لم يعد نظام المخزن مجرد نظام سلطوي يعاني من أزماته الداخلية، بل تحوّل، بفعل سياساته وممارساته، إلى عامل بنيوي لعدم الاستقرار الإقليمي في شمال إفريقيا وغرب المتوسط. فإلى جانب احتلاله غير الشرعي للصحراء الغربية، راكم هذا النظام سجلًا ثقيلاً من الأدوار التخريبية التي تتجاوز الخلافات السياسية، لتدخل في نطاق الجريمة المنظمة العابرة للحدود واستعمالها كأداة نفوذ.
إن احتلال الصحراء الغربية ليس تفصيلاً قانونيًا أو نزاعًا هامشيًا، بل هو القاعدة التي تُبنى عليها كل سياسات المخزن تجاه محيطه. فمن موقع قوة الاحتلال، لا من موقع الدولة الجارة، يتعامل النظام مع الجزائر وموريتانيا وإسبانيا. وحين تكون العلاقة مؤسسة على الاغتصاب والإنكار، يصبح تصدير الأزمات جزءًا من منطق البقاء.
اقتصاد المخدرات يشكل الركيزة الأكثر فجاجة في هذا السلوك. فالمغرب، باعتراف تقارير دولية، يُعد أحد أكبر منتجي الحشيش في العالم، غير أن الأخطر ليس الإنتاج في حد ذاته، بل تحويل المخدرات إلى سياسة دولة غير معلنة. شبكات التهريب لا تعمل في فراغ، بل في بيئة حماية وتسهيل، تجعل من السموم سلعة استراتيجية تُصدَّر إلى دول الجوار وأوروبا، لتعويض فشل اقتصادي واجتماعي مزمن.
تجاه الجزائر، يمارس المخزن عداءً ممنهجًا، قائمًا على التحريض الإعلامي، ومحاولات الاختراق، وتغذية التوترات، وتدفيع الجار الشرقي كلفة مزدوجة: مكافحة المخدرات من جهة، واحتواء التهديدات الأمنية من جهة أخرى. إنها سياسة إغراق بدل الحوار، وتهريب بدل تعاون، هدفها إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم.
أما موريتانيا، فالوضع أخطر وأكثر تعقيدًا. هنا لا يصح الحديث عن “جار”، لأن المخزن، بحكم احتلاله للصحراء الغربية، ليس جارًا لموريتانيا أصلًا، بل قوة احتلال متاخمة لحدودها الشمالية. ومن هذا الموقع غير الشرعي، جرى إغراق موريتانيا بالمخدرات وتحويلها إلى منطقة عبور قسرية لشبكات التهريب المتجهة نحو دول إفريقيا الغربية والساحل. لقد استُغلت هشاشة الجغرافيا واتساع الحدود وضعف الإمكانيات، لتحويل بلد بأكمله إلى حلقة في سلسلة تصدير السموم، بما يحمله ذلك من تدمير للنسيج الاجتماعي، وإضعاف للمؤسسات، وتهديد مباشر للأمن الوطني.
وفي الضفة الأخرى من المتوسط، تتجلى طبيعة النظام في تعامله مع إسبانيا: ابتزاز سياسي فجّ عبر ورقة الهجرة، وتنسيق أمني انتقائي، واستعمال الفوضى كورقة ضغط كلما تطلبت مصالح المخزن ذلك. دولة أوروبية تُعامل كرهينة، في مشهد يكشف منطقًا لا يؤمن بالشراكات، بل بالضغط والتهديد.
ويكتمل هذا المسار بالاندفاع المحموم نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، لا باعتباره خيارًا دبلوماسيًا حرًا، بل كآلية حماية لنظام مأزوم. تطبيع بلا سيادة، تُقدَّم فيه الجغرافيا والأمن مقابل دعم سياسي واستخباراتي، في محاولة لتحصين حكم فاقد للشرعية الشعبية، ومعزول أخلاقيًا في محيطه.
هكذا تتشابك الخيوط: احتلال، مخدرات، جريمة منظمة، ابتزاز، وتطبيع. ليست هذه وقائع منفصلة، بل ملامح سياسة واحدة، قوامها تصدير الفوضى بدل حل الأزمات، واستعمال السموم بدل التنمية، والارتهان للخارج بدل احترام القانون الدولي.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ما يفعله نظام المخزن داخل حدوده، بل في ما يصنعه خارجها. وحين تتحول الدولة إلى مصنع لعدم الاستقرار، فإن الصمت لم يعد حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في تعميم الفوضى على حساب أمن الشعوب وحقها في الاستقرار والسيادة.
سلامة مولود اباعلي
