إبراهيم الصالح حيمَّد (بوليساريو)
ذكريات مناضل ومقاتل وأحد ابطال مجموعة ال66(الجزء الثاني )
الانخراط في الجيش الإسباني وفتوى الوالد
سنة 1958م، قامت أسبانيا، سرياً، بجعل الصحراء الغربية مقاطعة أسبانية. لم يعلم الصحراويون بذلك إطلاقا. سنة 1959م بدأت أسبانيا تستميل الصحراويين وتحاول، بشتى الطرق، كسب ودهم وشراء عقولهم وغضبهم. أهتم فرنكوا شخصيا بالمنطقة، وبدأ يشِيد فيها. كان يدور في خلده إن يحولها إلى ثكنة عسكرية ينفي إليها الأسبان الذين يؤدون الخدمة العسكرية. ففي داخل أسبانيا كان السخط الشعبي قد بدأ يرتفع ضد سياسة عسكرة وتجييش الشعب التي أنتهجها فرنكو.
كانت الصحراء الغربية هي المكان الوحيد القريب جغرافياً والملائم الذي يمكن إن يقضي فيه الأسبان فترة الخدمة العسكرية الإجبارية. في الداخل الأسباني أصبحت المظاهرات تُنظم ضد معسكرات التدريب القاسية التي كان يساق إليها أبناء الأسبان مكرهين. وحتى يخفف من حدة غضب الشارع أغلق فرنكو الكثير من معسكرات التدريب في المدن الأسبانية الداخلية، لكن بالمقابل، فتح أخرى في مدن الصحراء الغربية مثل العيون والسمارة والداخلة.
بين سنوات 1959م و1960م أصبح عدد الجنود في الصحراء الغربية يفوق حتى عدد المدنيين الصحراويين في المدن. أصبح منظر الجندي الأسباني وهو يتجول في الشوارع الصحراوية أو في البوادي ببذلته العسكرية وطربوشه وبندقيته المعلقة على كتفه وسيارته لاندروفير مغريا للشباب الصحراوي. الكثير من الشباب الصحراوي في الأرياف راودهم الحلم الجميل بلبس البذلة العسكرية ونزع الدراعة والجلابية، وركوب لاندروفيرات بدل الجَمل، وحملِ البندقية ورمي العصا. كانت البندقية مغرية كثيرا للشباب البدوي الذي كان يقضي أيامه يلعب بالعصي وهو يسوق قطعان الجمال في البادية. في المدن الصحراوية وفي البوادي الشاسعة بدأت الإشاعات تنتشر، تقول أن أسبانيا ستفتح أبواب التطوع في جيشها للصحراويين.
يسمع إبراهيم، مثله مثل الآلاف بالأخبار فيركبها بخياله. أصبح يتحرى كل شيء يتعلق بالعسكر. تصل إليه أخبار تقول إن هناك أشخاص يجندون الشباب في صفوف الجيش الأسباني فيبدأ يبحث عنهم. يلتقي بواحد فينضم إلى وحدته شبه المدنية التي كانوا يسمونها الحركة. الوحدات المذكورة كانت تمولها أسبانيا سرياً بالجِمال والمؤن لتحرس خط الحدود الفاصل مع المغرب. كان الصحراويون يطلقون على تلك المجموعات اسم برطيزة (partisan )، وهي كلمة فرنسية تعني حركة مسلحة مدنية متطوعة للمقاومة. بقى إبراهيم معهم بعض الوقت ثم أنضم للجيش الأسباني بصفة رسمية في سنة 1960م. انخراط إبراهيم في الجيش الأسباني حقق له بعض الاكتفاء الذاتي وبعض الطموح وبعض المال، لكنه، من جهة أخرى، فجر عليه غضب العائلة. هو الوحيد من بين إخوته الذي أصبح جنديا في صفوف الجيش الأسباني. منذ دخل النصارى (الأسبان) إلى الصحراء في نهاية القرن التاسع عشر، أصدر بعض المشايخ في الصحراء الغربية فتاوى تحرم التعامل مع النصارى والتجارة معهم والعمل معهم. طبقا لتلك الفتاوى، أصبح اتصال أي صحراوي بالنصارى وقبوله لهم وتعامله معهم يعتبر عارا، ويمكن أن يوسم العائلة كلها ويشوه صورتها في عيون الناس. حين سمع والد إبراهيم، الصالح حيمَّد، أن ولده أصبح جنديا في صفوف أسبانيا غضب بحدة. فالوالد الحيُّ، الهادي، الرزين، صاحب الأعصاب الباردة الذي لا يرفع عينيه إلى محدثه إلا نادرا، الخجول، تحول فجأة إلى بركان. كان في عمقه يكره النصارى ولا يقترب منهم ولا يصافحهم ولا يتكلم معهم. هذا الرجل، صاحب هذه الصفات، أصبح له ولدُ في جيش النصارى، يلبس بذلتهم ويتحدث معهم ويأخذ معاشه منهم ويركب معهم في سياراتهم ويحمل سلاحهم. قبِِلَ الأب بالأمر الواقع، لكن، في نفس الوقت، أصدر فتوى في سره تقول إن الكلام مع إبراهيم والسلام عليه والأكل معه هي تعاملات مكروهة. فمثلا كان إذا صلى معه يأمره أن يكون في الخلف ولا يقف معه في الصف، وكان إذا شرب معهم الشاي يخصص له كأسا يشرب فيها الشاي وحده لا يشاركه أحد فيها. كان حتى يرفض أن يأخذ منه الدراهم والمال إذا أعطاه له. تشدد الوالد مع أبنه بدأ يفتر مع الوقت ويفقد مبرره وينقص الحماس له حتى انتهى بالتراضي والصلح. لم يعد له مبرر بعد أن أصبح أبناء العائلات الصحراوية العريقة والكبيرة ينخرطون في الجيش الأسباني وفي الإدارة الأسبانية وفي المدرسة وحتى بلغ بهم الأمر إلى الذهاب إلى كناريا ومدريد يدرسون. يتبع
الكاتب : السيد حمدي يحظيه
