القائمة الرئيسية

الصفحات

مجموعة 66: فخر جيش التحرير الشعبي الصحراوي (الحلقة الثالثة)

  


عناصر المجموعة الأخرى التي وقعت في أسر الجيش المغربي، وقعوا فيه في فترات متقطعة منذ بداية 1976م، وكانوا خليطا من المقاتلين وبعض المدنيين الذين فُرض عليهم أن يقولوا إنهم مقاتلين. فمثلا المجموعة التي كانت تضم محمد ددش، كانوا حوالي 12 مقاتلا، أطلق سراحها بعد أن ضمنهم بعض الصحراويين الذين يعيشون في المدن المحتلة. قبِلوا هم أيضا إطلاق سراحهم و"الالتحاق" بالدرك الملكي بعد أن اتفقوا على التخطيط لعملية يلتحقون من خلالها بشعبهم. فحين عرض عليهم المغاربة "الالتحاق" بالجيش والدرك المغربي قبلوا عن " طيب خاطر"، لكنهم كانوا يفكرون في عمقهم في خطة يلتحقون بواسطتها برفاقهم المقاتلين الصحراويين وبخنادقم وبنادقهم، ويبدؤون يقاتلون من جديد لتحرير أرضهم. قبل يومين من عملية بئر نزران التاريخية، بالتحديد يوم 9 غشت 1979م خطف تسعة منهم سيارتين والتحقوا بالمقاتلين. من سوء الحظ إن السيارة التي كان فيها محمد ددش انقلبت ووقع هو في الأسر واستشهد رفيقه الذي كان معه. 
بالنسبة لمجموعة ال(66) فإن أول عناصر منها تم أسرهم، تقريبا، في سنة 1978م عند حفرة حم ولد مبارك. فبعد عملية التحاق مجموعة محمد ددش بالمخيمات، لم يعد المغرب يثق في أي صحراوي أُسر أو كان أسيرا، وأصبح التعامل الوحيد معهم هو الذهاب بهم إلى ظلام لقنيطرة. قامت القوات الملكية بعملية بحث عن الذين "أُعفي" عنهم مع محمد ددش، وبدأ التعامل صارما مع أي صحراوي يتم القبض عليه.              
الذي ميز مجموعة ال (66) الصحراوية عن غيرهم من أسرى الحروب في العالم هو أنهم أُسروا وهم جرحى في غالبيتهم المطلقة، أما الذين أُسروا منهم وهم غير جرحى -قِلة- فقد أسروا بعد أن نفذت ذخيرتهم ورصاصهم ومعدات قتالهم أو تعطلت سياراتهم. فهؤلاء الأبطال ضربوا مثلا للعالم في الرجولة. لم يتم أسر أي واحد منهم ومعه رصاصة أو معه سيارة صالحة للانسحاب أو غير مجروح. إن رمزية ما قام به هؤلاء هو إن المقاتل الصحراوي، المؤمن بقضيته ورجولته، كان لا يستسلم، وكان يقول بلغة مستترة: يمكن أن تقبضوا علي، لكن تقبضوا علي وأنا جريح وبلا رصاص وسيارتي متعطلة."
 البعض من مجموعة ال(66) تمت الإشادة به من طرف الجيش المغربي نفسه مثل دمبة ولد العيطة الذي استبسل لمدة يوم تقريبا يقاوم حتى نفذت ذخيرة دبابته. وليست فقط طريقة أسرهم هي التي أبهرت العالم، لكن صمودهم، أيضا، في سجن لقنيطرة كان رائعا. لم يستطيع المغرب، بكل ما يمتلك من مغريات، أن يزحزحهم عن موقفهم. تم إغراؤهم بالسيارات والرُتب والبنايات وكل ما يحلمون، لكنهم رفضوا، وقالوا للمغاربة إن وجودهم في السجن هو جزء من قضيتهم، وأنهم أسرى حرب ومشكلتهم عالمية. لقد فضلوا البقاء في ظلام وجحيم لقنيطرة من نعيم الإغراءات التي انهالوا بها عليهم.
إلى ظلام سجن لقنيطرة.. الزنزانة القبر
بعد عملية التحاق محمد ددش ومجوعته بالجبهة سنة 1979م لم يعد المغاربة يثقون في أي صحراوي قُبض عليه، خاصة في جبهات القتال. تولدت عندهم قناعة وهي أن الصحراويين لا ينفع معهم لا المال ولا الجاه، وأنهم متماسكين ولا يمكن أن يؤثر أي شيء على تراص قناعاتهم. أصبحوا يذهبون بكل صحراوي أُلقيَّ عليه القبض إلى ظلام سجن لقنيطرة. 
 في السجن المذكور تتوقف الحياة تماما. يتم إدخال الأسير إلى زنزانة هي أشبه بقبر. الفرق الوحيد بين الزنزانة والقبر هي إن الشخص الموجود في القبر ميت، بينما الشخص الذي في الزنزانة هو حي\ ميت. حي لأنه يتنفس ويحس، لكنه ميت لإن لا اتصال له بالحياة ولا بالعالم الخارجي. السجن المذكور بناه الفرنسيون زمن الاستعمار، لكن تم ترميمه قبل بداية الغزو المغربي للصحراء الغربية ليتم فيه سجن مقاتلي البوليساريو. إن الزنزانة \ القبر مبنية بطريقة هندسية خصيصا ليموت فيها السجين. كانت عبارة عن مساحة تصل إلى 1,5 عرضا و2 مت طولا. في عهد الاستعمار الفرنسي الذي بَنى السجن، كان في الزنزانة نوفيذة صغيرة يدخل منها بعض الضوء والهواء. حين رمم المغاربة السجن قاموا بسد تلك النويفذة الصغيرة وتركوا مكانها ثقبين فقط. في الباب أيضا ترك الفرنسيون بعض الثقوب للتنفس، لكن المغاربة قاموا بسدها جيدا ولم يتركوا سواء ثقبا صغيرا لا تخرج منه الإبرة. في الزنزانة يوجد " سرير" من الأسمنت، وعند نهايته توجد فتحة في الأرضية يقضي فيها السجين حاجته ويغتسل فيها. في الصيف تتحول الزنزانة إلى فرن وفي الشتاء تصبح عبارة عن ثلاجة. فهي أساسا مبنية من نوع من الصخور يحمى مع اشتداد الحرارة ويبرد مع انخفاض درجة الحرارة. ومما يزيد من حجم المأساة أن السجن نفسه مبني تحت لأرض تقريبا. فحين يبدأ الصيف يسخن إلى درجة يصبح معها الشخص يصرخ من الحرارة. في الشتاء أيضا حين تشتد البرودة يبدأ السجين يصطك من البرد فيبدأ يصرخ بهستيريا. في الكثير من الزنازن هناك فتحتان في السقف، وحين يريدون معاقبة السجين يفتحانهما في الليل حين تشتد البرودة فيسكبون عليه الماء البارد من الفتحتين حتى يكاد يغرق ثم يقومون بسدهما. في الصيف تحمى الصخور والاسمنت ويبدأ الصهد يعصر جسم السجين. يبدأ العرق ثم لا يلبث إن يجف بسبب قلة الماء في جسم السجين. يبدأ الحر يشوى السجين حتى يبدأ لحمه بالتفسخ. الحرارة الشديدة في تلك الزنازن تجعل البشرة الخارجية للسجين، الضعيفة أصلا بسبب سوء التغذية وقلة الأملاح وعدم التعرض للشمس، تتقشر وتتساقط. يبدأ الدم يسيل من عروق السجين. تزيد الحرارة، فتحترق الطبقة الثانية من البشرة. يبدأ يسيل سائل أصفر هو مزيج من الدم والماء. وإذا كان الماء نادرا وساخنا ويحرق البشرة فإن الهواء ينعدم في الزنزانة. يحاول السجين إن يتنفس فيفتح منخريه مطالبا بالهواء، لكن لا يصل إليه أي شيء ما عدا بعض الصهد. يبدأ السجين، كالمختنق، يطالب الهواء، ثم في النهاية يغمى عليه. الكثير من السجناء في تلك الزنازن كان يقضي النهار واقفا عند الثقب الصغير الموجود في الباب كي يستجدي بعض النسمات، لكن لا يأتي أي شيء.             
في الشتاء حين تبدأ الثلوج تتساقط في المرتفعات القريبة من لقنيطرة، يبدأ الماء يتجمد في زنازن\ثلاجات سجن لقنيطرة. تبرد الزنزانة والصخرة التي يسمونها سريرا إلى درجة تجعل السجين يقضي الليل يصرخ. لا يستطيع السجين الجلوس ولا البقاء واقفا 24 ساعة. يبدأ يتقلب يمينا ويسارا ثم، في الكثير من الأحيان، يُغمى عليه. وإذا كانت الحرارة في تلك الزنازن تجعل البشرة تتقشر وتتفسخ فإن البروة في الشتاء تجعل البشرة تتصلب وتتورم ويتغير لونها. تجف البشرة بسبب البرد إلى درجة يصبح لونها أزرقا. تتورم بعض المناطق من الجسم مثل الأصابع والعروق ويتغير لونها وحجمها. يبدأ التورم يصل إلى الركبتين والمفاصل والعظام. تتجمد كل السوائل في الجسم، ويبدأ الشعر يتساقط والأسنان تتحرك واللثة تتورم. في تلك الثلاجة( الزنزانة) شتاءا تصبح الحمى هي الرفيق الليلي للسجين. تبدأ الحمى تهز السجين بعنف من وقت المغرب حتى صباح اليوم الثاني، ثم تعود إليه في المساء الموالي. لا توجد أقراص أسبيرين ولا دواء ولا أي شيء مخفف للحمى. لا يوجد أي شيء. 
 على "السرير" يوجد غطاء واحد رقيق ممزق عمره عشرا ت السنوات. في السجن المذكور لا يتم تبديل الغطاء حتى لو تمزق وتحول إلى خيوط وخِرق. على الكثير من تلك الأغطية توجد بقع دم وبقع قيح صفراء تركها سجناء ماتوا أو مرضوا في تلك الزنازن. لا يوجد غِطاء إلا وعليه بقع دم وقيح، وآثار تعذيب. الزنزانة أيضا ممنوع تنظيفها أو غسلها. إذا وجودا أن سجينا ما قد نطف زنزانته أو غسلها تتم معاقبته. في غالبية الزنازن التي تم فيها سجن مجموعة ال 66 كانت هناك، بالإضافة إلى الدماء على الأغطية، آثار عِظام وقطع من جلد البشر وأضراس وأسنان ساقطة لسجناء ماتوا. حسب السجناء المغاربة الذين كانوا مع أبطال مجموعة ال 66 في سجن لقنيطرة، فإن السلطات سجنتهم في زنازن الذين كانوا محكومين بالمؤبد وماتوا. حسب تحليل إبراهيم وحبيب والمجموعة فإن وضعهم في تلك الزنازن المخيفة كان بهدف التأثير على معنوياتهم. كانوا يحشرونهم مع الموت والمرض في تلك الزنازن ثم، من حين لآخر، يأتونهم ويقولون لهم: إذا أردتم التخلي عن هذه القضية تخرجون اليوم وتتركون هذه الزنزانة وتدخلون في قصور خاصة بكم." نوع من الإغراء لا تمكن مقاومته ولا يستطيع أن يقاومه إلا من له إرادة من فولاذ. كانوا يقولون لهم: خلال ساعات فقط تجد نفسك في الحلم. تجد نفسك في قصر. المهم اطلب العفو. العفو يأتيك في أقل من ساعة. 
ورغم ذلك الإغراء المدمر واللذيذ في آن إلا إن المجموعة تماسكت وفضلت البقاء على العهد. في الزنزانة يأتونهم بلتر ونصف يوميا من الماء المالح والملوث. لا يعرف السجين ما يفعل بذلك اللتر ونصف. هل يشربه أم يغتسل به أم يشرب نصفه ويغسل بنصفه؟ مشكلة تقف أمام عيني السجين كل يوم. في الزنزانة، بسبب قلة الماء في الجسم، إذا تبول شخص( حشاكم) في تلك الفتحة التي يسمونها مرحاضا يخرج البول اصفرا وكريه الرائحة إلى درجة إن السجين يصاب بالغثيان. لا يعرف ماذا يفعل أمام معضلة مثل هذه. هي مشكلة حقيقية. وحين يقل الماء في الفتحة التي يسمونها مرحاضا، تبدأ فئران كبيرة تخرج من تلك الفتحة وتكشر عن أنيابها. أول مرة يرون فئران بهذا الحجم وهذه الشراسة. وليست الفئران هي توجد بأحجام وأعداد كبيرة في ذلك السجن، لكن القمل أيضا كبير وسمين ومتوحش. بسبب كثرته وكبره يكاد يجعل الغطاء المهتريء يتحرك. في تلك الزنزانة لا يأتي الحلاق ولا يوجد الحمَّام وينسى السجين معنى الاغتسال والصابون والحلاقة. يعيش الناس في تلك الزنزانات خارج الزمن ويموتون ببطء شديد. الأكل أيضا لا يوجد، وما يوجد منه هو عبارة بعض الخبز الذي تحول إلى شبه صوف أزرق من الداخل، وبعض الشعيرية العائمة في الماء. ينسون اللحم والخضر ويبقون يقتاتون على الماء الساخن وتلك الحبيبات الصغيرة التي توجد في الماء. وحتى إذا كانوا يطبخون لهم بعض الأرز أو الشعيرية فإن الحراس يقفون دون ذلك أيضا. فالحراس المكلفون بتوزيع التغذية على الزنازن يأخذون الخبز الصالح ويضعون مكانه خبز مصوف وجدوه في المزابل، أو يقومون بتصفية المرق فيأخذون الأرز أو الشعرية ولا يتركون إلا الماء المالح الساخن. 
بالنسبة للملابس، مثلها مثل الأغطية، لا توجد ولا يتم تبديلها ولا غسلها. فإذا دخل السجين إلى زنزانة يجد فيها ملابس وغطاء السجين الذي كان قبله، والذي يكون قد مات أو أُطلق سراحه. على السجين الجديد أن يلبس تلك الملابس سواء كانت أكبر منه أو أصغر. فإذا لم تكن تناسبه عليه أن يحشر فيها جسمه بالقوة. حين يكون السجين كبيرا مثلا ووجد في زنزانته ملابس شاب أو طفل عليه أن يلبسها. هذا هو القانون. فالذين يجدون ملابس أصغر منهم يقومون بتمزيقها ولفها حول أجسادهم، ومنهم من يستطيع في غفلة من الحراس أن يبادلها مع سجين آخر سريا. وإمعانا في السخرية من السجناء كان يُمنع حتى تبديل الملابس بين السجناء. كان البعض يلبس سروالا أكبر منه وآخرين يلبسون خرقة فقط. كانت تلك الملابس، مع مرور الوقت، تتمزق وتتمزق حتى تتحول إلى أسمال. وحتى إذا أرادوا خياطتها لا يجدون إبرة ولا خيطا ويبقون يصارعون ذلك الواقع في صمت. في ذلك السجن يمنع إدخال إبرة او خيطا أو أي شيء. في زنزانات الصحراويين الوضع أسوأ. فحسب تعليمات السجن للحراس، فإن الصحراويين يستطيعون الخروج من ثقب الإبرة ولا أمان فيهم، ويستطيعون التسلق بخيط من السجن. يجب معاملتهم أنهم أعداء يرفضون العفو، ويريدون الانتقام. كانت سلطات السجن متشددة مع المجموعة الصحراوية، وكانت كل مرة تذكر الحراس بما فعل محمد ددش ورفاقه. يتبع
السيد حمدي يحظيه

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...