منظمة قادرة على تحويل الجالية إلى قوة تحسيس وتأثير فعالة. فبينما تمتلك الجاليات في أوروبا أدوات مؤسساتية وإعلامية واسعة، تستفيد من الحضور القوي للمجتمع المدني الأوروبي والمنظمات الشبابية والنقابية والحقوقية، فإن الجالية في موريتانيا والجنوب الجزائري لا تزال تشتغل بمنطق تقليدي يغيب عنه الفعل المدني المنظم، مما حد من قدرتها على خلق تأثير مواز أو دعم حركة التضامن بالشكل المطلوب وهو ما يستدعي إحداث آليات تحسيس مستدامة تتجدد تلقائيا من جيل إلى جيل.
وتتفاقم هذه الإشكالية مع بروز أجيال جديدة من أبناء الجالية، ولدت ونشأت في هذه البلدان، ولا تمتلك في كثير من الأحيان معرفة كافية بالقضية الوطنية، رغم المواقف التاريخية المتعاطفة والداعمة للشعب الصحراوي. ويشكل غياب التأطير، والتكوين، والتوعية الوطنية خطرا حقيقيا على استمرارية الرابط الوجداني والسياسي بين هذه الأجيال وقضيتها، ما يستدعي تدخلا منظما واستباقيا.
إن تعزيز دور الجالية في موريتانيا والجزائر يستوجب تبني نفس المقاربة الديناميكية المعتمدة في أوروبا، مع مراعاة خصوصيات كل ساحة، وذلك عبر تنظيم فعاليات تضامنية، وإطلاق مبادرات إعلامية موجهة، وإقامة روابط مؤسساتية منفتحة على النخب السياسية والثقافية المحلية، مع التركيز على إدماج الشباب كمحرك أساسي لبعث روح جديدة في حركة التضامن داخل هذه البلدان. كما يتطلب الأمر برامج تعليمية وتثقيفية موجّهة لأبناء الجالية لردم فجوة المعرفة التاريخية، وضمان استمرارية الوعي الوطني داخل هذه البيئات القريبة منا جغرافيًا وثقافيا.
وباعتماد هذا النهج، يمكن للجالية في موريتانيا والجزائر أن تصبح امتدادا طبيعيا للدبلوماسية الشعبية الصحراوية، وقوة دعم مؤثرة تشبه ما نجحت الجاليات في أوروبا في تحقيقه، بل قد تتجاوزه بالنظر إلى الروابط التاريخية والاجتماعية الثقافية المشتركة بين شعوب المنطقة.
وبالنظر إلى اختلاف طبيعة كل من الساحتين الجزائرية والموريتانية، يصبح من الضروري ترتيب أولويات العمل وفق حساسية كل ساحة وأهميتها الإستراتيجية بالنسبة للقضية الوطنية، مع إعطاء الجزائر موقع الصدارة باعتبارها الحليف التقليدي والعمق السياسي والدبلوماسي للنضال الصحراوي، دون إغفال خصوصية الساحة الموريتانية وأهميتها الشعبية والثقافية.
وفي هذا الإطار تقترح التدابير التالية:
تعزيز حضور الجالية الصحراوية في الجزائر عبر هيكلتها وتنظيمها في آليات مؤسسية منفتحة على المجتمع الجزائري، والعمل على تقوية الروابط مع النخب السياسية والنقابية والطلابية المجتمع المدني بما ينسجم مع عمق العلاقات التاريخية بين الشعبين.

إطلاق برامج مشتركة مع الجمعيات الجزائرية ومنظمات المجتمع المدني لتعميق التعريف بالقضية الوطنية داخل المجتمع الجزائري، لاسيما لدى الجيل الجديد الذي لم يعايش فصول القضية تاريخيا.


تحفيز الجالية في الجنوب الجزائري على لعب دور أكبر في الديناميكية التضامنية، بحكم القرب الجغرافي والإنساني والاجتماعي، عبر مبادرات سياسية وإعلامية وثقافية موجهة.

تأطير وتنظيم الجالية الصحراوية في موريتانيا والعمل على جعل الساحة الموريتانية فضاءً تضامنيًا موازيًا للساحة الجزائرية، لما يجمع البلدين من علاقات تاريخية وقيم ثقافية مشتركة.

نسج علاقات قوية مع الشخصيات الوطنية الموريتانية من فاعلين سياسيين، اقتصاديين، ثقافيين، وإعلاميين ممن تجمعهم علاقات أو تعاطف مع الشعب الصحراوي، بما يعزّز التأييد الشعبي والنخبوي للقضية.

التواصل مع النخبة الموريتانية بمختلف توجهاتها الفكرية والسياسية بهدف خلق رأي عام متضامن ومناصر للقضية الوطنية، وتوسيع دائرة الدعم داخل المجتمع الموريتاني. 
                   
11. تشبيب حركة التضامن الأوروبية مع الشعب الصحراوي (أوكوكو): رؤية استراتيجية لضمان الاستمرارية والتمدد والتأثير
تواجه حركة التضامن الأوروبية مع الشعب الصحراوي تحديات بنيوية متزايدة تتعلق بتغيّر الأجيال، وتحوّل الاهتمامات السياسية في المجتمعات الأوروبية، وظهور تيارات شبابية جديدة ذات تأثير واسع في صناعة الرأي العام. ومن هنا تأتي ضرورة "تشبيب" هذه الحركة داخل إطار التنسيقية الأوروبية (أوكوكو)، وضمان انخراط جيل جديد من النشطاء القادرين على مواصلة الدعم وتجديد آلياته وإبراز القضية الوطنية في المحافل الأوروبية والدولية
نظرا لأن المجتمع المدني الكلاسيكي بات مهددًا بالانقراض بفعل العولمة، والثورة التكنولوجية، والأجندات الاقتصادية الجديدة، إضافة إلى عزوف الشباب عن الأطر التقليدية وبحثهم عن بدائل وفضاءات أكثر مرونة تتناغم مع طموحاتهم الجيلية، فقد بادرت العديد من الأحزاب السياسية في أوروبا إلى بناء مجتمع مدني حديث تحت مظلتها، يتميز بالديناميكية والتجدد التلقائي، الأمر الذي همّش إلى حد كبير المجتمع المدني التقليدي وقلّص تأثيره.
وانطلاقًا من هذا التحول العميق في البنية المدنية الأوروبية، يصبح لزاما على حركة التضامن الأوروبية مع الشعب الصحراوي أن تعيد تكييف بنيتها وآليات اشتغلها مع هذا الواقع، وذلك عبر التنسيق المباشر مع المنظمات الشبابية التابعة للأحزاب السياسية. ويُقترح في هذا الإطار أن تقوم كل منظمة شبابية حزبية في المهجر، لاسيما في الدول التي تتوفر فيها الجبهة على تمثيليات رسمية، بتعيين عضوين اثنين ضمن هياكل حركة التضامن، حدهما شاب والآخر شابة، باعتبارهما ممثلين دائمين لهذا الجيل داخل الحركة.
ويمثل هذا التوجه آلية فعّالة لضمان التجديد التلقائي لحركة التضامن، وعدم تركها رهينة الشيخوخة التنظيمية أو الاندثار البيولوجي للرموز التاريخية. كما أن إشراك الشباب اليوم يعني إشراك ساسة المستقبل، إذ إن جزءًا كبيرًا من هؤلاء الشباب سيصبحون في الغد وزراء وسياسيين وصحفيين ونوابا وقيادات حزبية مؤثرة، ما يجعل الموقف الداعم للقضية الصحراوية ينتقل معهم من مرحلة "منظمات الشبانية الحزبية" إلى صلب "القرار السياسي للحزبي".
وبذلك نضمن، من جهة، استمرارية حركة التضامن عبر تجديد دمائها، ونضمن، من جهة أخرى، استقرار وثبات مواقف الأحزاب السياسية مع القضية الصحراوية عبر الأجيال، بدل أن رهينة تغير القيادات أو موازين الضغط الظرفية للسياسة.
وفي سياق تجديد وتشبيب حركة التضامن الأوروبية مع الشعب الصحراوي (أوكوكو)، تبرز الحاجة الملحة لضرورة الانفتاح المنظم على المتضامنين والداعمين في مختلف أنحاء العالم، عبر إدماجهم ضمن إطار تنسيقي أوسع وأكثر شمولًا. ويمكن تحقيق ذلك إما من خلال تجاوز التسمية الجغرافية الضيقة المعتمدة حاليا، واعتماد اسم يعكس الامتداد الكوني للقضية، كـ «حركة التضامن العالمية مع الشعب الصحراوي»، أو عبر إحداث فروع وهيئات قارية في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية، وأوقيانوسيا، تكون جميعها منضوية ضمن حركة عالمية جامعة. ويُفترض أن تضطلع هذه الحركة بدور الإطار التنسيقي الأعلى الذي يوحّد المبادرات، وينسّق الجهود، ويضمن انسجام الخطاب والبرامج بين مختلف حركات التضامن مع الشعب الصحراوي، بما يعزّز الفعالية، ويضاعف التأثير، ويمنح النضال الصحراوي بعده الدولي الحقيقي.
يعد تشبيب حركة التضامن في أوروبا مدخلا أساسيا لضمان استمرارية الدعم للقضية الصحراوية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، خاصة في ظل التحولات الجيلية في الفضاء الأوروبي. وفي هذا السياق، تبرز أهمية استقطاب الشباب الأوروبي والصحراوي عبر إطلاق برامج شبابية مشتركة بين أوكوكو والجاليات الصحراوية، وتنظيم ملتقيات شبابية سنوية تجمع نشطاء من مختلف الدول الأوروبية، بما يتيح تبادل الخبرات وبناء شبكات تضامن عابرة للحدود.
ولتعزيز هذا التوجه، يُقترح إحداث جناح شبابي داخل أوكوكو يكون جزءا من هيكلتها التنظيمية، من خلال تشكيل لجنة شبابية دائمة تُمنح صلاحيات فعلية في المساهمة في اتخاذ القرار والتخطيط للحملات التضامنية. ويساهم هذا الإطار في إدماج الطاقات الشابة في العمل التضامني، وتحويلها من عنصر داعم إلى فاعل مؤثر في رسم التوجهات المستقبلية للحركة.
كما يتطلب تشبيب التضامن الاستثمار في التكوين السياسي والإعلامي للشباب، عبر تنظيم دورات تدريبية متخصصة في مجالات حقوق الإنسان، والعلاقات الدولية، والإعلام الرقمي، والترافع السياسي، إلى جانب إشراكهم بشكل منتظم في الندوات وورشات العمل المرتبطة بالقضية الوطنية. بما يسمح ببناء خطاب شبابي واع وقادر على مخاطبة الرأي العام الأوروبي بلغته وأدواته.
وفي موازاة ذلك، تبرز ضرورة تحديث أدوات العمل والاتصال من خلال اعتماد وسائل التواصل الاجتماعي بشكل احترافي، وإنتاج محتوى رقمي موجه خصيصًا للشباب الأوروبي، يشمل فيديوهات قصيرة، ووثائقيات رقمية، ومواد بصرية جذابة تستجيب لمنطق الاستهلاك الإعلامي الجديد. كما يقترح تطوير حملات تضامن رقمية مشتركة على المستوى الأوروبي، عبر إطلاق وسوم منتظمة "هاشتاغات"، واستعمال تقنيات التصميم الرقمي والذكاء الاصطناعي لنشر الرسائل بخمس لغات أوروبية على الأقل، بما يعزز الانتشار والتأثير.
ويكتمل هذا المسار بناء شراكات استراتيجية مع المنظمات الشبابية الأوروبية والعالمية، من قبيل الاتحادات الطلابية، ومنظمات الشباب اليسارية، والبيئية، والحقوقية، مع العمل على إدراج القضية الصحراوية ضمن أجندة المؤتمرات والمنتديات الشبابية الدولية. كما يقترح تنظيم زيارات ميدانية للشباب الأوروبي إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين، بما يخلق تجربة إنسانية مباشرة تعزز الارتباط بالقضية، على أن تُستثمر هذه الزيارات في إنتاج تقارير شخصية ومحتوى مرئي يضاعف الأثر الإعلامي.
وأخيرا، يشكل تمكين الشباب الصحراوي المقيم في أوروبا عنصرا محوريا في هذا التصور، من خلال دعم حضورهم داخل الجامعات الأوروبية، وتشجيع مشاركتهم في الأنشطة الفكرية والطلابية، وتحفيزهم على الكتابة الإعلامية وإعداد مقالات رأي تُعرّف بالقضية الوطنية من داخل الفضاء الأكاديمي والإعلامي الأوروبي، بما يربط بين النضال الوطني والتجارب الشبابية المعاصرة.


12. إعلام المجتمع المدني الصحراوي بالمهجر كأداة للدبلوماسية الشعبية وصناعة السردية الوطنية
في إطار تفعيل الدبلوماسية الموازية، يشكل إعلام المجتمع المدني الصحراوي بالمهجر أحد أهم روافع تعزيز حضور الجالية الصحراوية في الخارج، وأداة مركزية لتقوية تأثيرها في الرأي العام الدولي والمساهمة في صناعة السردية الوطنية في الفضاء الخارجي. وانطلاقًا من ذلك، يقتضي الأمر إرساء منظومة إعلامية متكاملة، متعددة اللغات، قادرة على التوثيق والنشر والتواصل الفعّال مع المؤسسات الدولية ووسائل الإعلام العالمية، بما يخدم أهداف الدبلوماسية الشعبية ويعزّز موقع القضية الصحراوية دوليًا.
وفي هذا الإطار تقترح التدابير التالية:
إنشاء موقع إلكتروني رسمي باسم الإطار يشكل بوابة اعلامية موحدة تنشر أخبار الجاليات، وتعرف بتاريخها، وتوثق تضامنها ونشاطاتها، كما يسلّط الضوء على الندوات والكتب والبرامج والتقارير والبلاغات التي ينتجها الاتحاد.
إصدار مجلة أو نشرة دورية اليكترونية او ورقية " شهرية أو موسمية " تتضمن التقارير الشهرية والسنوية للاتحاد، وبياناته الرسمية، إلى جانب أبرز التقارير الدولية المتعلقة بالقضية الوطنية، بما يتيح للقارئ متابعة شاملة لأنشطة الاتحاد وتحركاته اليومية في مختلف دول العالم.
ولضمان احترافية العمل الإعلامي، يقترح تشكيل فريق إعلامي وتقني متعدد اللغات يتولى إعداد المحتوى، وتحديث الموقع، ومراجعة الأخبار وترجمتها، ونشرها في الوقت المناسب عبر المنصات الرقمية، إضافة إلى توسيع شبكة العلاقات مع وكالات الأنباء الدولية والمؤسسات الإعلامية والصحفية المؤثرة، بما يرفع من حضور القضية الصحراوية دوليًا.
إصدار ترجمات رسمية لبيانات وتقارير الإطار وتعميمها بشكل منهجي على المؤسسات والمنظمات الدولية، لضمان وصول الرسائل الأساسية إلى جمهور واسع بلغات متعدد.
ومن أجل كسب مزيد من التعاطف والدعم للقضية الوطنية، يهدف الإطار إلى إقناع منظمات المجتمع المدني والإعلام الدولي بتسليط الضوء على ملف حقوق الإنسان ونهب الثروات الطبيعية والثروة السمكية وملف الطاقة البديلة في المناطق المحتلة، وحثها على تنظيم زيارات ميدانية إلى المنطقة للوقوف على حقيقة الكاملة للوضع هناك.
إنتاج برامج إذاعية وتلفزيونية ووثائقية تُعرّف بأنشطة الجالية الصحراوية في الخارج، وتربط الأجيال الجديدة بقضيتها الوطنية، مع توظيف الوسائط الرقية الحديثة والذكاء الاصطناعي في التثقيف والتوعية.
تعزيز التواصل مع الإعلام الوطني المرئي والمسموع والمكتوب، بهدف تخصيص برامج تُبرز دور الجاليات وقضاياها ومعاناتها، مما يسهم في ربطها بالوطن والحفاظ على هويتها الوطنية وتمكينها من الاضطلاع بدور مراسلين من المهجر.
ولتسهيل التنسيق بين الجمعيات، يقترح إنشاء بريد إلكتروني مركزي للإطار يعتمد كقناة اتصال رسمية تربط مختلف الفعاليات والمكاتب التنفيذية.
التأكيد على أهمية اصدار البيانات الإعلامية المشتركة، خاصة في القضايا التي تستدعي موقفًا موحدًا يعكس وحدة موقف المجتمع المدني الصحراوي، أو التي ترتبط بالمطالب العاجلة للحركة المدنية والتضامنية الدولية.
إحداث لجان إعلامية داخل كل جمعية من جمعيات الجالية الصحراوية في المهجر، تُعنى بتغطية أنشطة الجالية، وتوثيق مبادراتها، وضمان التواصل المنتظم والمنسّق مع الإعلام الوطني الصحراوي المركزي، بما يعزّز وحدة الخطاب وتكامل الجهود الإعلامية بين الداخل والخارج.
العمل على تأسيس جمعيات متخصصة في الصحافة والإعلام في بلدان المهجر، وفق القوانين المعمول بها في دول الإقامة، مع السعي إلى توسيع انتشارها جغرافيًا لتشمل مختلف القارات، بما يضمن حضورا إعلاميا صحراويا فاعلا عبر خارطة العالم.
ضمان انخراط هذه الجمعيات الصحفية في النقابات والمنظمات المهنية الإعلامية القارية والدولية، والمشاركة الفعّالة في الفعاليات والمؤتمرات الإعلامية العالمية، بما يتيح تسليط الضوء على القضية الصحراوية، وإدماج الإعلاميين الصحراويين والمتضامنين ضمن معركة الترافع الإعلامي الدولي، وتحويلهم إلى فاعلين مباشرين في معركة الوعي والتأثير.
تمكين المجتمع المدني الصحراوي فالمهجر من المشاركة في المسابقات والمهرجانات والجوائز الدولية المتخصصة في السينما، والأفلام الوثائقية، والإعلام والصحافة والكتب والقصة والمقالة .....، بما يتيح تقديم القضية الصحراوية إلى الرأي العام العالمي عبر إنتاجات بصرية ومضامين إعلامية تُروى بعيون أجنبية مستقلة، وتستند إلى المعايير المهنية الدولية، الأمر الذي يعزّز المصداقية، ويوسّع دوائر التعاطف، ويكسر احتكار السردية المعادية في الفضاء الإعلامي العالمي.
كما يقترح أن تفكر الجالية الصحراوية، عبر جمعياتها القانونية في بلدان الإقامة، في تأسيس وسائل إعلام محلية، مثل إذاعة مجتمعية (راديو)، تنشأ وتمول في إطار القوانين المعمول بها في البلد المضيف، سواء من خلال دعم البلديات، أو برامج الدولة المخصّصة للإعلام المحلي، أو عبر شراكات مع قنوات وإذاعات محلية قائمة. ويمكن أن تنطلق هذه الإذاعة في مرحلتها الأولى كمنبر اجتماعي وثقافي ناطق باللغة العربية موجهة للجالية العربية تعنى بقضايا الاندماج، والثقافة، والشباب، والهوية، والحوار المجتمعي، بما ينسجم مع أولويات وسياسات التمويل العمومي في الدول المضيفة.
وفي مرحلة لاحقة، ومع ترسخ المشروع واكتسابه الشرعية القانونية والمجتمعية، يمكن إدراج مواضيع متعلقة بقضية الصحراء الغربية ضمن المحتوى الإعلامي، من زوايا حقوقية، إنسانية، تاريخية وثقافية، وبأسلوب مهني يراعي قوانين البلد المضيف ومعاييره الإعلامية، مع الاستفادة من تمويلات محلية أو شراكات مع ممولين ومؤسسات داعمة لحرية التعبير وحقوق الشعوب. ويمكن هذا التوجه من بناء أداة إعلامية مستدامة، ذات مصداقية محلية، توظف كرافعة للدبلوماسية الشعبية والقوة الناعمة، دون أن تُقدَّم كإعلام دعائي مباشر، بل كجزء من النسيج الإعلامي الطبيعي للمجتمع المضيف. 

13.   الاعلام الوطني الصحراوي المركزي قيادة لمعركة الوعي والسردية الوطنية
يعد الإعلام الوطني المركزي لبنة اساسية لبناء المجتمع الصحراوي وأحد أهم أدوات المواجهة في معركة الوعي الجمعي والتأثير، ويشكل ركيزة أساسية في التصدي للدعاية الاستعمارية المغربية، كما يمثل المرآة العاكسة للخطاب السياسي الوطني، ولمختلف الأنشطة أوجه الصراع، وأداة مركزية لمخاطبة الأجيال في مختلف الفضاءات، ونقل الحقيقة الكاملة إلى العالم، والدفاع عن حقوق الشعب الصحراوي. ولذلك تبرز الحاجة إلى تطوير المنظومة الإعلامية الوطنية، ورفع كفاءتها، وتوسيع حضورها إقليميا ودوليا، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة التحررية الراهنة. وتستند هذه الرؤية إلى مجموعة من التدابير والإجراءات العملية:
التدابير المقترحة:
إعداد مشروع قانون للصحافة أو ميثاق شرف إعلامي يحدّد حقوق الصحفي وواجباته، وينظم العمل الإعلامي وفق المعايير المهنية والدولية، بما يضمن الاحترافية، ويحمي حرية التعبير، ويصون المسؤولية الأخلاقية للمهنة دون المساس بالخطوط المهنية الناظمة لها. كما يتيح هذا الإطار القانوني والمؤسساتي الانخراط الفعال في برامج وآليات الاتحاد الإفريقي الداعمة لحرية الإعلام وبناء القدرات والتواصل الاستراتيجي، والاستفادة من الشراكات القارية في مجالات التكوين، والدعم التقني، وتبادل الخبرات، بما يعزز قدرات الإعلام الوطني الصحراوي، ويقوي حضوره داخليا، ويرفع من نجاعته في الترافع الخارجي وخدمة القضية الوطنية.
الانخراط المنظم في النقابات والمنظمات القارية والدولية المتخصصة في الإعلام والصحافة باسم الدولة الصحراوية ومجتمعها المدني، بما يعزز الحضور الصحراوي داخل الفضاءات المهنية الإفريقية والدولية، ويتيح توسيع شبكة العلاقات الإعلامية، والاستفادة من برامج التكوين وبناء القدرات والدعم التقني، والترافع الجماعي دفاعا عن حرية الصحافة وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وفق القوانين المنظمة لهذه الهيئات وبما ينسجم مع طبيعة عملها.
تعيين مراسلين إعلاميين في جميع سفارات وتمثيليات الدولة الصحراوية وفعليات المجتمع المدني الصحراوي لضمان نقل منتظم ودقيق للأخبار والتحركات الدبلوماسية.
إنتاج برامج مخصصة للأطفال للاستفادة من صدق مشاعرهم وبراءتهم في التأثير الإنساني على المتلقي وتعزيز حضور القضية في الوجدان العالمي.
تخصيص برامج توثيقية حول الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في الصحراء الغربية، مثل: القصف بالنابالم والفسفور الأبيض، حرق الخيام، الهروب الجماعي للسكان، الاختطافات، التعذيب، والاعتقالات… مع تسجيل شهادات حية مدعّمة بمقتضيات القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الحقوقية.
إعداد استطلاعات مصورة وحوارات مباشرة من مخيمات اللاجئين لإبراز حجم المعاناة الإنسانية والتحديات اليومية للنساء والأطفال والشباب، ومن المناطق المحتلة كلما أمكن ذلك.
إبراز معارك جيش التحرير الشعبي الصحراوي والإنجازات العسكرية المحققة، في إطار خطاب مسؤول يوازن بين التعبئة والمصداقية، مع تكريم الشهداء والجرحى واستضافة عائلاتهم لإعادة الاعتبار وتقوية الارتباط الوطني.
تشكيل لجان إعلامية متعددة اللغات تتولى مراجعة الأخبار، ترجمتها، نشرها بسرعة، وتوزيعها على المنظمات الدولية ووسائل الإعلام الأجنبية وفق خطة تحريرية موحدة.
ترجمة جميع المداخلات والبرامج ذات الطابع الاستراتيجي، لضمان فهم أوسع، وعدم ترك أي محتوى دون ترجمة، مما يسهل متابعة الجديد بدقة واهتمام.
تعزيز المصداقية والاحترافية في نقل الخبر نظرا لزيادة متابعة المغاربة لوسائل الإعلام الصحراوية المرئية والرقمية.
تشكيل فريق داخل المدن المحتلة مختص في متابعة وسائل الإعلام المغربية وتحليل خطابها، وإنتاج محتوى مضادة موجه للرأي العام المغربي بلغة نقدية هادئة، من أجل شحنهم وجذبهم لمتابعة الإعلام الصحراوي والمواقع التي تنتقد النظام الملكي.
تكوين إعلاميين صحراويين من داخل المدن المحتلة، ومن المخيمات والجاليات، لتطوير القدرات الإعلامية المحلية والدولية ومواجهة الدعاية المغربية.
تخصيص برامج وطنية عن الجاليات الصحراوية تعرف بنشاطاتها، وانشغالاتها، مساهماتها، ودورها في الدفاع عن القضية الوطنية، مع تعزيز ثقة الفرد الصحراوي في نفسه وانتمائه وهويته.
التطرق بشكل منهجي لسياسات الاحتلال المدمرة داخل الأراضي المحتلة، وفي مقدمتها توظيف الجهوية والقبلية المقيتة كأدوات للتفكيك الاجتماعي، وممارسة كسح همجي للهوية الثقافية الصحراوية. وتشمل هذه السياسات طمس واستلاب وتهجين الهوية الوطنية، واستهداف الوازع الديني، والقيم والأخلاق، وتغيير الملامح البشرية والثقافية للمنطقة عبر إغراقها بالمستوطنين، وترويج المخدرات، وتشجيع الفساد والانحراف الاجتماعي. كما تشمل التهجير القسري، والهجرة السرية، والعقاب الجماعي، وصناعة شبكات العمالة، بما خلف آثارا مدمّرة على البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع الصحراوي، الأمر الذي يستدعي فضح هذه الممارسات إعلاميًا وحقوقيًا على المستويين الوطني والدولي.
عرض برامج عن الطلبة الصحراويين في الخارج لإبراز كفاءاتهم، إنجازاتهم، انخراطهم في الجامعات، ومدى ارتباطهم بالقضية الوطنية.
مراجعة المحتوى اللغوي بتخصيص فريق للتحرير يتولى تدقيق وتمحيص النصوص وتصحيح الأخطاء النحوية والإملائية لضمان الجودة المهنية.
ضرورة اعتماد الذكاء الاصطناعي كخيار استراتيجي لا تقني فقط، لتعزيز الاحترافية في الإعلام الوطني الصحراوي، وضمان استمرارية العمل وجودته حتى في حالات الغياب أو نقص الطاقم البشري. ويسهم إدماج هذه التقنيات في الرفع من المردودية، تحسين الدقة، وتسريع نشر الأخبار وانتاج محتوى على المستويات الوطنية والدولية متعدد اللغات والترجمة وتحليل والرد ورصد الدعاية المغربية وأتمتة أرشيف الإعلام الوطنية في ارشيف رقمي.
أصبح من الضروري اليوم استغلال وسائل التواصل الاجتماعي بشكل منظم وفعال عبر توحيد الاشراف المركز من خلال إطار تنظيمي واضح تابع لجهة تنظيمية محددة، يتولى تأطير هذه المنصات وتوجيه عملها بما يخدم القضية وينسجم مع أهدافها وخطابها. فالتراكم الحالي لتدخل مختلف الجهات التنظيمية، خاصة على منصة تيك توك، أدى إلى حالة من التداخل والارتباك في الأداء، وأضعف التأثير العام. ذلك، تبرز الحاجة إلى اختيار جهة واحدة أو وحدة محددة، كقطاع الإعلام مثلا، أو إنشاء إطار تنظيمي مشترك يخضع لتنسيق مركزي، يتكفل بتنظيم العمل على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما صفحات تيك توك، من حيث الخطاب، والمحتوى، وآليات النشر، والتفاعل. إن توحيد الإشراف وضبط المسؤوليات من شأنه الحد من تضارب الأدوار، وتحقيق قدر أكبر من الانسجام والفعالية، وجعل هذه الوسائل أكثر تنظيما وتأثيرا في خدمة القضية.

14. الاعلام الوطني في الساحة الدولية كأداة للتأثير والدفاع عن القضية

يعد الإعلام الموجه للخارج أحد أهم الأدوات الاستراتيجية في معركة التأثير الدولي والدفاع عن حقوق الشعب الصحراوي. وفي ظل التعتيم الدعائي المغربي الواسع، تبرز الحاجة إلى تقوية حضور الإعلام الوطني في أوروبا والعالم، وتأهيل الكفاءات الصحراوية، وبناء منظومة إعلامية متكاملة قادرة على مخاطبة الرأي العام الدولي والتأثير فيه بلغة يفهمها. ومن أجل ذلك، تقترح الإجراءات التالية:
استقطاب وتأطير الكفاءات الإعلامية والنخبة الصحراوية في أوروبا، وتنمية مهاراتها التقنية والمهنية، وتنظيمها ضمن أطر إعلامية فاعلة ومتخصصة.
التغطية الشاملة لأنشطة الجالية الصحراوية في الخارج، مع الحرص على ترجمة مداخلات الضيوف الأجانب لضمان وصول الرسالة إلى أكبر عدد من المتلقين.
التنسيق مع الجمعيات الصحراوية في أوروبا لتفعيل خلاياها الإعلامية القائمة، أو تأسيس خلايا جديدة أكثر فعالية وعطاء.
المشاركة في الفعاليات الوطنية والدولية المرتبطة بالقضية الوطنية، بما يتماشى مع اهتمامات الإطار الإعلامي ودوره في الساحة الأوروبية والدولية.
التطوير المستمر لقدرات الصحفيين الصحراويين من خلال توفير فرص التدريب والتكوين في مجالات إعلامية متنوعة داخل أوروبا وخارجها وأيضا داخل مركزية وزارة الاعلام في المخيمات والمناطق المحتلة.
توسيع التعاون الإعلامي عبر التنسيق مع وسائل إعلام دولية ونقابات صحفية ومؤسسات مجتمع مدني أوروبية، وتوقيع شراكات لتبادل المعلومات والتجارب وتعزيز الانخراط في الاتحادات والنقابات الدولية حسب اختصا كل جمعية.
تشجيع وسائل الإعلام الدولية على زيارة الأراضي المحتلة وزيارة المعتقلين الصحراويين داخل السجون المغربية وإقحامهم في المعركة، وتعزيز تغطيتهم لمعاناة المدنيين ونهب الثروات، مع تشجيعهم على زيارة المخيمات وإنتاج مقالات وتقارير وثائقية عن القضية.
تشجيع الضحايا والإعلاميين الصحراويين على كتابة تجاربهم وتوثيق شهاداتهم، وربطهم بصحفيين وأدباء أجانب لتحويل هذه الشهادات إلى مادة إعلامية وحقوقية عالمية.
التنسيق، عبر وزارة الأرض المحتلة والجاليات، مع إعلاميي المدن المحتلة لدعم مشاركتهم في الندوات الدولية ونشر شهاداتهم دون قيود، وإبراز انتهاكات الاحتلال ضد حرية الصحافة وحقوق الإنسان.
إصدار بيانات ورسائل إعلامية مشتركة في القضايا الكبرى، لضمان وحدة الخطاب وتفادي التناقضات وتعزيز مصداقية الإعلام الوطني.
إعداد برامج عن العائلات الصحراوية في الخارج لعرض نشاطاتها ومشكلاتها، وبث الثقة في صفوف الجالية وتمتين ارتباطها بالوطن.
إنتاج برامج عن الطلبة الصحراويين الدارسين بالخارج لإبراز مؤهلاتهم وإنجازاتهم وارتباطهم بالقضية الوطنية.
تنظيم حوارات واستضافة شخصيات أجنبية ووطنية بالتزامن مع المناسبات العالمية (اليوم العالمي للصحافة، حقوق الإنسان، المرأة، اللاجئين…) وتعميمها على الإعلام الوطني والدولي.
إنتاج برامج للأطفال بالاعتماد على تأثير براءتهم ومصداقيتهم وقدرتهم على لفت انتباه الرأي العام الدولي.
التركيز على برامج تثقيفية ووثائقيات حول التراث الصحراوي وأهميته في الهوية الوطنية، مع تنويع المحتوى ليشمل أشكالًا ثقافية مختلفة لا تقتصر على الشعر فقط، بهدف التصدي لمحاولات طمس الهوية الصحراوية.
إعداد برامج خاصة بدور المرأة الصحراوية في الكفاح الوطني وفي التحسيس بالقضية بالخارج، وإبراز معاناتها وصمودها، والتنسيق مع وسائل إعلام دولية لاستضافتها في لقاءات وبرامج.
ترجمة وتقديم قراءات لكتب وأبحاث دولية تناولت القضية الصحراوية، وإدراجها في برامج تُبث على الإعلام الوطني.
تخصيص تغطيات حول الجرائم ضد الإنسانية بالمناطق المحتلة وبثّها في وسائل إعلام دولية لإحراج الاحتلال وكشف ممارساته.
إعداد برامج تاريخية توثق مسيرة الكفاح وتضحيات الشهداء والجرحى، واستضافة عائلاتهم تكريمًا لهم وإعادة الاعتبار لبطولاتهم.
تنظيم ندوات ومحاضرات حول دور الإعلام في خدمة القضية الوطنية، وبثّ أشرطة توعوية وتقارير وثائقية في مختلف المجالات السياسية، الثقافية، الاقتصادية والإنسانية.
توقيع شراكات إعلامية واسعة مع وسائل إعلام دولية وصحراوية في أوروبا والمدن المحتلة لتوسيع مجال العمل وتبادل المعلومات، وتشجيع المزيد من الزيارات الميدانية للمناطق المحتلة ومخيمات اللاجئين.

15.   دمج وزارتي الثقافة والإعلام في إطار سياسة استراتيجية موحّدة لحماية الهوية الوطنية
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفعل الإعلامي والثقافي، وما نتج عنها من تداخل متزايد في مجالات التأثير والوظائف، يبرز خيار دمج وزارة الثقافة ووزارة الإعلام في مؤسسة مركزية واحدة بوصفه خطوة استراتيجية تهدف إلى صياغة سياسة ثقافية وإعلامية شاملة ومتكاملة. تسعى هذه المؤسسة إلى إثراء المادة الإعلامية وتنويع واغناء الخطاب الوطني، وتعزيز الهوية الوطنية، وحماية الذاكرة الجماعية وطنيا، وفي المناطق المحتلة، وفي أوساط الجاليات الصحراوية في المهجر.
ويتيح هذا الدمج بناء جهاز مؤسساتي قادر على توحيد الرسالة الوطنية في بعدها الثقافي والإعلامي، مع عقلنة الموارد البشرية والمادية وتوجيهها نحو أهداف استراتيجية واضحة. كما يعزز القوة الناعمة للدولة الصحراوية عبر توظيف الفنون، والتراث، والأدب، والإعلام، كأدوات فاعلة في الدفاع عن القضية الوطنية، ووسائل لمواجهة دعاية الاحتلال ومحاولات طمس الهوية والغزو الثقافي الممنهج.
وفي هذا الإطار، يشكل التنسيق الوثيق مع وزارة التعليم ركيزة مركزية، من خلال إعداد منهاج دراسي وطني يُعنى بالهوية الصحراوية، ويُبرز مكوّناتها الثقافية والتاريخية والاجتماعية، ويعزز الاعتزاز باللغة والعادات والتقاليد والقيم الوطنية. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في المناطق المحتلة المعرضة بشكل مباشر لسياسات الاستلاب الثقافي، كما في أوساط الجاليات في المهجر التي تواجه تحديات الاندماج وفقدان الروابط الهوياتية، حيث يتحول التعليم إلى أداة استراتجية لحماية الهوية وترسيخ الوعي الوطني.
وتتولى المؤسسة الموحدة، في هذا السياق، الإشراف على الإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية والاعلام المكتوب، ومراكز التكوين الإعلامي والسينمائي والرقمي، ومراكز البحث والتراث والآثار والفنون الشعبية، إضافة إلى رعاية الأسرة الفنية والأدبية والشعرية والمسرحية، وتطوير علاقات التعاون مع الإعلام الدولي والمؤسسات الثقافية العالمية، وفي مقدمتها اليونسكو (UNESCO)... كما تعمل، بالتنسيق مع قطاع التعليم، على إنتاج مضامين تربوية وثقافية مرنة ورقمية، قابلة للتداول والوصول في مختلف أماكن التواجد.
ويمكن هذا التصور المتكامل من ابتكار خطاب ثقافي وإعلامي معاصر يخاطب الأجيال الجديدة بلغة العصر، ويسهم في تشكيل فضاء وطني جامع يحافظ على الهوية الصحراوية ويطوّرها، في إطار رؤية مستقبلية تعزّز مشروع التحرير والاستقلال، وتربط بين الثقافة، والإعلام، والتعليم بوصفها ركائز مترابطة في معركة الوعي والصمود.

16. إصلاح منظومة التعليم والتربية لبناء الإنسان وتأهيل الأجيال للمستقبل
يعد التعليم الركيزة الجوهرية في بناء الإنسان الصحراوي، وأحد أهم مرتكزات التنمية المستدامة وصناعة المستقبل. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستويات العلمية والتكنولوجية والثقافية، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة شاملة للمنظومة التعليمية الوطنية، وتطويرها بما يضمن مواكبة متطلبات العصر، وتعزيز روح الإبداع، وتنمية الكفاءات العلمية والفكرية والثقافية لدى الأجيال الصاعدة، دون التفريط في البعد الهوياتي للتعليم، مع ترسيخ الهوية الوطنية بوصفها أحد أوجه الصراع والتميز. وفي هذا الإطار، تقترح الإجراءات التالية:
ترقية وتحديث المناهج الدراسية لتصبح مناهج علمية معاصرة تستجيب لمتطلبات المعرفة الحديثة وتطورات التكنولوجيا والعلوم، مع إدماج مناهج تعليمية حول تاريخ الشعب الصحراوي وثقافته وهويته الوطنية بوصفها وجه من أوجه الصراع والتميز عن باقي شعوب المنطقة.

تنمية قدرات المتعلمين عبر تشجيعهم على البحث، الاستنتاج، الإبداع، والتفكير النقدي، والاستقصاء والاستقراء كأساليب تعلم أساسية، وتجاوز منطق التلقين نحو ببيداغوجيات تفاعلية جاذبة تجعل التلميذ مقبلا على المدرسة ومتحمسا للتعلم لأنها تقدم له محتوى حيا ومفيدا لإرتباطه بواقعه.

تأسيس مركز توثيق وطني يجمع كل البحوث والدراسات المنجزة من طرف الطلبة الصحراويين في مختلف التخصصات وبجميع اللغات، يؤمن الذاكرة الاكاديمية الوطنية ليكون مرجعا أكاديميا يستفيد منه الطلاب والصحفيون والباحثون الأجانب.

إطلاق برامج للتبادل الأكاديمي مع الجامعات الدولية، ليس فقط لأغراض علمية، بل ايضا بهدف تعزيز حضور القضية الوطنية في الحرم الجامعي العالمي، وكسب المزيد من التأييد من النخب الأكاديمية.

الانفتاح على الطلبة الأجانب في الجامعات التي يدرس فيها الصحراويون من أجل بناء علاقات علمية وثقافية، وتشجيعهم على إعداد بحوث حول القضية الصحراوية، مما يخلق رأيًا عامًا دوليًا مساندًا.

تعزيز تعليم اللغات الأجنبية عبر تدريس الإنجليزية والصينية إلى جانب الإسبانية، باعتبارها أدوات أساسية للمعرفة والترافع والتواصل العالمي.

إعداد ميثاق يحدد حقوق وواجبات التلميذ، يؤسس لثقافة المسؤولية والانضباط، ويضمن بيئة تربوية عادلة ومسؤولة، وتعزيز الوعي القانوني لدى المتعلمين.

إنشاء مكتبات مدرسية فرعية في جميع الولايات والمؤسسات التعليمية، مرتبطة بمخطط وطني للقراءة والتنوير ويشرف عليها معلمون مختصون، لتوفير مصادر معرفية حديثة ومنظمة.

تفعيل الرقابة التربوية عبر تعيين مفتش تربوي في كل مدرسة لمتابعة سير العملية التعليمية وضمان الجودة والالتزام بالمعايير.

كما يقتضي الأمر إعداد منهاج خاص بالتاريخ الصحراوي، وفكر الشهيد الولي مصطفى السيد، بمقاربة تربوية تكوينية، يُدرَّس ضمن مادة التربية الوطنية في المرحلة الابتدائية، بأسلوب تربوي مبسط ومناسب للفئة العمرية، يهدف إلى ترسيخ القيم الوطنية، وتعزيز الوعي المبكر بالقضية الصحراوية، وتنمية روح الانتماء والالتزام، بعيدًا عن التلقين الأيديولوجي، وبما يراعي مبادئ التربية الحديثة القائمة على الفهم، والحوار، وبناء الشخصية المتوازنة.

العمل على تعبئة موارد دعم خارجية موجهة لتعزيز المنظومة التعليمية، من خلال تمويل وبناء مدارس وثانويات عصرية مجهزة بقاعات رياضية حديثة، ومكتبات متكاملة، ومساحات فنية، وإبداعية. ويهدف هذا التوجه إلى توفير بيئة تعليمية شاملة ومتوازنة تنمي قدرات التلاميذ، وتُصقل مواهبهم في مختلف المجالات الأكاديمية والثقافية والفنية والرياضية، بما يساهم في إعداد جيل واثق، مبدع، وقادر على المساهمة في بناء مستقبل الوطن.

17. إعادة هيكلة المنظومة الأمنية وبناء إطار مركزي موحد للقرار الاستخباراتي
يعود جزء كبير من الاختلال الأمني البنيوي إلى تعدد الأجهزة الناتج عن ازدواجية البنية بين مؤسسات الدولة من جهة وهياكل الحركة الثورية من جهة أخرى؛ فالأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، مثل الشرطة وجهاز الاستعلامات المدني، تعمل ضمن منطق إداري و مؤسساتي، بينما تتولى كاتبة الدولة للتوثيق وحماية المؤسسات الوطنية، باعتبارها الجهاز الاستخباراتي السيادي التابع لرئاسة الجمهورية، الإشراف على المديرية العامة للأمن العسكري، ومديرية الأمن الداخلي، ومديرية الأمن الخارجي والاستعلامات، ومديرية حماية المؤسسات. وقد أدى هذا التوزع الثنائي، وما نتج عنه من تداخل في الصلاحيات وتواز في العمل دون تكامل، إلى خلق حالة من التشظي الوظيفي أثرت سلبا على المهنية والجاهزية وعرقلت بناء منظومة أمنية متماسكة وفعالة قادرة على الاستجابة لمقتضيات المرحلة.
ولتجاوز هذا الوضع، يقترح إنشاء “الهيئة الوطنية للأمن والاستعلام” بوصفها إطارا تنسيقيا أعلى يخضع للإشراف الرئاسي، دون أن يتحول إلى جهاز موازٍ أو يمسّ باستقلالية أو خصوصية أي مؤسسة قائمة. وتقوم هذه الهيئة بدور الفضاء المشترك الذي يجمع أجهزة الرئاسة والداخلية والدفاع داخل منصة واحدة لتحليل المعلومات وتوحيد القرار الأمني. وفي هذا السياق، تبقى كاتبة الدولة للتوثيق وحماية المؤسسات في مجالها التحرري والسيادي والعملياتي المرتبط بجمع المعلومات ومتابعة الملفات الحساسة، كما تواصل وزارتا الداخلية والدفاع في مجالهما المدني والعسكري، بينما تضطلع الهيئة بمهام التنسيق وبناء الرؤية الاستراتيجية الشاملة.
ولا تتعارض مهام الهيئة مع وظائف كاتبة الدولة، إذ يظل جهاز كاتبة الدولة الذراع الاستخباراتي العملياتي للرئاسة والمسؤول عن جمع المعلومات عبر مديرياته المتخصصة؛ في حين تعمل الهيئة كجهة تحليلية وتنسيقية عليا تتلقى المعلومات من مختلف الأجهزة، وتدمجها وتعيد تركيبها داخل صورة أمنية وطنية موحدة، ثم ترفع التقدير الاستراتيجي النهائي إلى رئاسة الجمهورية. وتضمن هذه الصيغة انسجامًا كاملا بين الذراع العملياتية للرئاسة ومنصة القرار الأمني العليا، دون ازدواج أو تضارب في الاختصاصات.
وتتكفل الهيئة بإنشاء بنك معلومات وطني موحد تغذيه جميع الأجهزة دون استثناء، بما يضع حدا للتشتت المعلوماتي ويعزز القدرة على الاستباق. كما تتحول الاجتماعات الأسبوعية للخلية الأمنية إلى مجلس أمن وطني مؤسسي يصدر عنه قرار موحد مبني على تحليل جماعي بدل تقارير متوازية أو متناقضة. وتعمل الهيئة كذلك على تنظيم تدفق المعلومات بين الأمن العسكري، والأمن الداخلي والخارجي، والاستعلام المدني، والشرطة، والدرك، والتدخل السريع، وفق بروتوكولات واضحة تنهي التداخل الوظيفي وتحدد بدقة حدود صلاحيات كل جهاز.
وستمكن هذه المنظومة الموحدة من صياغة تقديرات استراتيجية طويلة المدى تشمل الأمن الميداني، والحرب السيبرانية، وحماية المؤسسات، والتصدي لمحاولات الاختراق والجريمة المنظمة، مع رفع مستوى الجاهزية والاحترافية داخل بنية الدولة والحركة. ولا يمثل تأسيس الهيئة إضافة بيروقراطية جديدة، بل هو إصلاح بنيوي يعالج ازدواجية المنظومة الأمنية ويحوّل العمل من التشظي والتوازي إلى التكامل والانسجام.
وباعتماد هذا النهج، تنتقل المنظومة الأمنية الوطنية إلى مستوى أعلى من الفعالية والمهنية، دون المساس بالطابع السيادي لأجهزة الرئاسة أو الميداني لوزارة الدفاع أو الإداري لوزارة الداخلية، بل عبر جمعها داخل رؤية وطنية موحدة تحمي الجبهة الداخلية وتستجيب لمقتضيات الحرب الراهنة وتعقيداتها الأمنية والسياسية.
وفي هذا الإطار، يقتضي الظرف الراهن الارتقاء بجهاز الاستخبارات ليكون جهازا احترافيا عالي الجاهزية، قادرا على العمل الاستباقي، وبناء المعرفة الأمنية، وفهم بنية الخصم العسكرية والسياسية والإدارية. فالتفوق في الحروب الحديثة لم يعد رهين القوة النارية وحدها، بل أصبح مرهونا أساسا بامتلاك المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب، وبالقدرة على تحليلها وتحويلها إلى قرار استراتيجي فعال.

ويفترض هذا الارتقاء تطوير قدرات الجهاز في مجال جمع المعلومات، وتحليل بيئات الخصم، ورصد تحركاته العسكرية والأمنية، وفهم آليات اشتغاله السياسية والإدارية، بما يسمح بتوقع سلوكه، وإحباط تهديداته، وحماية الجبهة الداخلية واختراق هياكله وتنظيماته الإدارية والأمنية والعسكرية.... فالحروب لا تحسم فقط في ساحات القتال، بل تحسم قبل ذلك في ميدان المعرفة، حيث تنتصر الجهة التي تمتلك المعلومة الأعمق، والرؤية الأوضح، والقدرة الأعلى على تحويل الاستخبار إلى تفوق استراتيجي.

وعليه، فإن بناء جهاز استخباراتي قوي، مهني، ومنضبط، يعد شرطا أساسيا لحماية الأمن الوطني، ودعم القرار السياسي والعسكري، وضمان النجاح في معركة طويلة الأمد تتطلب الصبر، والحكمة، والتخطيط بقدر ما تتطلب الشجاعة والتضحية.

18. الجانب العسكري: تحديث العقيدة القتالية وبناء الجاهزية الشاملة  
مع الوضعية الميدانية الراهنة واستمرار الاحتلال، بات واضحا أن الحرب قد بدأت تصعيد فعلي غير معلن، مما يجعل تطوير القدرات الدفاعية والهجومية ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل. ولأن التهديدات الجديدة وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة المغربية، تفرض واقعا عسكريا مختلفا، أصبح لزاما على الجيش الصحراوي امتلاك منظومات دفاع جوي فعالة، مع تحديث شامل في عقيد بنية التكوين والتسليح. وفي هذا الإطار، تطرح المقترحات التالية:

إقرار إلزامية الخدمة العسكرية باعتبارها واجبا وطنيا وأداة مركزية لبناء الاحتياط الاستراتيجي وشرطا أساسيا للولوج إلى الوظائف العامة وتحمّل أي مهمة حكومية، بما يعزز الانتماء والانضباط ويضمن قاعدة بشرية مدربة وجاهزة للدفاع عن الوطن.

صرف رواتب شهرية منتظمة للمقاتلين، وضمان استقرارهم الاجتماعي، مع زيادة الأجور وفق سلم عادل ومحفز، بهدف رد الاعتبار للمؤسسة العسكرية، وتثمين التضحيات التي يقدمها المقاتلون، وتحفيز الشباب على الالتحاق بالصفوف.

تطوير المنظومة العسكرية معرفيا وثقافيا عبر برامج تكوين مستمرة، تدمج العلوم العسكرية الحديثة، العقيد القتالية والبحث العلمي، والتكنولوجيا الدفاعية، بما يتماشى مع تطور الجيوش الكلاسيكية وتحديات الحرب الهجينة والرقمية.

عصرنة مهام المحافظة وتوسيع صلاحياتها لتشمل التوثيق البصري والسمعي للعمليات القتالية وتسجيل المعارك، والتعامل مع الإعلام الحربي الحديث، إلى جانب دورها القتالي، من أجل إنتاج مادة أرشيفية موثوقة تخدم الذاكرة العسكرية والرواية الوطنية ميدانيا وإعلاميا.

تعزيز الجاهزية القتالية للجيش على المستويات المعنوية، والبدنية، والفكرية، والتكنولوجية، عبر اعتماد تدريبات متقدمة، وبرامج لياقة بدنية مستمرة، وآليات تأهيل نفسي ومعنوي تتلاءم مع متطلبات الحرب الحديثة وطبيعتها المركبة.

كما ينبغي الاستثمار في تكوين العناصر العسكرية في مجالات التكنولوجيا الحربية الحديثة، بما يشمل تشغيل الرادارات، وتقنيات التشويش الإلكتروني، وأنظمة الرصد والاستطلاع، إضافة إلى تعزيز القدرات في مجال الحرب السيبرانية كجبهة قتالية قائمة بذاتها، لمواجهة الهجمات الرقمية واختراق أنظمة العدو، وحماية البنية المعلوماتية للجيش. ويشمل ذلك التدريب على أدوات الهجوم والدفاع الإلكتروني، وأساليب تأمين الاتصالات العسكرية وكشف محاولات التجسس الرقمي.
وفي الجانب الميداني، يجب تعزيز التكوين في الأساليب القتالية التقليدية المتجددة، مثل حفر الخنادق والأنفاق في الأراضي المحررة، وتطوير قدرات التمويه الدفاعي والملاجئ الميدانية. كما يشمل ذلك تزويد الوحدات العسكرية بالآليات الهندسية المتقدمة، كالجرافات والمعدات المخصصة لكشف وتفكيك الألغام والعبوات الناسفة والمواد المتفجرة، وغيرها من الوسائل التي تضمن حماية القوات وتأمين تحركها في مختلف الجبهات. 

19. استحداث وحدة متخصصة للحرب السيبرانية والدفاع الجوي ضد الطائرات المسيرة
يقترح استحداث وحدة او ناحية متخصصة في الحرب السيبرانية والإلكترونية، تُعنى حصريًا بمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة (الدرونز) ووسائط الاستطلاع الجوي، على أن تكون وحدة مستقلة ذات طابع تقني عملياتي عالي، أو فرعا متخصصا ضمن أحد فروع الجيش الصحراوي، وفق ما تقتضيه العقيدة العسكرية والبنية التنظيمية والقدرات المتاحة.
وتتولى هذه الناحية مهام الرصد، والتشويش، والتعطيل، والاختراق الإلكتروني لأنظمة الطائرات المسيرة، إضافة إلى تشغيل منظومات دفاع جوي خفيفة ومتنقلة منخفضة التكلفة ومتنقلة، قادرة على الانتشار السريع والتكيف مع طبيعة الحرب المتحركة. ويهدف هذا التوجه إلى تقليص الفجوة التكنولوجية، وفرض معادلة ردع فعّالة أمام التفوق الجوي التقني للعدو، خاصة في ظل تصاعد الاعتماد على الدرونز في الاستطلاع والاستهداف.
كما تشمل مهام هذه الوحدة تطوير قدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية، من خلال تشغيل أنظمة التشويش على الاتصالات، واعتراض الإشارات، وتعطيل أنظمة التوجيه والملاحة، إلى جانب بناء كفاءات بشرية مؤهلة في مجالات الهندسة الإلكترونية، والاتصالات، والبرمجة، والذكاء الاصطناعي ذو الاستخدام العسكري. ويستحسن أن تعتمد هذه الناحية على بنية تشغيلية متنقلة ومرنة، تسمح لها بالعمل الميداني المتقدم، وتفادي الاستهداف المباشر، مع ضمان التكامل عملياتي محكم مع باقي الوحدات القتالية والاستخباراتية.
ويمثل إنشاء هذه الناحية خطوة استراتيجية نحو تحديث العقيدة الدفاعية للجيش الصحراوي، والانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة التقنية والهندسة المضادة، بما يعزز حماية القوات، ويحد من فعالية التفوق الجوي المعادي، ويكرّس مبدأ التفوق التكنولوجي لا يقاس بالوسائل فقط، بل بالكفاءة والمعرفة والتنظيم الذكي

20. المقاومة السلمية في المناطق المحتلة وما قبل وبعد وادي درعة:  
تشكل المقاومة السلمية في المناطق المحتلة ركيزة أساسية من ركائز الكفاح الوطني، وقد حققت خلال السنوات الماضية نتائج مهمة لم تستثمر بالشكل الكافي، مما أثر على مردوديتها وأدى إلى تراجع نسبي في زخمها. ويستدعي هذا الوضع تعبئة كل الطاقات الوطنية للحفاظ على المكتسبات محليا ودوليا، وتعزيز روح الصمود المعهودة لدى المناضلات والمناضلين الصحراويين. كما يفرض القيام بمراجعة جادة لمسار المقاومة السلمية وسياسات الاحتلال في مواجهتها، بهدف بلورة إستراتيجية جديدة تحيي النضال السلمي، وتجعله رافدا أساسيا من روافد الكفاح الوطني الشامل من أجل الحرية والاستقلال.

ورغم محاولات الاحتلال المغربي المتكررة لإضعاف المقاومة السلمية وتشتيتها وإفراغها من محتواها النضالي، إلا أنه فشل في ذلك بفضل إصرار الجماهير الصحراوية ووحدتها وتصميمها على استمرار النضال حتى تحقيق النصر. ومن هذا المنطلق، يقترح التركيز على جملة من التدابير الداعمة للمقاومة السلمية:

على المستوى السياسي
يقتضي الظرف الراهن التأكيد المتجدد على وحدة الشعب الصحراوي واستمراره في الكفاح من أجل حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال، مهما بلغت التضحيات. كما يستوجب فضح الحصار العسكري والإعلامي المفروض على المدن المحتلة، عبر التذكير المنهجي والمستمر بمنع سلطات الاحتلال لوفود حقوقية ونقابية وبرلمانية وصحفية دولية من دخول المنطقة، في انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي وحرية التقصي والمراقبة. وفي هذا السياق، تبرز ضرورة ابتكار آليات سياسية ودبلوماسية جديدة لإعادة إحياء اهتمام المنتظم الدولي بقضية الصحراء الغربية، وممارسة ضغط فعّال على دولة الاحتلال للقبول بحل سلمي عادل ودائم يكفل حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. كما يتعين مخاطبة المنظمات الدولية والبرلمانية، وحثها على الاضطلاع بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية من خلال فتح تحقيقات مستقلة وجدية في الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها دولة الاحتلال بحق المدنيين الصحراويين. وإدراج ملف المعتقلين السياسيين الصحراويين ضمن أجندة أي مفاوضات قادمة، باعتباره ملفًا إنسانيًا وحقوقيًا غير قابل للمساومة، بهدف ضمان الإفراج عنهم دون قيد أو شرط.

على المستوى الإعلامي
يقتضي الظرف الراهن مواكبة الإعلام الوطني للمقاومة السلمية بشكل مهني ومنتظم، وتعزيز حضورها في الفضاء العام عبر إبراز المناضلين والمناضلات في الصفوف الأمامية، وتسليط الضوء على أدوارهم وتضحياتهم بوصفهم الفاعل المركزي في هذه المرحلة السياسية والنضالية. كما يستوجب تشجيع المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي محورا مركزيا على اعتماد المقاومة السلمية عنوانا رئيسيا للتغطية الإعلامية، باعتبارها التعبير الأبرز عن إرادة الشعب الصحراوي في مواجهة الاحتلال بوسائل مشروعة وسلمية. وفي السياق ذاته، تبرز أهمية التغطية الميدانية المتواصلة للأحداث الجارية في المدن المحتلة، والأراضي السليبة، والمواقع الجامعية، بما يفضح حجم القمع والانتهاكات، ويُبرز في المقابل ملاحم الصمود الشعبي، ويسهم في نقل الحقيقة إلى الرأي العام الوطني والدولي.

على المستوى الحقوقي
يفرض السياق الراهن تعزيز التنسيق المنهجي والمستدام بين المنظمات الحقوقية العاملة في المدن المحتلة، ونظيراتها الدولية، والجمعيات الصحراوية في مخيمات اللاجئين والمهجر، بما يتيح إصدار بيانات مشتركة وتقارير متطابقة تعكس وحدة الرواية الحقوقية وتُحصّن مصداقيتها أمام الهيئات الدولية. كما تبرز أهمية المشاركة الفاعلة في الجولات الدولية التحسيسية للتعريف بالانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين الصحراويين، ونقل معاناتهم إلى الرأي العام العالمي. وفي هذا الإطار، يتعين تشجيع الضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان على تفعيل آليات التقاضي الدولي، وتقديم شكاوى قضائية ضد المسؤولين المغاربة المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا سيما أمام القضاء الإسباني والدول التي تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية. ويواكب ذلك توثيق دقيق وشامل لمجازر أم أدريكة، والمقابر الجماعية، وسائر الجرائم المرتكبة في حق مدنيين صحراويين عزل، والعمل على رفع ملفات قانونية متكاملة إلى المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الدولية المختصة، باعتبار هذه الانتهاكات جرائم جسيمة لا تسقط بالتقادم وفق أحكام القانون الدولي الإنساني. كما يظل طرح ملف حقوق الإنسان بقوة داخل مجلس حقوق الإنسان، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والبرلمانات الدولية، والمنتديات والندوات العالمية، رافعة مركزية لفضح ممارسات الاحتلال المغربي، ومساءلته قانونيًا وأخلاقيًا، وتعزيز مسار نضال الشعب الصحراوي من أجل الحرية وتقرير المصير.

على المستوى الإنساني
تقتضي المرحلة الراهنة تكثيف الجهود الرامية إلى تعبئة المنظمات الإنسانية الدولية والجمعيات المتضامنة من أجل دعم المدنيين الصحراويين، ولا سيما ضحايا الانتهاكات الجسيمة وعائلات المعتقلين السياسيين، بما يضمن توفير المساندة النفسية والاجتماعية والحقوقية اللازمة لهم. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تشكيل لجان تضامن إنساني في مختلف الدول، تُعنى بمناصرة المقاومة السلمية والدفاع عن الحق في الحرية، والعمل المنظم من أجل المطالبة بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين الصحراويين دون قيد أو شرط. كما يستوجب تعزيز التضامن الإنساني داخل المجتمع الصحراوي نفسه، عبر مرافقة الضحايا وعائلات الأسرى والمعتقلين، وتخفيف معاناتهم اليومية، وترسيخ قيم التكافل والصمود الجماعي، بما يحول البعد الإنساني من مجرد فعل تضامني ظرفي إلى مكون بنيوي أخلاقي ومجتمعي داعم لمسار النضال الوطني.

الحماية الدولية للمدنيين في حال تصعيد الحرب
وفي حال تصعيد الحرب وعودة المواجهات المفتوحة، يصبح من الضروري توجيه نداء عاجل إلى منظمات الإغاثة الدولية، والهيئات الإنسانية الأممية، من أجل حماية المدنيين الصحراويين وتوفير آليات فعّالة للوقاية والاستجابة الإنسانية. ويأتي هذا التحرك لمنع تكرار المآسي التي ارتكبها الجيش المغربي في الماضي، بما فيها الجرائم فحق مدنيين صحراويين عزل زج بهم في غياهب السجون في مكونة وأكدز وجميع مراكز الاختفاء القسري، إضافة إلى القصف بالنابالم والفسفور الأبيض المحرَّمين دوليًا، والمقابر الجماعية التي خلّفت آثارًا لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية للشعب الصحراوي. إن اتخاذ إجراءات استباقية والتواصل مع المنظمات الدولية منذ اللحظة الأولى يشكل آلية ردع إنسانية وقانونية تحول دون إعادة إنتاج تلك الفظائع ضد المدنيين العزل. 

21.   معضلة الديمقراطية والوحدة الوطنية في سياق التحرير: ديمقراطية الإثنيات، أزمة الأطر القيادية، واستحقاق السيادة
الديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي أو قالب جامد تحكمه آليات ثابتة لا تعرف التطور، بل هي مسار ديناميكي متجدد، يقوم على الصيانة المستمرة والتطوير الدائم، بما يضمن تحقيق نتائج عادلة وفعالة، وامتلاك قوة ديمقراطية محصنة قادرة على مواجهة التحديات وحماية نفسها، ليس فقط من أعدائها، بل أيضًا من تناقضاتها الداخلية، سواء جاءت هذه التهديدات من الداخل أو الخارج.
وفي زمن الديمقراطيات غير المحصنة، يصبح التمسك بالمثالية الديمقراطية الخالصة تحديا بالغ الكلفة، ليس على مستوى الدول فحسب، بل على مستوى الجمعي الذي يحدد مصائر الأمم والشعوب. فقبل السعي إلى تحقيق «ديمقراطية صرفه»، ينبغي توجيه الجهد نحو تهيئة المجتمعات وبنائها على أسس تجعلها محصنة ديمقراطيا، عبر تأهيلها وتعزيز وعيها، وتسليحها بالمعرفة والأخلاق والعدالة، وتفعيل المؤسسات والقوانين، لتكون الحارس الفعلي للديمقراطية، بما يضمن حمايتها ليس فقط من خصومها الخارجيين، بل أيضًا من اختلالاتها وتناقضاتها الذاتية.
وانطلاقا من هذا الفهم للديمقراطية بوصفها مسارا حيا يتطلب وعيا، ومؤسسات، وقدرة على التكيف والتصحيح الذاتي، يصبح من الضروري الانتقال إلى مساءلة توجه الحركة نفسها، باعتبارها الفاعل المركزي في ترجمة هذه القيم إلى ممارسة سياسية وتنظيمية داخل المجتمع.
تواجه حركة التحرير الوطنية معضلة ديمقراطية مركبة ناتجة تعددية البنية الاجتماعية الإثنية، حيث أدى سوء إدارة هذا التعدد، في بعض المحطات، إلى انزلاق غير مقصود نحو منطق "ديمقراطية الإثنيات" بدل ديمقراطية الشعب. رغم أن الثورة الصحراوية، منذ تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب والوحدة الوطنية12 أكتوبر، شكلت قطيعة تاريخية مع القبائلية والجهوية وغيرها الارتدادات، وأرست مبدأ وحدة الشعب والهوية الوطنية فوق كل الانتماءات للهويات الفرعية. وقد توج هذا النهج بإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، التي نص دستورها على أن الصحراوي أينما تواجد مؤطر فالجمهورية وأن السيادة العليا للشعب وحده، وأن الشرعية السياسية لا تستمد من الانتماء الإثني أو القبلي، بل من الالتزام بالمشروع الوطني والنضال من اجله.
غير أن العودة غير المنضبطة إلى منطق التوازنات الإثنية، تحت غطاء التمثيل أو ما يسمى بعدالة المحاصصة، نتيجة سوء تدبير تطبيق ديمقراطية غير محصنة وعدم تكييفها مع خصوصية المجتمع ودرجة وعيه واستعداده لدمقرطة بدون تردج او جرعات، وما رافق ذلك من توزيع غير متوازن للمحصصات، أفرزت اختلالات بنيوية أضعفت معيار الكفاءة، وأسهمت في إنتاج أطر قيادية هشة وغير مؤهلة لمواكبة تعقيدات المرحلة، وهو ما انعكس سلبا على الأداء السياسي، والمؤسسي للحركة، والدولة، والكفاح.
ويعكس المبدأ القانوني ايضا، الذي كرسته محكمة العدل الدولية في آرائها الاستشارية المتعلقة بالقضية، حيث أكدت بوضوح أن صاحب الحق الأصيل في تقرير المصير والسيادة هو الشعب الصحراوي وحده، وذلك انسجاما مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات جمعيتها العامة، ولا سيما القرار 1514 المتعلق بتصفية الاستعمار. ويترتب على هذا المبدأ أن أي تصور للديمقراطية أو للشرعية السياسية خارج إطار سيادة الشعب يشكل انحرافا عن المرجعية القانونية الدولية، ويقوض الأساس التحرري للعملية السياسية برمتها. ومن ثم، تكتسب مسؤولية الدولة والحركة أهمية مضاعفة في صون هذا المكسب القانوني، باعتباره صخرة قانونية تحطمت عليها محاولات المغرب وحلفائه لتقويض حق الشعب الصحراوي في السيادة، خاصة في ظل استمرار دينامية التحرير وعدم اكتمال مسار تصفية الاستعمار.  إلا أن التحدي المستمر يكمن في ضمان أن تبقى الأطر السياسية والتنظيمية قادرة على العمل ضمن هذا الإطار الديمقراطي، وأن تمثل مصالح وتطلعات الشعب بأكمله وليس مجموعات محددة، وهو ما يتطلب مراقبة مستمرة وابتكار آليات لضمان تكامل القيادة الوطنية القادرة والمنتجة مع المشاركة الشعبية الفاعلة.
وعلى الرغم من أن الثورة الصحراوية قد قطعت كل اشكال القبلية والجهوية ونظام دولة الوبر القديمة والانتقال بالمجتمع الى دولة حضر ثورية كتجربة فريدة من نوعها تستحق ان تدرس في علم الاجتماع والعمران البشري والتماسك الاجتماعي، لكن الإشكالية بعد القطيعة ظهرت مجددا في سياق تحديد هوية الصحراويين لإجراء الاستفتاء، حيث أعاد هذا الإجراء إحياء الانتماءات القبلية إلى الواجهة كأداة تعريف، وأصبحت معيارا لتحديد "من هو الصحراوي". وقد أدى ذلك إلى ارتباك عميق في معايير الانتماء الوطني، وصراع داخلي، يمكن وصفه "بشيزوفرانيا" الهوية والانتماء، مما يعكس تعارض ونقض ما تم الاتفاق عليه في12 أكتوبر ودستور الجمهورية الصحراوية، الذي ينص على أن الصحراوي أينما تواجد يجب أن يكون مؤطرًا بالجهورية والوحدة الوطنية. كما يوضح هذا أن الانتماء العرقي أو القبلي ليس معيارا حقيقيا للولاء الوطني، وأن تعريف الصحراوي يجب أن يرتكز على الولاء للوطن ومشروع التحرير والاستقلال.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري أن يحدد الصحراوي الحقيقي بناء على موقفه الوطني وولائه للوطن، فالهوية الوطنية أوسع وأشمل وأعمق من أي هوية أخرى، ويجب أن تكون المظلة التي تحتضن جميع الهويات الفرعية الأخرى. فالصحراوي الحقيقي هو من يدافع عن الوطن ومشروع التحرير والاستقلال، بغض النظر عن خلفيته الإثنية أو القبلية او الجهوية.... هذا التحديد يعزز من الوحدة الوطنية ويمنع أي استغلال للقبائلية أو الانتماءات الإثنية لتقسيم المجتمع أو التأثير على خياراته السياسية، كما يشكل أساسا متينا لضمان أن تظل الأطر السياسية والتنظيمية ملتزمة بمبادئ السيادة الشعبية والولاء للوطن، لا لأي مصالح ضيقة أو انتماءات فرعية.
ويترتب على ذلك أن تقديم الهويات الإثنية والهويات الفرعية الأخرى سواء ممكنة او متحولة على الهوية الوطنية وتحويل الأخيرة الى هوية ثانوية. هذا الواقع افضى الى تشظي وتصدع داخلي على مستوى الشعب وأثر سلبا على التماسك الاجتماعي أي الوحدة الوطنية، محولا المجتمع إلى كيان وفضاء مصومل أو ملبنن، تتصارع فيه الفصائل الاثنية على المصالح الضيقة، بدل أن تكون إطارا جامعا لإدارة الصراع مع الاحتلال.  وهذا المسار، إن لم يتم تداركه، فإنه يهدد بتحويل تجربتنا الديمقراطية من قيمة وطنية جامعة إلى أداة صراع داخلي، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه حركة تحرر وطني تريد حسم المعركة. 
وبالإضافة إلى ذلك، ترتب عن المعضلة الإثنية، أزمة في الأطر القيادية في مواقع صناعة القرار، حيث يجري في كثير من الأحيان انتقاء الكوادر على أساس الانتماءات الإثنية أو منطق المحاصصة والزبونية، ، أو عبر ما يمكن تسميته بـ«ديمقراطية القبيلة»، بدل الاعتماد على معايير الكفاءة والقدرة او التجربة وقد أسفر هذا المسار عن نقص حاد في الأطر المؤهلة والمقتدرة، ما أفضى إلى أزمة أطر حادة داخل  العقل القيادي أدت بدورها تآكل العقل الاستراتيجي للحركة، وأضعف القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية فعالة، وأثر سلبا على ديناميكية الحركة الوطنية وعلى استمرارية مشروع التحرير بصورة متوازنة وموحدها كما صاغه الشهيد الولي ورفاقه.
ولعل الإشكالية لا تقتصر على مسألة التوزيع العادل للمحاصصات بين الأقليات و الاغلبيات، بل تكمن المعضلة الأعمق في انتقال الصراع الكمي والعددي إلى داخل الإثنيات الكبرى والصغرى نفسها، بما أفرزه ذلك من تنافس سلبي داخلي حاد أفضى إلى إنتاج قيادات تفتقر إلى الرؤية والكفاءة. وهو مسار لا يهدد فقط تماسك البنية المجتمعية والسياسية، بل يضع مستقبل المشروع الوطني برمته موضع تساؤل، حتى في مرحلة ما بعد الاستقلال. ومن هذا المنطلق، فإننا لا نرغب في إعادة إنتاج أزمات على شاكلة الحالة اللبنانية، حيث قاد منطق المحاصصة، كما كرس في اتفاق الطائف، إلى شلل بنيوي مزمن، بدل أن يؤسس لبناء دولة مدنية حديثة فاعلة وقادرة على مواكبة العصر.
22. مأزق ديمقراطية الإثنيات وصراع النخب الداخلي: من معيار الكفاءة إلى منطق العدد
إلى جانب كل ما سبق، ظهرت إشكالية أخرى أكثر تعقيدا تتمثل في أن ديمقراطية الإثنيات نفسها أفرزت تصدعا داخليا داخل كل إثنية على حدة. فبدل أن تكون الديمقراطية وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية، أصبحت ساحة تنافس داخلي حاد، حيث يسعى الجميع إلى الحصول على "حصة الأسد" من المناصب والتمثيل، مما أدى إلى صراع بين مكونات كل إثنية حول من يحق له التمثيل في المواقع القيادية.
وتتجلى خطورة هذا المسار في تحول الديمقراطية من آلية لتنظيم الاختلاف والتعدد داخل وحدة وطنية جامعة، إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسامات، وخلق تنافس داخلي داخل كل إثنية على "حصة" من السلطة أو التمثيل او الريع الرمزي والتنظيمي، بدل التنافس على خدمة المشروع الوطني. وهو ما أفرز صراعات نخبوية داخل المكونات نفسها، وأدى في أحيان كثيرة إلى إقصاء النخب المثقفة الواعية لصالح أطر أقل كفاءة، فقط لأنها تحظى بدعم عددي أو تستفيد من توازن إثني ظرفي.
ومع مرور الوقت، تطور هذا الصراع بين النخب داخل المكونات الإثنية، حيث لم يعد التنافس يدور حول الرؤى أو البرامج، بل تحول إلى سباق اثني محموم لبناء تحالفات إثنية تضمن أغلبية الانتخابية في إتجاه، وبالتالي تأمين المصالح داخل مؤسسات الحركة ومراكز القرار والمناصب. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد الصراع ليطال معيار الكفاءة نفسه، إذ تصبح الأغلبية ذات المستوى المعرفي المحدود مدفوعة إلى إقصاء النخب المثقفة والواعية من مواقع صنع القرار، تفاديا لكشف الفوارق في المستوى أمام القواعد أو داخل الهياكل القيادية.
يشكل هذا الوضع خطرا بنيويا وتنظيميا، لأنه يفتح المجال أمام نخب ضعيفة على المستويين المعرفي والتنظيمي لتولي مسؤوليات مصيرية، في الوقت الذي يتم فيه تهميش وإبعاد النخب العضوية التي تمتلك الوعي السياسي، والقدرة على التخطيط والتحليل والتنفيذ، وصياغة رؤية مستقبلية واستشرافية متماسكة. وقد أفضى هذا المسار إلى نتائج كارثية على مستوى الأداء السياسي والمؤسسي والقيادي، ذلك أن إدارة الفوارق المعرفية والفكرية ان تختزل في منطق ديمقراطي عددي صرف، ولا أن تترك لمنطق الأغلبية العددية أو التفوق الكمي وحده، بل تتطلب رؤية وطنية تتجاوز الحسابات الإثنية الضيقة، وتؤسس لمنطق الكفاءة والمسؤولية، وهو ما غاب عن العديد من المحطات الحاسمة.
23. استحقاق الاستفتاء وضبط الهوية الوطنية: بين الانتماء القبلي والولاء للمشروع التحرري
تزداد إشكالية الهوية تعقيدا في سياق التحضير لاستحقاق الاستفتاء، حيث جرى إحياء الانتماءات القبلية كمعيار لتحديد من هو الصحراوي، في تناقض واضح مع فلسفة الثورة وروح الدولة الصحراوية. وقد أفضى هذا المسار إلى ارتباك عميق في مفهوم الانتماء الوطني، وإلى ما يمكن وصفه انشطار أو تشظي في الهوية الوطنية الجامعة لمختلف الهويات، إذ طغت الانتماءات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة، في ظل غياب خطاب سياسي وإعلامي واع ومؤطر ومتزن وقادر على احتضان جميع الهويات والاجيال.
وفي الوقت نفسه، يتعاظم القلق إزاء مسألة تحديد هوية الصحراويين في سياق الاستفتاء، إذ يفترض أن تكون عملية الانتقاء دقيقة وحاسمة، وموجهة لخدمة المصلحة العليا للشعب في الاستقلال. غير أن هذا الانشغال، إذا لم يؤخذ بعين الاعتبار ضمن رؤية سياسية واضحة وخطاب مؤطر وموجه للأجيال، مدعوما باستراتيجية إحصائية رياضية دقيقة قادرة على ترجيح ميزان الأصوات لصالح المشروع الوطني. خاصة وان الاحتلال يسعى، في ظل رحيل جيل الرواد من الثورة، الى اتباع سياسة مزدوجة تقوم على "مغربة الصحراويين" و "صحروة المغاربة"، في محاولة ممنهجة لإستلاب الهوية الصحراوية واختراق مسار تحديد الهوية، بما يفرغ الاستفتاء من مضمونه التحرري ويتيح حسم نتائجه لصالحه مع مرور الزمن.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تحصين مفهوم الهوية الوطنية، وضبط معايير الانتماء على أساس الولاء للمشروع الوطني بخطاب سياسي تأطيري للأجيال، لا وفق الانحدار الاثني أو الجهوي...، مع إحكام آليات الانتقاء بما يضمن أن تكون نتيجة الاستفتاء، إن تم اعتماده كحل سلمي، مفضية حتما إلى الاستقلال. وفي المقابل، ينبغي أن تظل خيارات المقاومة الوطنية مفتوحة، على غرار تجارب حركات التحرر في العالم، خاصة في حال استمرار المغرب في عرقلة الحلول السلمية.
24. أزمة الأطر القيادية وتدوير المسؤوليات: الكفاءة بدل المحاصصة
تعد أزمة الأطر القيادية من أخطر الإشكالات البنيوية والتنظيمية التي تواجه المشروع الوطني اليوم. فقد أدى منطق المحاصصة بمختلف تجلياته وصيغه، إلى إضعاف معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات، وإلى تدوير الأطر في مواقع لا تتناسب مع مؤهلاتها وخبراتها، مما أثر سلبا على جودة القرار وفعالية الأداء المؤسسي، لأن الخلط بين الأدوار أفضى إلى ذلك أن الخلط بين الأدوار أفضى إلى نتائج كارثية تمثلت في تراجع الجودة، واختلال الأداء، وشغور الفعالية في مواقع حساسة.
إن وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب ليس ترفا تنظيميا، بل شرطا أساسيا لبقاء المشروع الوطني واستمرارية الحركة في بعدها الكفاحي من اجل الحرية والاستقلال. فالدبلوماسي يفترض أن يمتلك ثقافة سياسية وقدرة تفاوضية وفهما عميقا للسياقات الدولية، كما ينبغي توظيف العسكري في الميدان الذي يخدم فيه بكفاءة، والمهندس في مجاله التقني، والإعلامي في فضاء التأثير وصناعة الرأي العام.، ذلك أن الخلط بين الأدوار لا يؤدي إلا إلى إضعاف الدولة وتشويه صورة الحركة سواء أمام شعبها وعلى مستوى الدولي. وفي مثال دال على خطورة هذا الخلل، فإن تعيين شخص يفتقر إلى الكفاءة الدبلوماسية في موقع تمثيلي حساس، كأن يوكل منصب سفير لمن لا يمتلك الحد الأدنى من التأهيل السياسي والبروتوكولي، أو إسناد العمل الإعلامي لمن يجهل أدواته ووظيفته، يشكل اختلالا إداريا جسيما يمس مصداقية الدولة وفعاليتها. فالدبلوماسي، في نهاية المطاف، هو مرآة الدولة وصورتها أمام العالم، وأي خلل في هذا الموقع ينعكس مباشرة على حضورها ووزنها ومكانتها.
 وعليه، تبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل منظومة حديثة وفعالة للموارد البشرية داخل الحركة والدولة، تقوم على معايير واضحة للكفاءة، والاختصاص، والموهبة والخبرة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتضع حدا لمنطق التعيين على أساس الولاءات الضيقة فالمعركة التي نخوضها اليوم ليست معركة شرعية فقط، بل هي في جوهرها معركة كفاءة وقدرة على الانجاز، ولا يمكن كسبها بأدوات غير مؤهلة أو آليات تقليدية تجازها الزمن. 

إن معالجة أزمة الأطر لا تعني إقصاء أحد أو استبدال نخبة بأخرى، بقدر ما تعني تحرير الكفاءات من التهميش، وفتح المجال أمام النخب المثقفة والواعية لتحمل مسؤولياتها الوطنية يمهد لتواصل أجيال سلسل، بما يعيد الحيوية إلى مؤسسات الحركة، ويعزز ثقة المجتمع في عدالة الدولة، ويقوي الجبهة الداخلية في مواجهة الاحتلال.


25. تأثير الاختلالات البنيوية على العدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية
لقد أفضت الاختلالات البنيوية المتراكمة، الناتجة عن منطق المحاصصة الإثنية، وصراع النخب داخل المكونات الإثنية، وتدوير الأطر في غير مواقعها الطبيعية، وغياب معيار الكفاءة في مواقع صنع القرار، والتلاعب بمعايير الهوية الوطنية، انعكس بصورة مباشرة وخطيرة على مفهوم العدالة الاجتماعية وجرى تفريغها من محتواها، وتحويلها من قيمة وطنية جامعة إلى ممارسة انتقائية تعيد إنتاج الفوارق، وتضعف الانتماء.
فالعدالة الاجتماعية ليست مجرد مطلب أخلاقي أو شعار سياسي فضفاض، إذ لا تقوم فقط على توزيع الموارد أو إتاحة الفرص، بل تمثل القاعدة المادية والرمزية لوحدة الشعب وتماسكه واحد شروط بناء الثقة الجماعية لترسيخ الشعور بالإنصاف والانتماء، بما يغذي الاستعداد الطوعي الواعي للتضحة من أجل المشروع الوطني في سياق معركة تحرير طويله الأمد وما وبعد التحرير، وترتكز العدالة الاجتماعية في جوهرها على تكافؤ الفرص الحقيقية، وعلى أن يشغل كل فرد الموقع الذي يستحقه بناء على كفاءته ومؤهلاته، لا على انتمائه الإثني أو قربه من دوائر النفوذ. 
وعندما تتحول الإثنية إلى معيار للترقية أو التمثيل على حساب الكفاءة، وحين تنخرط النخب داخل كل مكون إثني في صراع حول الحصص بدل التنافس على خدمة الوطن، وحين يتم إقصاء النخب المثقفة العضوية لصالح اغلبيات عددية أقل وعيا ومعرفة، ويتم في المقابل إسناد مواقع حيوية إلى غير المؤهلين، فإن مفهوم العدالة الاجتماعية يبدأ في التآكل التدريجي، ليس فقط كممارسة، بل كقيمة ومعيار ناظم للعلاقة بين الفرد والتنظيم والدولة، وهو ما ينعكس سلبا على المشروع الوطني برمته.
ويؤدي هذا الانهيار إلى تآكل الثقة بين المواطنين والتنظيم بمؤسساته، وشعور الفئات المتضررة بأن النظام لم يعد منصفا او عادلا، بما يفضي إلى اتساع الهوة بين الأجيال، وتفاقم الصراع الطبقي ومظاهر الاقصاء والتهميش، وتعاظم مشاعر الغبن والإحباط والاحتقان الاجتماعي. ومع هذا المسار، تتحول العدالة من قيمة وطنية جامعة إلى "غنيمة سياسية ريعية" تحددها الولاءات القبلية والانتماءات الضيقة.  وبذلك تصبح العدالة الاجتماعية التي تعد ركيزة الاستقرار والوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي ضحية مباشرة لصراع الهويات المحصصات، فيتراجع الانسجام المجتمعي وتضعف الجبهة الداخلية وتهدد المشروع الوطني في التحرير والبناء في لحظة تاريخية تتطلب أعلى درجات الوحدة والانضباط الوطني.
إن أي مشروع وطني تحرري لا يضع العدالة الاجتماعية في صلب بنيته التنظيمية والمؤسسية، ولا يجعل الكفاءة معيارا وحيدا لتولي المسؤوليات، محكوم عليه بتآكل شرعيته الداخلية، مهما امتلك من عدالة تاريخية أو قانونية. وعليه، فإن إعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية تشكل شرطا وجوديا لاستعادة الثقة، وترميم الجبهة الداخلية، وتحويل الوحدة الوطنية من شعار سياسي إلى واقع اجتماعي ملموس.

26. نحو ديمقراطية وطنية جامعة: الرؤية الإصلاحية الموحدة
إن تجاوز هذه المعضلات البنيوية يقتضي إعادة تعريف الديمقراطية في السياق الصحراوي باعتبارها ديمقراطية وطنية جامعة، تدار داخل إطار الهوية الوطنية. وتبني رؤية إصلاحية شاملة تعيد الاعتبار للهوية الوطنية باعتبارها المرجعية العليا، وتضع حدا لهيمنة الهويات الفرعية على منطق الدولة، وذلك من خلال إعادة بناء التنظيم السياسي للحركة كمرجعية وطنية جامعة، وربط المؤسسات الإدارية بالدور الوطني للحركة، ما يعيد الانسجام بين القرار الوطني والقرار التنفيذي. 
كما يقتضي الأمر تحصين التنظيم السياسي باعتباره الضامن لوحدة الشعب وتطلعاته، وتفعيل آليات رقابة داخلية فعالة تحمي الديمقراطية من انزلاقها على نفسها، وتصون العدالة الاجتماعية، وتمنع تحول الممارسة الديمقراطية إلى أداة للاستغلال أو التفتيت أو إقصاء الكفاءات والنخب. فالديمقراطية، في سياق التحرر الوطني، ليست غاية في ذاتها ولا آلية محايدة، بل وسيلة لتحرير وعي الانسان الصحراوي وأرضه، وخدمة وحدة الشعب، وتعزيز قدرته الجماعية على الصمود والاستمرارية والانتصار. وكل ممارسة ديمقراطية لا تخدم هذا الهدف، ولا تسهم في تحقيق السلام الاجتماعي، أو تؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية، وتتحول الى ممارسة شكلية فاقدة للمعنى، بل عامل خطر على المشروع الوطني، مهما حسنت النوايا.
ويتطلب الإصلاح، في هذا الإطار، اعتماد منهج واضح يقوم على ترسيخ معيار الكفاءة بدل منطق الولاءات، ووضع حد لنظام المحاصصات الإثنية الذي عطل ديناميكية الحركة والقيادة وأضعف فعالية القرار، وذلك عبر تفعيل آلية او منظومة حديثة وشفافة للموارد البشرية تقوم على الانتقاء الموضوعي، وتضمن توظيف كل فرد في الموقع الذي يتناسب مع مؤهلاته وقدراته ومكانه الطبيعي، بما يعالج اختلالات شغور الكفاءات ويعيد للمؤسسات نجاعتها وفعاليتها الوظيفية.
 كما يستوجب المسار الإصلاحي تحصين الهوية الوطنية في سياق الاستفتاء، من خلال إرساء آليات دقيقة تضمن سلامة عملية تحديد الهوية، وتجعل مخرجاتها مفضية حتما إلى خيار الاستقلال، مع تعزيز الجبهة الداخلية عبر تجفيف منابع القبلية ذات الطابع الشوفني والاقصائي، دون المساس بالتنوع الاجتماعي الطبيعي بإعتباره ثراء لا تهديدا. ويقتضي ذلك، في الوقت نفسه، تمكين النخب المثقفة والواعية، واستعادة ثقة المجتمع في عدالة الدولة ومؤسساتها. ومن شأن هذا البناء الإصلاحي المتكامل أن يعيد توزيع موازين القوة داخل المجتمع على أساس الكفاءة والولاء الوطني، لا على أساس العصبيات الضيقة، بما يرسخ العدالة الاجتماعية، ويقوي الوحدة الوطنية، ويمكن الحركة والدولة من دخول مرحلة أكثر صلابة وجاهزية لمواصلة مشروع التحرير والبناء، داخليا وخارجيا.

27. المشروع الوطني عند مفترق الطرق: بين الجمود والإصلاح البنيوي
إن مجموع هذه الإشكالات البنيوية من اختلال الممارسة الديمقراطية في بيئة إثنية الطابع، وتعطل آليات إنتاج النخب المؤهلة، وتصدع الهوية الوطنية، والتلاعب بمعايير الانتماء، وتراجع العدالة الاجتماعية، واضمحلال الكفاءة داخل مؤسسات الدولة، يكشف بوضوح أن المشروع الوطني الصحراوي يقف عند مفترق طرق تاريخي يتطلب جرأة في التشخيص وجرأة أكبر في تبني إصلاحات عميقة وجذرية.
 فلا يمكن لحركة تحررية تسعى لانتزاع استقلالها أن تسمح للهويات الفرعية بأن تحدد مستقبلها ومآلاتها الاستراتيجية، ولا يمكن لدولة ناشئة أن تبنى على الولاءات والاعتبارات الضيقة، بل على قوة مؤسساتها ونزاهة نخبها ووحدة مجتمعها. إن صون الهوية الوطنية، وإعادة الاعتبار للكفاءة، وتمكين النخبة العضوية، وإعادة بناء التنظيم السياسي بوصفه العقل ناظم للمجتمع والدولة، ليست خيارات ثانوية، او إصلاحات تجميلية، بل شروط وجودية لضمان بقاء المشروع الوطني واستمراره وتحقيق أهدافه التحررية.
 ومن دون هذه القفزة الإصلاحية التي تعيد ترتيب العلاقة بين التنظيم والدولة، وتخضع الجميع لمنطق الكفاءة والولاء الوطني، ستظل البنية الداخلية هشة ومهددة بالتشظي، ما يمنح الاحتلال هامشا أكبر للمناورة. فالمسار الإصلاحي لم يعد خيارا سياسيا ظرفيا، بل استحقاقا تاريخيا حاسما للحفاظ على تماسك المشروع الوطني ومنع انزلاقه نحو الجمود الذي يوسع هامش الاختراق. رغم جسامة هذا التحدي يظل الشعب الصحراوي قادر كما كان دوما على تحويل الأزمات إلى فرص، وبناء نموذج وطني متماسك يعيد الاعتبار للسيادة الشعبية ويحرر القرار السياسي ويقود بثبات نحو استكمال مشروع التحرير والاستقلال.

28. خاتمة: الإصلاح كشرط وجودي لحسم معركة التحرير وبناء الدولة
إن مجموع المطارحات الواردة في هذه الوثيقة لا تنطلق من موقع النقد المجرد، ولا من نزعة التشكيك في شرعية النضال أو تضحيات الشعب الصحراوي، بل من حرص وطني مسؤول على صون المشروع التحرري من مخاطر الجمود، واستنزاف الزمن، وتآكل الفعالية في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد ومتسارع التحولات. لقد أثبتت التجربة، بما راكمته من إنجازات وما كشفته من اختلالات، أن عدالة القضية وحدها لم تعد كافية لحسم الصراع، وأن الشرعية التاريخية، مهما كانت راسخة، تحتاج إلى ترجمة مؤسسية، وتنظيمية، وسياسية، قادرة على تحويلها إلى قوة فعل وتأثير.
إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة بناء المشروع الوطني على أسس أكثر واقعية، وأكثر كفاءة، وأكثر انسجاما مع طبيعة الصراع المفتوح. وهو انتقال لا يمكن أن يتم دون مراجعة جريئة للبنى التنظيمية والمؤسسية، ودون إعادة تعريف العلاقة بين التنظيم السياسي والدولة، وبين الشرعية الثورية والحوكمة، وبين الديمقراطية والوحدة الوطنية، وبين الكفاءة والتمثيل، وبين الهوية الوطنية والهويات الفرعية.
كما تؤكد هذه الوثيقة أن معركة التحرير لم تعد عسكرية أو دبلوماسية فقط، بل أصبحت معركة شاملة متعددة الجبهات: معركة وعي، ومعركة خطاب، ومعركة مؤسسات، ومعركة قانون وحقوق إنسان، ومعركة إعلام وثقافة، ومعركة جيل جديد قارد على تحمل المسؤولية. وهي معركة لا يمكن كسبها دون تعبئة جميع الطاقات الصحراوية، داخل الوطن، وفي مخيمات اللجوء، وفي المهجر وفي المناطق المحتلة وشمالها ضمن رؤية وطنية موحدة تتكامل فيها الأدوار بدل أن تتنازع.
ولا تدعي هذه المطارحات تقديم وصفة جاهزة او بديلا جاهزا أو حلول نهائية، بل تطرح أفقا إصلاحيا ممكنا، يفتح نقاشا وطنيا صريحا حول مكامن القوة والضعف، ويضع أسئلة جوهرية أمام القيادة والقواعد الشعبية على حد سواء:
أي تنظيم سياسي نريد؟
أي دولة نؤسس في ظل التحرير؟
أي ديمقراطية تخدم وحدتنا ولا تمزقها؟
وأي نخبة تقود المرحلة التاريخية المقبلة؟
وما هي الآليات العملية الكفيلة بتحقيق الحرية والاستقلال؟
إن السياق الراهن يبيّن أن الإصلاح لم يعد مجرد خيار تنظيمي، بل بات مرتبطًا بقدرة المشروع الوطني على الصمود، وحماية الجبهة الداخلية من عوامل التآكل والاختراق.
إن الإصلاح، في هذا السياق، لم يعد مجرد خيار تنظيمي قابل للتأجيل، بل بات ضرورة مرتبطة بقدرة بقاء وصمود واستمرارية المشروع الوطني، وتحصين الجبهة الداخلية، وقطع الطريق أمام محاولات الاختراق، والتفتيت، واستثمار عامل الزمن لصالح الاحتلال. فإما أن نمتلك الجرأة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، أو نترك الآخرين يفرضون علينا إيقاعهم وأجنداتهم.
وفي الأخير، فإن هذه الوثيقة تقدم بروح المسؤولية الوطنية، وبمنطق الاقتراح لا الإملاء، وبقناعة راسخة بأن الشعب الصحراوي، الذي صنع المعجزات في أحلك الظروف، قادر متى توفرت له القيادة الرشيدة، والتنظيم الفعال، والرؤية الواضحة على تحويل التحديات إلى فرص، واستكمال مسيرة التحرير، وبناء دولة حديثة، عادلة، وموحدة، تليق بتضحيات الشهداء وصمود الأجيال.
والله ولي التوفيق.
أحمد مولاي حمة (الساسي)
عن قناعة وطنية ومسؤولية تاريخية
من أجل الحرية، والسيادة، والكرامة

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...