إبراهيم الصالح حيمَّد (بوليساريو)
ذكريات مناضل ومقاتل وأحد ابطال مجموعة ال66(الجزء الثامن)
الجرح، انفجار اللغم والنجاة من الأسر
أصبح إبراهيم " بوليساريو" في الناحية الثانية. في معركة في أم الشعاب، حين كان يتصدى للمغاربة في شهر نوفمبر 1975م، أصيب بجرح في الركبة قضى على أثره شهرا في المستشفى الميداني للنواحي. حين شُفي شارك في عملية أمكالا الثانية الشهيرة في 14فبراير 1976م، وكان من بين الذين طاردوا القوة المغربية التي انهزمت في ذلك اليوم. حوالي ثلاثة أسابيع بعد تلك العملية، وبعد إعلان الجمهورية تم تكليف إبراهيم بمرافقة وفد من صحفيين فرنسيين إلى موقع المعركة. كان من بين الصحفيين الفرنسيين المذكورين الصحفي بول بالطا الذي كان مراسلا لجريدة لوموند الفرنسية الشهيرة. كانت الجثث كثيرة ومتناثرة في العراء بعد أن هرب عن أصحابها رفاقهم دون أن يتمكنوا من دفنها. كان إبراهيم بوليساريو يبحث بين الجثث عن جثة ضابط مغربي كبير تأكد أنه قُتل إثناء المعركة. عثر عليه، وحين انحنى ليتأكد أنه هو، صعدت رائحة كريهة من جثة الضابط المغربي الميت. امتلأت خياشم إبراهيم بتلك الرائحة المقيتة فأصيب بمرض في بطنه لازمه لفترة طويلة. قضى عدة شهور في المستشفى، وحين شُفى عاد إلى ناحيته من جديد.
في أحد الأيام كان هو وإثنين من رفاقه في مهمة قتالية في ضواحي أمكالا، وبينما هما يتحدثان عن المعارك دهست السيارة لغما أرضياً طار بها في الهواء. استشهد أحد رفاقه وجُرح الآخر أما هو فنجا بأعجوبة. حين استفاق هو ورفيقه من الغيبوبة، وبدؤوا يبحثون عن السيارة لم يعثروا عليها. تشتت في الهواء بفعل قوة اللغم وتحولت إلى شظايا صغيرة لا يمكن تجميعها ولا حتى العثور عليها.
كان الخطر دائما محدقا به. في مرة أخرى ذهب هو وجماعته لقصف منطقة قرب امكالا. كانوا كل يوم، تقريبا، يقصفون القوات المغربية التي تمر أو تتمركز في تلك المنطقة من نفس النقطة. هي نقطة قصف استراتيجية، يعرفها الصحراويون جيدا ويقصدونها كل يوم حين يعرفون أن المغاربة تواجدوا في المكان الذي تصل إليه القذائف. كثرة لجوء الصحراويين إلى تلك النقطة للقصف جعل المغاربة يصابون بالذعر. كانوا كلما تواجدوا في ذلك المكان الاستراتيجي للمراقبة إلا وانهالت عليهم القذائف وردمتهم أحياء. قُتل منهم الكثير في تلك الخنادق وجُرح المئات. كل الذين وصلوا منهم إلى تلك المنطقة تضرروا من القذائف الصحراوية التي كانت تمطرهم كل يوم.
القصف اليومي من النقطة المذكورة جعل المقاتلين الصحراويين يتعودون على الذهاب إلى هناك دون تأمين. أصبح عملا روتينيا عاديا يقومون به في كل وقت، وفي أية ظروف. لكن ذلك القصف الروتيني للمواقع المغربية من نفس المكان جعل المغاربة يفكرون في الانتقام.
في تلك المرة التي ذهب فيها إبراهيم وجماعته للقصف، وحملوا معهم مدفع B10 ورشاشات طويلة المدى. لم يأخذوا في الحسبان في ذلك اليوم أن المغاربة يمكن أن يكونوا قد تسللوا في الليل وزرعوا الألغام لهم أو أنهم نصبوا لهم كمينا قرب مكان القصف. توجهوا إلى المكان بطريقة عادية، وسلكوا نفس الطريق التي يسلكون كل يوم. لكنهم أخطأوا ذلك اليوم. كان المغاربة قد تسللوا إلى المكان وأقاموا لهم كمينا. كان الوقت عصرا والجو ساكن وهادئ. طوَّق المغاربة النقطة وبقوا ينتظرون قدوم القوة الصحراوية الصغيرة التي ستقصف والمكونة من سيارتين نوع لاندروفير . وصلت السيارة التي فيها إبراهيم هي الأولى إلى المكان. نزل هو كما يفعل دائما ونزل معه إثنان من مجموعته. فجأة وقعت عينه على أثر المغاربة في المكان. عرف أثر أحذيتهم وشاهد بعض بقايا علب دخانهم الفارغة. عرف أنهم قربهم، وأن مدافعهم مصوبة نحوهم. كان المغاربة ينتظرون إن تصل السيارة الثانية التي تحمل المدفع الثقيل وينتظرون أن ينزل الجميع ثم يهجمون عليهم ليقبضوا عليهم هُم والسيارات والذخيرة. لم يعرف إبراهيم كيف يخبر رفاقه الذين نزلوا من السيارة. لو كان صرخ فيهم وطلب منهم أن يركبوا، كان المغاربة عرفوا أنهم تفطنوا إليهم، وفي هذه الحالة سيطلقون عليهم النار بكثافة ويقتلونهم كلهم. كانوا قريبين منهم ويسمعونهم. للتمويه، أدعى إبراهيم أنه سيُنزل بعض الأمتعة من السيارة ثم مر على أصدقائه الذين كانا جالسين عند شجيرة صغيرة، وقال لهما بصوت خافت: المغاربة عندكم. سيطلقون النار. اركبوا السيارة. أركبوا السيارة." كان المقاتلان الصحراويان شابان، وقالا له باعتزاز: المغاربة لا يمكن أن يكونوا هنا. إنهم بعيدون." قبل أن يكمل كلامه اشتعل المكان حوله بالرصاص والقذائف. بدأ المغاربة يقصفون حولهم حتى يمنعونهم من الهروب ليقبضوا عليهم أحياء. قفز إبراهيم والسائق إلى السيارة ومرا على رفيقيهما لكنها لم يستطيعا الركوب. بدأت القذائف تنهمر عليهم من قرب. بدل إن يركب الرفيقان انبطحا أرضا وخاضا معركة مع المغاربة. استشهد الشابان ونجى إبراهيم والسائق. خرجت سيارتهم من تحت النار والرصاص ومرت على السيارة الثانية وطلبت منها الرجوع. يتبع
الكاتب: السيد حمدي يحظيه
