إبراهيم الصالح حيمَّد (بوليساريو)
ذكريات مناضل ومقاتل وأحد ابطال مجموعة ال66(الجزء العاشر)
اليوم الذي عَرف فيه إبراهيم الأسر، وعَرف فيه أشجع رجل قاتل معه
شارك إبراهيم في كل المعارك الكبيرة التي خاضها جيش التحرير الشعبي الصحراوي، خاصة التي وقعت إبان هجمة هواري بومدين الكبيرة بين سنوات 1979م و1983م. كانت معركة يوم 14 فبراير 1976م في امكالا هي أول كملية كبيرة شارك فيها، وهي، أيضا، أكبرها وأشهرها. بعدها توالت العمليات الأخرى التي لا يمكن لذاكرة شخص ولا لذاكرة التاريخ أن تنساها ولا يمكن للزمن أن يمحوها منها.. من بين العمليات التي يذكرها إبراهيم ورسخت في ذاكرته هي معركة المحبس يوم 14 اكتوبر1979م. بعد السيطرة على مدينة المحبس وتحريرها توجه إبراهيم إلى داره التي كانت هناك في تلك المدينة الصامدة، مدينة الجبهة مثلما كانت تسميها أسبانيا. حين وقف على المكان وجد أن المغاربة سووا الدار بالأرض وحولوها إلى تراب وركام. لم يبق حتى أثرها في المكان الذي كانت شامخة فيه تتحدى أسبانيا. حزَّ في نفسه أن تكون الدار التي، رغم بساطتها كبناء، كانت معقلا للمقاتلين والمناضلين، تصبح في خبر كان.
شارك أيضا في لبيرات ولمسائل والكلتة وبئر نزران وكل العمليات الكبيرة. بدأ ينسى تلك المعارك لكثرتها، لكن إذا نبهه أحد ما بأسم معركة يقول أنه شارك فيها وقادها فلان وفلان وكنا في الجهة كذا.
حين أصبحت الناحية الثانية ناحية دروع كلها، وبدأت الدبابات والناقلات المجهزة بأطقم مدربة تدخل إلى الحرب انتقل إبراهيم إلى الناحية الثالثة.
يقع القدر الذي لا مفر منه. كانت منطقة حريشة ردي محاصرة من جميع الجهات. كان الجيش المغربي لا يتحرك خطوة إلا على جثث جنوده، وتحت النيران وصرخات الجرحى. كانت الصواريخ تنهال على ذلك الجيش المدفوع للهلاك من كل مكان. ولا يكثر القتل فقط لكن كانت النيران تلتهب، أيضا، في الآليات والمدرعات. على عكس لاندروفيرات التي إذا أصيبت يقفز ركابها وينجون، كانت الآليات المغربية إذا احترقت يحترق مَنْ بداخلها من الجنود. القوة التي كانت في حريشة ردي ذلك اليوم- يوم 30 ديسمبر 1983م- أصبحت في وضع حرج. التقدم كان مستحيلا والتراجع كان يعني الوقوع في يد المقاتلين الصحراويين الذين يطاردونها. كانت إذا احترقت لهم آلية يتجهون إليها محاولين إنقاذ ما بداخلها، لكن ما أن يتجمعوا حولها حتى يصيبهم صاروخ فيموت منهم الكثير ويبدأ صراخ الجرحى يرتفع. أصبح الوضع كارثياً ذلك اليوم. وكحل أخير قررت تلك القوة أن تتجمع وتقتحم إحدى الجهات لتفك عنها الحصار. اتجهت القوة نحو الجهة التي كانت فيها الناحية الثالثة. اختارت القوة الجهة التي كانت فيها الناحية الثالثة لإنها هي الناحية التي لم تكن تمتلك عتادا كبيرا مثل الدبابات والأليات. كانت ناحية مجهزة بتجهيزات خفيفة مثل الرشاشات ولا ندروفيرات والآليات الصغيرة. حين توجهت إليهم القوة جاء أمر بالانسحاب. في التكتيك القتالي الصحراوي، إذا حدث الانسحاب، تبقى دائما وحدات في الخلف للتغطية تكون مهمتها هي الرد على العدو وإنقاذ أي رفيق استشهد أو جُرح. ككل المعارك التي شارك فيها إبراهيم، كان إذا انسحب رفاقه يبقى هو وفصيلته في الخلف يؤمنون انسحابهم. في ذلك اليوم تكلف هو وجماعته بتغطية انسحاب رفاقه. كانت سيارة جماعته تسير في الخلف ترد على النيران التي كان الجيش المغربي يطلقها. فجأة شاهدوا أن سيارة لرفاقه كانت تحترق بعد أن أصابها صاروخ واشتعلت فيها النيران. ظنوا أن المقاتلين الذين كانوا فيها قد استشهدوا. شاهد إبراهيم بعض الأغطية المطوية والملفوفة متناثرة حولها فظنها أجساد شهداء. أمر سيارته أن تتوقف. قال لرفاقه: هناك جثث لشهداء. قالوا له أنهم لا يرون جثثا. حزَّ في نفسه أن يبقى في السيارة التي كانت تحترق بعض الشهداء. قال إبراهيم لسائق السيارة ماء العينين بوشلغة: لنذهب إليهم. قال له ماء لعينين: الجنود المغاربة يعرفون أننا، بديهيا، سنعود إلى السيارة لننقذ رفاقنا وسيسددون صاروخا على تلك السيارة حتى إذا وصلنا يطلقوه علينا."
كانت الصواريخ تتساقط في كل مكان. الدنيا نار ودخان، والقوة تزحف نحوهم. لم يكن أحد يرى أي شيء بسبب كثافة النيران والدخان. ظن ماء العينين، في نفسه، أن براهيم يريد أن يجازف في ذلك الموقف. فجأة قال له ماء لعينين: إذا كنت متأكدا أن هناك شهداء، نذهب لننقذهم ."
أصبحت السيارة المحترقة في قلب الجيش المغربي. قال له إبراهيم: لننجدهم." كانت مغامرة فعلا. بشجاعة نادرة ضغط ماء لعينين بوشلغة، السائق، على الدواسة فاتجهت السيارة طائرة مثل الصاروخ نحو الأخرى التي كانت تحترق. مشهد لا يمكن تصوره ولا تخيله. سيارة تتجه نحو نيران العدو وتتوغل بين سياراته بسرعة فائقة لإنقاذ مجموعة من الرفاق استشهدوا. لو كان واحد آخر مكان ماء العينين أو مكان إبراهيم أو احد رفاقهم كان يمكن أن يقول في لحظات مثل تلك أن السيارة احترقت وأصبحت في وسط العدو، ومن المعقول أن لا نكثر من الخسائر، أو كان يقول انه لا يريد أن يغامر بحياته. حين وصلوا كانت سيارات المغاربة قد أصبحت محيطة بهم من كل الجهات. لم يجدوا جثثا لشهداء ولا لأحد. كان المقاتلون، ركاب السيارة التي احترقت، قد نجوا بعد أن مرت عليهم سيارة أخرى لرفاقهم وحملتهم. لم يلحظ إبراهيم وجماعته ذلك. حين توقفت سيارة إبراهيم ورفاقه حدث الذي توقع ماء لعينين. أصاب صاروخ مغربي سيارتهم من الخلف. فعلا، حين شاهد الجنود المغاربة السيارة احترقت عرفوا، بديهيا، أن سيارة أخرى ستأتي لنجدتها، فسددوا نحوها صاروخا موجها. أصاب الصاروخ سيارة إبراهيم ورفاقه، فدمرها. أُلقي عليهم القبض جرحى وينزفون. استفاق إبراهيم من الصدمة والغيبوبة بعد أن أحس بشيء ساخن يتساقط على وجهه وعنقه. حين قبضوا عليه وعرفوا أنه حي، كتفوه ووضعوه في مؤخرة سيارة تحمل مدفع رشاش. أصبح رامي تلك السيارة حين يرمي يتساقط الظرف الفارغ ساخنا على وجه وعنق إبراهيم. كان مجروحا في لحيته، وكان الدم يسيل بغزارة. حملوهم جميعا في شاحنة عسكرية وساروا بهم، مكتوفي الأيدي والأرجل، إلى العيون. كانوا في الطريق يضربونهم ويدوسون عليهم بأحذيتهم الخشنة حتى كادت عظامهم تتهرس.
لم يكن إبراهيم في تلك اللحظات يحس بذلك الألم الجسماني العظيم والضرب ولا بالجرح. كان يعيد شريط أسره، خاصة اللقطة التي لن ينساها وهي انطلاق السيارة التي يقودها ولد بوشلغة نحو النار والعدو الأسر. كانت لحظة تجعل أشجع الرجال يحس بدق عنيف في صدره وقلبه. كان إبراهيم، حين يبقى يفكر وحده، يعترف لنفسه أن ولد بوشلغة هو أشجع رجل قاتل معه في معركة منذ بدأت الحرب.
لم يداووهم ولم يطعموهم ولم يسقوهم. كان الدم يسيل من جراحهم الكثيرة بغزارة، وحلوقهم جافة تتكسر من العطش مثل صحراء من الظمأ. كانوا يرفضون حتى مسح الدم الذي أصبح بركة تحتهم في الشاحنة. وضعوهم،- كل واحد في زنزانة- في السجن لكحل ليقضون ليلة من أسوأ ليالي حياتهم. في فجر يوم أول يناير 1984م، والعالم يحتفل بحلول العام الجديد، أعطوهم بعض الخبز الجاف وقليل من الماء المليء برائحة جافيل والملح. بسبب تلك الظروف غير الإنسانية استشهد مصطفى ولد لجبيشي الرامي الذي كا ن مجروحا ينزف. حملوا البقية بالطائرة مكبلين ومعصوبي الأعين إلى أغادير. يتبع
الكاتب: السيد حمدي يحظيه
