القائمة الرئيسية

الصفحات

مجموعة 66: فخر جيش التحرير الشعبي الصحراوي (الحلقة الرابعة)

   


مجموعة 66: فخر جيش التحرير الشعبي الصحراوي (الحلقة الرابعة)
المجموعة ترسم لوحة صمود رائعة
مجموعة ال(66) تركت بصماتها على لوحة تاريخ الشعب الصحراوي الملونة. لا يمكن لأحد يريد إن يكتب تاريخ الشعب الصحراوي، أو على الأقل جزء منه، أو يذكره، دون إن يمر على ذِكر مجموعة ال66. فصورة الصمود التي رسمت في السجن فاقت كل التوقعات. فهي أولا دخلت السجن في دولة أسمها المغرب معروفة بسجونها التي يجعل ذكرها، فقط،  شعر الرأس يقف، ويجعل الجلد يقشعر. رسمت تلك المجموعة صورة سريالية استعراضية رائعة للتماسك والصمود والاستهزاء بالموت. أكثرية عناصر تلك المجموعة قُبض عليهم جرحى، ومن لم يتم القبض عليه جريحا، قبض عليه بعد نفذت طلقاته أو بعد أصيبت سيارته. كلهم قاتلوا حتى جُرحوا أو نفذت ذخيرتهم، أو اصيبت سياراتهم، وبعض رفاقهم قاتل حتى استشهد حتى لا يتم القبض عليه وهو يمتلك طلقة صالحة واحدة. في السجن زاد التحام المجموعة وزادت قوة تحديها. في البداية فهِم عناصر المجموعة نقطة مهمة زادت من ثباتهم وصمودهم. فهموا إن المغرب يريد التخلص منهم بسرعة إما عن طريق الموت أو عن طريق قبولهم بالعفو الملكي. الذي فهمته عناصر المجموعة هو أن المغرب حين لم يستطيع أن يقبض على العدد الذي كان يحلم أن يقبض عليه من المقاتلين الصحراويين المسلحين ليعرضه على شاشات التلفزيون، أصبح يخفي، بصفة رسمية، أن عنده أسرى مقاتلين من البوليساريو. إنه لم يكن من المعقول بالنسبة للجان الصليب الدولي أن تدور حرب شرسة، وعلى مدى خمسة عشر سنة دون إن يكون فيها أسرى. على الجانب الآخر لم يكن الجيش الصحراوي يخجل من أن يترك لجان الصليب الدولي تزور الأسرى المغاربة الذين كانوا بالآلاف عنده. كانت البوليساريو تقول للصليب الأحمر أن هؤلاء أسرى عسكريون وعليكم إن تتأكدوا من أن اتفاقيات جنيف محترمة هنا ومطبقة عليهم. 
كان المغرب حين يقبض على مقاتل صحراوي، يحاول إن يتخلص منه بسرعة مباشرة بعد التحقيق معه بإعطائه "امتيازات"، وجعله يسكن ويعيش في المغرب بشرط إن يوقع أنه مغربي. كان المغرب يخجل من نفسه. فهو البلد الذي يمتلك جيشا كبيرا جرارا، والذي كان يتصور انه لا تستطيع أية قوة في شمال غرب إفريقيا إن تقف في وجهه، يجد نفسه هكذا في وضع مخزي أمام شعبه وأمام العالم. ففي حين كان يتم أسر الجنود المغاربة يوميا وبالعشرات، وكان يتم عرضهم في تلفزيونات العالم، لم يستطيع التلفزيون المغربي أن يعرض صورة لمقاتل واحد صحراوي أسير، وإذا فعلها يفعلها مرة أو اثنتين في العام. هذه الصورة – صورة أسير كل عام- كان المغرب يريد يخفيها نهائيا. فهِم عناصر مجموعة ال66 أن قوة مخابرات المغرب ستعمل على اختراقهم، وستحاول أن تجعلهم يقبلون بالعفو الملكي حتى لا تسأل عن مصيرهم المنظمات الدولية مثل الصليب الأحمر. وحتى تحاول اختراقهم والتأثير على معنوياتهم عمدت سلطات المغرب إلى انتهاج أسلوب الضغط النفسي والمعنوي في الزنزانة، ثم يتم الاتصال بعناصر المجموعة ويتم عرض عليهم العفو الملكي. الضغط النفسي والمعنوي في الزنزانة هو تقنية تلجأ إليها المخابرات في الولايا ت المتحدة وإسرائيل وفي ألمانيا في السابق. فالسجين حين يكون في زنزانة مليئة بالقاذورات وممنوع تنظيفها ولا يوجد لديه ماء ولا أكل ولا ملابس ولا ينام ينهار وينسى كل ما له علاقة بماضيه، وينسى واقعه ويصبح يهرب إلى الحلم. فحين كانت الظروف تسوء في الزنزانة كان المغاربة الرسميون يتصلون بعناصر المجموعة كل على حدة، ويقولون له:" اليوم، خلال ساعات فقط، يمكن إن تجد نفسك في دار فسيحة وعندك كل ما تتمناه، إذا تبرأت من البوليساريو ومن الصحراويين وتقبل بالعفو. أما إذا رفضت فستبقى هنا حتى تموت بالتقسيط". وليس الترغيب وحده هو الذي كان موضعا على الطاولة. كان هناك أيضا التخويف والترهيب. فحين يمانع السجين، يقولون له أنه من الأفضل له أن ينتهز الفرصة التي لا تتكرر، لإن المغرب سوف لن يخرج من الصحراء وسوف يبقى فيها ومن لا يريد العفو سيموت هنا."
 ورغم أنه كان ممنوع على عناصر المجموعة الاتصال فيما بينهم، إلا أنهم استطاعوا أن يخترقوا ذلك الحصار الذي تفرضه الزنزانات. بطرق شتى تمكنوا من الاتصال بينهم، وتنظيم أنفسهم في خلية قوية صامدة، ووضعوا لأنفسهم قانونا وقَّعوا عليه كلهم. كان القانون يقول، انه يجب عليهم عدم قبول أية مساومات أو طعن في الشعب والقضية، وأنهم أما إن يخرجوا من لقنيطرة كسجناء حرب مرفوعي الرأس أو يستشهدوا. ولمقاومة الظروف السيئة في الزنزانة، ومقاومة الانهيار المعنوي والنفسي تم توصيل المعلومات إلى المجموعة بأن التركيز هو أقوى سلاح يمكن أن يتغلب على الانهيار. كان التركيز الذي يقصدون يتمحور حول التفكير في العهد والشهداء واللاجئين وفي الوطن، وأن العقل والذكريات يجب إن تبقى محصورة على تذكر هذا الوضع فقط، وأن لا تخرج عنه. ولمقاومة دعاية العدو التي كانت تهدم المعنويات، كان عامل الأخبار مهم جدا. ففي حين كان يقول لهم المغاربة إن الصحراويين قرروا العودة إلى المغرب، وان الآلاف منهم عادوا إلى العيون والسمارة، كانت المجموعة تنفي ذلك وتنشر بين أفرادها إن ذلك مجرد كذب. 
مرة سمعوا أن مدير سجن لقنيطرة تعرض لحادث ومات. جاءهم مدير جديد اسمه يزم فَقَدَ رجليه في الحرب. كان يسير على رجلين اصطناعيتين فقط. أخبرهم أنه كان يقاتل ضدهم وانفجر به لغم في عملية خنيفيس. ورغم أن بعضهم، مثل إبراهيم، شارك في تلك العملية التي جُرح فيها ذلك النقيب، إلا أنه أعترف بهم وبشجاعتهم، وأصبح يخفف عنهم بعض الشيء ظروف السجن كأن يتركهم يخرجون مدة أطول للشمس ويتكلمون فيما بينهم.  
وككل السجناء\ الأسرى الذين لهم قضية، استطاعت المجموعة أن تحصل على الأخبار. بطريقة ما حصلوا على مذياع صغير وكل لوازمه من بطاريات وأسلاك. الراديو كان يتم لفه جيدا في بلاستيك ويتم تخزينه في البالوعة التي بجانب السرير. وخوفا من عناصر المجموعة كان يتم تفتيش زنزاناتها مرتين يوميا. أحيانا كانوا يقومون بتفتيش مفاجئ للزنزانات في ساعات مختلفة من الليل. فحين يظن عمال السجن إن السجناء يمكن إن يستمعوا للإذاعة أو يتواصلون فيما بينهم، يقتحمون عليهم الزنزانات في تفتيش مفاجئ. وجود المذياع لدى المجموعة رفع من معنوياتها. كان على الأقل يأتي بالأخبار الصحيحة، ويفند ما كانت سلطات السجن الأمنية تقول. صاحب المذياع يحظيه محمد سالم كان يقوم بتوصيل الأخبار للمجموعة بطريقة عجيبة. كان يقول لهم إن عليهم إن يجمعوا وريقات صغيرة تحمل صورة بقرة ملصقة على الجبن الذي كانوا يعطونه لهم مرة في الشهر. على تلك الوريقات كان يكتب لهم الأخبار والتعليمات ويوصلها لهم. مرة اكتشف الحراس الراديو وذهبوا به، لكن بعد يومين حصلوا على مذياع آخر. كانوا يختلقون الأمراض ليذهبوا إلى المستوصف، وهناك يلتقون ويتحدثون بطريقتهم الخاصة ويتفاهمون. نجحوا، رغم وضعهم الأستثنائ، في البقاء متماسكين ومركزين حتى لا يتم اختراقهم. نجحوا في إيصال صوتهم إلى لجنة الصليب الأحمر الدولي عبر رسائل سرية بعضها مكتوب وبعضها مشفر. 
كانت السلطات المغربية تلهث وراء الإطاحة بهم، واختراقهم للإيقاع بهم. كانوا يجعلون الأمور تسوء عليهم في الزنزانات ثم يفاجئونهم بزيارات خاطفة ويعرضون عليهم العفو. ورغم تلك الظروف القاهرة كانت المجموعة تتماسك، خاصة منذ إن بدؤوا يسمعون أن الأمم المتحدة من الممكن أن تتدخل، وأن حقوق الإنسان يمكن أن يتم إعطائها بعض الاهتمام. إن الأخبار التي كانت تصل المجموعة كانت تزرع فيهم الأمل أنهم سينتصرون أو أنه سيطلق سرحهم مرفوعي الرأس. كانت مسئولية كبيرة وعهدا مسئولا قطعوه على أنفسهم. إن تساؤلات منظمة الصليب الدولي عن مصيرهم كانت تزعج السلطات المغربية، وتربكها وتجعلها تحتار في كيف يتم التعامل معهم. 
ففي سنة 1991م، قامت السلطات المغربية بفصل الذين لهم رتب في الجيش الصحراوي عن المجموعة. ذهبوا بأربعة منهم ( محمد ودادي، دمبة ولد العيطة، إبراهيم الصالح وحبيب ولد لحويمد)، إلى الرباط واغادير. لمدة ستة أشهر وهم يطوفون بهم في أجمل أماكن في المغرب، وذهبوا بهم حتى "لزيارة" قبر محمد الخامس. التقوا بمدير الإذاعة وبمسئولين كبار. وضعوا أمامهم كل المغريات التي يحلم بها شخص: قصور، سيارات، ترقيات في صفوف الجيش. كانوا يترجونهم كي يقبلوا العفو، ويطلبون منهم أن يؤثروا على رفاقهم. ذهبوا بهم إلى  المناطق المحتلة وزارهم الذين يعرفونهم، لكن بدون جدوى. إن الموقف المعاند الذي اتخذته المجموعة شكل صداعا حقيقيا للسلطة في المغرب. 

استشهد بعضهم في السجن بصمت ثقيل، لكن أولئك الذين استشهدوا كانوا كِبارا، عِظاما مثل قضيتهم. استشهد الناجم ولد بريكة بسبب الإهمال الطبي، وأستشهد ابا أمبارك لعبيدي، وحتى يخفون جريمة اغتياله بالتجاهل ورفض تقديم الدواء له، قاموا بتصويره بعد أن استشهد وبجانبه طبيب يعلق له زجاجة مغذية متصلة بذراعه(سويرو) كي يوهموا العالم أنه " مات" تحت الرعاية الطبية. لقد استشهد هؤلاء بعد أن رفضوا المساومات التي كان المغاربة يقدمونها لهم بالتنازل عن مبادئهم مقابل إن يتم علاجهم في أحدث المستشفيات في الرباط واغادير، لكنهم رفضوا وقدموا حياتهم فداء لقضيتهم. كانوا يقولون لهم "إذا أردتم الذهاب إلى المستشفى في الرباط وإجراء عملية جراحية عليكم التوقيع على ورقة تقول أنكم مغاربة"، لكنهم كانوا يرفضون.       
بعد استشهاد هؤلاء أصبحت حالة رفيقهم الثالث، لحسن محمد مبارك سيبة خطيرة، وتتطلب إجراء عملية جراحية عاجلة على القلب. كان يصارع، ولو كان في أي مكان آخر من العالم كان سيتم إجراء عملية جراحية له تكريما لجوهر الإنسانية فقط فيه، لكنهم في الأخير طلبوا منه ا ن يوقع على الورقة التي تقول أنه مغربي حتى يتم إجراء العملية الجراحية له. كان التوقيع على تلك الورقة هو الذي سيحدد مصيره، لكنه رفض وقال لهم أنهم صحراوي. كانوا حتى يحاولون أن يرغموه على التوقيع على الورقة، لكنه كان يكتب أنه صحراوي.  حين عاد منتصرا مع رفاقه بعد إطلاق سراحهم استشهد بعد ذلك بفترة.
في الأخير انتصرت المجموعة على سجن لقنيطرة. علم بهم الصليب الأحمر، وبدأ يبحث عنهم كي يتم الاتصال بهم. فبعد الكثير من السنوات في ظلام زنازن لقنيطرة استطاعت المجموعة إن ترى النور وتلتقي بالصليب الأحمر، وتخرج في الأخير لتلتحق بشعبها بعزة وكرامة في سنة 1996م. لنا عودة للموضوع في حلقات أخرى
السيد حمدي يحظيه

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...