النفاق السياسي الأوروبي المزمن
متى سيتخلى الاتحاد الأوروبي عن الكيل بمكيالين؟
سؤال لم يعد أخلاقيًا بقدر ما أصبح اتهامًا سياسيًا صريحًا، لأن الوقائع المتراكمة تثبت أن هذا السلوك ليس زلّة موقف ولا سوء تقدير عابر، بل نهجًا بنيويًا راسخًا في العقل السياسي الأوروبي، تُدار به الأزمات وتُوزن به الحقوق والدماء وفق المصالح لا وفق القانون.
في أوكرانيا، الحرب جريمة عدوان مكتملة الأركان، والاحتلال مرفوض، والسيادة خط أحمر لا يُمس. تُستدعى لغة القانون الدولي دفعة واحدة، وتُفتح خزائن الدعم العسكري، وتُفرض العقوبات القصوى، ويُستنهض الإعلام والسياسة في تناغم كامل. فجأة، يصبح ميثاق الأمم المتحدة نصًا مقدسًا، وحق الشعوب في الدفاع عن نفسها حقيقة لا جدال فيها.
لكن المشهد يتغير جذريًا حين ننتقل جنوبًا.
في الصحراء الغربية، الاحتلال لا يُسمّى احتلالًا، بل “نزاعًا إقليميًا”. وخرق قرارات الأمم المتحدة يُخفَّف إلى “تعقيد تاريخي”، وحق تقرير المصير يتحول إلى وعد مؤجل بلا أفق. القمع يصبح “إجراءات أمنية”، ونهب الثروات “شراكات اقتصادية”، والحرب “منخفضة الحدة”. القانون الدولي ذاته، لكن القراءة انتقائية، واللغة مطاطة، والضمير الأوروبي غائب.
أما في فلسطين، فيبلغ النفاق ذروته.
الإبادة الجماعية تُعاد صياغتها كـ“دفاع عن النفس”.
الحصار جريمة في مكان، و”ضرورة أمنية” في مكان آخر.
قصف المستشفيات والمدارس مدان نظريًا، لكنه مبرر عمليًا إن كان الفاعل حليفًا.
الضحايا لا يُنكر وجودهم، لكنهم يُختزلون في أرقام، بلا أسماء ولا وجوه، وبلا قيمة في الحسابات السياسية.
في المقابل، يكفي تصريح عابر حول غرينلاند حتى يُستدعى مفهوم السيادة فورًا، ويُرفع القانون الدولي إلى مصاف الخطوط الحمراء، وتُعلن حالة استنفار سياسي وإعلامي. هنا، تصبح السيادة مسألة غير قابلة للتأويل، لأن الأمر يمس الفضاء الحيوي للغرب ومصالحه المباشرة.
وهكذا تتكشف المعادلة بوضوح فاضح:
السيادة مبدأ انتقائي، وحقوق الإنسان أداة ضغط لا قيمة كونية لها، والقانون الدولي وسيلة سياسية تُستدعى حين تخدم المصالح وتُهمَل حين تُقيّد الحلفاء.
الاتحاد الأوروبي لا يمارس ازدواجية المعايير عن عجز، بل بوصفها خيارًا سياسيًا واعيًا. خيار يجعله قاضيًا حين تناسبه الأحكام، وشاهد زور حين تُحرجه الوقائع، وشريكًا صامتًا حين تصبح الجرائم جزءًا من منظومة النفوذ والمصالح.
هذا النفاق المزمن لا يضرب فقط مصداقية أوروبا الخارجية، بل يقوّض أي ادعاء أخلاقي تتسلح به في مخاطبة شعوب الجنوب. فكيف لمن يبرر الاحتلال هنا، ويشرعن الإبادة هناك، أن يقدم نفسه حارسًا للقيم؟ وكيف يُطلب من الشعوب المظلومة الإيمان بنظام دولي يُطبَّق عليها وحدها، ويُعلَّق حين يمس الحلفاء؟
السؤال الحقيقي إذن ليس: متى سيتخلى الاتحاد الأوروبي عن الكيل بمكيالين؟
بل: هل يستطيع أصلًا أن يفعل ذلك دون أن يعيد تعريف ذاته، ويتحرر من إرث الاستعمار، ومن عبودية المصالح، ومن وهم التفوق الأخلاقي؟
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى “النظام الدولي القائم على القواعد” شعارًا أجوف، وستظل العدالة، في القاموس الأوروبي، قيمة انتقائية… تُمنح لمن يُشبههم، وتُحجب عمّن لا يدخلون دائرة النفوذ.
سلامة مولود اباعلي
