القائمة الرئيسية

الصفحات

ذكريات مناضل ومقاتل وأحد ابطال مجموعة ال66(الجزء الثالث)

  


إبراهيم الصالح حيمَّد (بوليساريو)
ذكريات مناضل ومقاتل وأحد ابطال مجموعة ال66(الجزء الثالث)
عامان في حراسة الشركات الأمريكية التي كانت تُنقب عن المعادن في الصحراء
في سنة 1956م، تم اكتشاف البترول في الصحراء الجزائرية الكبيرة فانبهر العالم كله بتفجر ذلك السائل الأسود من تلك الصحراء الجرداء. تم أيضا، في نفس السنة، اكتشاف الحديد في كدية الجل بالزويرات في موريتانيا. بدأت حمى الاكتشافات والتنقيب عن البترول والمعادن في تلك الصحاري الشاسعة جنوب الجزائر تنتشر وتتوسع حتى لم تبق بقعة منها إلا وشملتها. كانت الشركات الأجنبية تتنافس على الأرض طمعا في الفوز بالصفقات والفوز باكتشاف البترول الذي أصبح آنذاك أغلى من الذهب. أصبح العالم يظن أن تحت سطح أية صحراء قاحلة توجد بحيرات من البترول الأسود الثمين. لم يغيب عن بال فرنكو ذلك. هو أيضا يستعمر صحراء عذراء وتجاور الصحراء الجزائرية، وليس من المستبعد، بل من "شبه المؤكد" أن تلك الصحراء يحتوي جوفها على بترول. 
في سنة 1962م، بعد استقلال الجزائر مباشرة وخروج فرنسا، رأى فرنكو أن الوقت أصبح مناسبا كي يبدأ هو ينقب عن البترول والمعادن في " صحرائه". ورغم قرب فرنسا جغرافياً وخبرة شركاتها في هذا الميدان إلا أن فرنكو أستدعى شركات أمريكية سريا كي تنقب له عن المعادن، خاصة البترول، في الصحراء الغربية. 
في الحقيقة، بسبب سرية الموضوع، قِلة هُم الصحراويون الذين يعرفون أو لديهم إطلاع على أن الشركات الأمريكية قضت أعواما طويلة – أربعة- تنقب في الصحراء الغربية عن البترول والمعادن. الذين عاشوا في تلك الفترة، خاصة ممن لديهم وعي، كانوا يعرفون أن النصارى يبحثون عن المعادن، لكن لم يكن أي منهم – أو عدد قليل منهم فقط- يعرف إن أولئك الذين كانوا يفتشون وينقبون هُم أمريكيون. كانت الأكثرية تظن أنهم أسبان، وكانوا يسمونهم "الشيمامة". هذا الاسم يعني في اللهجة الحسانية الذين يأخذون عينات من التربة ويضعونها في أيديهم ويشمونها بحثا عن رائحة المعادن.
في يوم من الأيام تم استدعاء إبراهيم وشخص آخر من طرف قائد وحدتهم الأسباني، وتم إرسالهم لحراسة الأمريكان الذين كانوا ينقبون عن المعادن. قضوا في حراستهم حوالي سنتين( 1962- 1964)، وكانوا يتنقلون معهم من مكان إلى آخر. انتقلوا معهم إلى أماكن عديدة في الشمال والشمال الشرقي  للصحراء الغربية. خلال تواجدهم في المنطقة قام الأمريكان بمسح شامل للكثير من المناطق مثل وادي الساقية، كعيدة جحوشة، ايدار، الشبابيين، خنك السكوم، التفاريتي، وديات مركبة وجنوب مدينة السمارة. يعتقد إبراهيم أنهم اكتشفوا بعض المعادن في كعيدة الجحوشة وفي وديان مركبة، وأنهم كانوا يضعون علامات في تلك الأماكن قالوا لهم أنها تدل على وجود معادن فعلا في تلك المناطق. الذي لم ينتبه إليه إبراهيم ورفاقه في تلك الفترة، هو أنهم لم يهتموا بأسماء الشركات الأمريكية التي كانت تنقب هناك. 
سنة 1969م: سنة الانخراط في حركة بصيري العميقة
في نهاية 1968م، وبطريقة سرية، انتقل شاب صحراوي على درجة عالية من التعلم وله شهادات، ويمزج بين الثقافة الدينية والحديثة والروح الوطنية، إلى الصحراء الغربية، وبالأخص إلى مدينة السمارة. الشاب هو محمد سيد براهيم بصيري المزداد سنة 1942م بالجزء الشمالي من الصحراء الغربية الذي سلمته أسبانيا إلى المغرب سنة 1958م، من عائلة صحراوية معروفة عند الصحراويين بكثرة مدارسها وزاياها الدينية، وبورع أهلها وبتعمقهم في الدين والحياة. جاء الشاب وفي رأسه فكرة وحيدة سرية وهي توحيد الشعب الصحراوي في تنظيم سياسي يطالب بالاستقلال سليما، وإن لم يكن ذلك ممكنا أو رفضته أسبانيا يعلن الثورة المسلحة.
حسب ما سمع إبراهيم وزوجته ملوحة والكثير من سكان مدينة السمارة في تلك الفترة بالضبط، أن ذلك الشاب، ابن العائلة الصحراوية المتدينة، إنما جاء يزور أهله ويتعرف على أقاربه، وأنه سيعود يزاول دراسته أو يعمل في المشرق. لكن في الحقيقة إن ما أُشيع عن ذلك الشاب كان مناورة فقط. فمحمد سيد براهيم بصيري جاء ليستقر وليؤسس سريا- بكثير من السرية- حركة وطنية تطالب باستقلال الصحراء الغربية.
التحاق إبراهيم الصالح بالحركة تم بطريقة معقدة. فهو كان مجندا في الجيش الأسباني، والمجندون عامة، منطقيا، يخشاهم الناس، وتحوم الشكوك دائما حول تجنيد الاستعمار لهم ضد شعبهم. ورغم ذلك إلا أن بصيري أراد أن يقلب المعادلة ويقرأها من الخلف. ركز على الصحراويين المجندين في الجيش الأسباني وجندهم في حركته وجعلهم في مراتب علياء ليلفت أنظار أسبانيا. فأسبانيا يمكن أن تشك في أي صحراوي وتعتبره عدوا ما عدا الجنود منهم في صفوف جيشها. هؤلاء كانوا على الأقل هم آخر من سيُشك فيه. 
بالنسبة لبراهيم، بعثت له الحركة، وبصيري بالأخص، شخصين من أصدقائه المقربين – كل مرة يأتيه واحد- يسكنان بالقرب منه ويعملان معه في الجيش. ففجأة أكتشف إبراهيم أن صديقه محمد السالك- شهيد في حرب التحرير فيما بعد- وصديقه الآخر السالك حمدي، بدأ يحدثانه أكثر ما يحدثانه، وكلما التقيا به، عن الوضع في الصحراء الغربية، ويعزفان له على وتر أن الصحراء لازالت مستعمرة، وان الصحراويين هم الشعب الوحيد الذي لازال مستعمرا في المنطقة. كانا أيضا يحدثانه عن أهمية الجهاد ضد النصارى، وأن هذا وقته لو أتحد الصحراويون ضد أسبانيا. لم يحدثاه هذا الحديث مرة واحدة أو مرتين. كانا كلما التقياه يعيدان عليه نفس الخطاب لمدة شهرين. لم ينتبه إبراهيم لاي شيء، لكنه أصبح يساير صديقيه فيما يرميان إليه. أصبح هو الآخر يعطي رأيه ويبدي تذمره، ومثل أي صحراوي آنذاك، أصبح يُعبر عن تذمره من الوضع. بعد شهرين من الترويض والنقاش كاشفاه بالحقيقة. قالا له صراحة: إذا كنت توافق على استقلال الصحراء الغربية والجهاد ضد النصارى، وتريد شعبك إن يستقل وتقسم أن لا تخون الصحراويين، هناك حركة تريد أن تقوم بهذا العمل، وإذا أردت أن تنضم إليها فأهلا بك، وإذا كنت لا ترغب في ذلك فدع الأمر سرياً. لم يعارض إبراهيم؛ بالعكس كان متحمسا للانخراط في النضال ضد أسبانيا. سارت الأمور على خير ما يرام. في اليوم الموالي أخبره محمد السالك، بمعلومات جديدة عن الحركة، وقال له أن زعيمها هو محمد سيد براهيم بصيري، وانه ينتقل من مكان إلى آخر حتى لا ينكشف أمره، وطلب منه السرية، وأن لا يخبر أي شخص – حتى اقرب المقربين منه- بالأمر ما لم تأتيه أوامر بفعل ذلك.                                          
في الطريق إلى مكان تواجد بصيري التحق بهما السالك حمدي. فهِم إبراهيم أن السالك حمدي قد يكون مسئولا في التنظيم الجديد وهو، ربما، الذي يكون قد بعثه بصيري ليدخله الحركة. ذهب ثلاثتهم إلى دار المناضلة الكبيرة السالكة منت دلال التي سيكون لها، سنوات بعد ذلك، حين تتأسس جبهة البوليساريو، شأن كبير في النضال. في داخل الدار كان يختفي سيد براهيم بصيري ومعه عبد الحي سيد محمد ومعهما شخص آخر نسى إبراهيم أسمه. كان بصيري جالسا في الوسط، يلبس دراعة زرقاء، شعر رأسه حليق بعض الشيء ولحيته غير كثة. سلَّم عليهم بحرارة وبدؤوا يشربون الشاي. في البداية لم يتكلم بصيري؛ تكلم فقط المناضل السالك حمدي. أعاد على مسامع إبراهيم، المنخرط الجديد، نفس الخطاب الذي ظل محمد السالك يكرره على مسامعه على مدى شهرين تقريبا: الجهاد ضد النصارى، تحرير الصحراء، القسم ألا يخون شعبه ولا وطنه. حين انتهى من حديثه الطويل بدأ يوجه كلامه لمحمد السالك وبراهيم: من لديكم ثقة فيه، خاصة في الجيش الأسباني، أخبرونا به. من سيدخل الحركة عليه أن يكون مستعدا للسجن وللموت في سبيل الصحراء ويعاهد الله".
حين أنهى السالك حمدي حديثه تدخل بصيري. كان صوته- حسب ما يتذكر إبراهيم- هادئا، فيه جاذبية خاصة ومُركزاً ويحمل الكثير من صفات الشخص الكرزماتي. قال لهم: " هذه بيعة الله أن نطرد أسبانيا والنصارى من أرضنا. يجب أن لا يبقوا فيها إلا برضى أهلها." تحدث أيضا – ومطولا- عن الوضع في المنطقة، وأنه لم يعد مقبولا إن تبقى الصحراء المستعمرة الوحيدة في منطقة مستقلة كلها. كان خطابه حماسيا ومدغدغا للعواطف. في الأخير أخبرهم أن نص القَسَم عند الحركة يحتوي على القَسم على الجهاد، وعدم خيانة الصحراويين، لكن ليس ضروريا النطق به، ويبقى كل شخص مسئول عن أقواله وأفعاله أمام الله. 
لا يتذكر إبراهيم تاريخ – يوم وشهر وسنة- انضمامه للحركة، لكنه يرجح أن يكون في نهاية سنة 1969م. انخرط إبراهيم في الحركة الوطنية السرية، وبدأ يدفع 200 وقية شهريا، لكنه بقى يمارس عمله كمجند في الجيش الأسباني. أصبح يحس بتناقض كبير بين عمله الروتيني وبين ما يطمح إليه. في الشهور التي تلت التحاق إبراهيم بالحركة بدأ يسمع رفاقه، خاصة محمد السالك، يتحدث عن التدريب والسلاح ولاقتال. يعتقد إبراهيم أنه في تلك الفترة، خاصة قبل مظاهرة الزملة، أن الحركة كانت قد بدأت تفكر في اللجوء إلى العمل المسلح وبعث الشباب إلى الجبال كي يتدرب، لإن كل المؤشرات كانت توحي أن أسبانيا سوف لن تخرج من الصحراء بالسلم. يتبع
الكاتب: السيد حمدي يحظيه

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...