القائمة الرئيسية

الصفحات

اختطاف أم إخراج سياسي؟ قراءة في مسرحية كراكاس.

  

لم يعد الحدث السياسي في عالم اليوم يُقاس بما يقع فعليًا على الأرض، بقدر ما يُقاس بالصورة التي يُقدَّم بها، وبالضجيج الإعلامي الذي يرافقه، وبالرسائل النفسية التي تُزرع في وعي المتلقي قبل أن تستقر أي حقيقة. من هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع ما أُعلن عن “اختطاف مادورو” في كراكاس بوصفه واقعة أمنية مكتملة الأركان، بل بوصفه مشهدًا سياسيًا مركبًا، جرى إخراجه بعناية، وتغليفه ببروباغندا كثيفة توحي بأن الحسم قد وقع، حتى وإن لم تتبلور معالمه بعد.
إن أول ما يلفت الانتباه في هذا الحدث ليس جوهره، بل شكله. فلو كان الأمر عملية حاسمة، لكان المنطق السياسي يقتضي الصمت النسبي إلى حين تثبيت الوقائع وفرض الأمر الواقع. غير أن ما حدث كان العكس تمامًا: تسارع في التسريبات، تضخيم إعلامي، وتناقض في الروايات، وهو نمط اعتادت عليه التجارب التي لم تبلغ درجة الاطمئنان، وتسعى إلى تعويض هشاشتها بإغراق الفضاء العام بالصور والتصريحات.
كما أن القراءة الداخلية للمشهد الفنزويلي لا تدعم فكرة الانهيار السريع. فرغم الضغوط الاقتصادية والعقوبات الطويلة، ظل النظام في كراكاس محتفظًا بقدر من التماسك المؤسسي والأمني، واكتسب خبرة في احتواء محاولات الاختراق والانقلاب. إن تغييب أي مؤشرات واضحة على انقسام حاسم داخل المؤسسة العسكرية أو الأجهزة السيادية يضعف الرواية المتداولة، أو على الأقل يجعلها غير مكتملة العناصر.
أما البعد الدولي، فلا يقل أهمية عن الداخل. ففنزويلا ليست مجرد دولة تعيش أزمة سياسية، بل عقدة استراتيجية في شبكة الطاقة العالمية، وساحة صراع غير مباشر بين قوى كبرى. لذلك، فإن تضخيم الحدث لا يمكن فصله عن رسائل موجهة إلى الخارج: للأسواق، للحلفاء، وللخصوم على حد سواء. هنا تتحول الدعاية إلى أداة ضغط، لا إلى مجرد نقل للخبر.
ويبرز في هذا السياق البعد النفسي للعملية. فمشهد “اختطاف رئيس دولة” لا يُستخدم فقط لإعلان تغيير، بل لزرع الإرباك، وكسر المعنويات، ودفع الخصوم إلى التسليم بواقع لم يترسخ بعد. في تجارب عديدة، كانت الحرب النفسية بديلاً مؤقتًا عن الحسم، وأحيانًا قناعًا لفشله.
لذلك، فإن المقاربة الأكثر واقعية لا تذهب إلى نفي الحدث بالكامل ولا إلى تصديقه دون تحفظ، بل إلى فهمه كعملية مركبة، اختلط فيها الفعل السياسي المحدود بالإخراج الدعائي المكثف. حدث جرى تحميله أكثر مما يحتمل، في محاولة لفرض مسار سياسي عبر الصورة قبل أن يفرضه ميزان القوى.
في النهاية، لا تُصنع التحولات الكبرى بالبهرجة، ولا تُحسم الصراعات بالضجيج. ما جرى في كراكاس يكشف مرة أخرى أن السياسة الدولية باتت تميل إلى منطق العرض، حين يتعثر منطق الحسم. غير أن التاريخ يظل أقل قابلية للخداع من الكاميرات، وأكثر صبرًا من البيانات العاجلة. فحين يهدأ الغبار، تسقط الدعاية، ويبقى السؤال الحقيقي معلقًا: من يملك القوة على الأرض؟ عندها فقط، تتضح حقيقة مسرحية كراكاس، بعيدًا عن الإخراج، وقريبًا من الواقع.

سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...