القائمة الرئيسية

الصفحات

إبراهيم الصالح حيمَّد (بوليساريو) ذكريات مناضل ومقاتل وأحد ابطال مجموعة ال66(الجزء التاسع)

        


إبراهيم الصالح حيمَّد (بوليساريو)
ذكريات مناضل ومقاتل وأحد ابطال مجموعة ال66(الجزء التاسع)
 اثنان استشهدا، واحد جُرح سبع مرات ورحل وهو-براهيم- وقع في الأسر
لم يكن أي واحد من أبناء الصالح ولد حيمد يظن أن يقع الذي وقع لهم. كان الوالد يريدهم أن يصبحوا مواطنين صالحين لا يحبون النصارى ولا يتعاملون معهم ولا يعملون عندهم ولا حتى يصافحونهم. نفس الشيء ربما كانت تريده الوالدة، مباركة، لهم. هي الأخرى كانت ذات كبرياء وكانت تترفع عن كل ما من شأنه أن يمس من سمعة العائلة المحافظة. لكن إذا كان الوالدان كانا يريدان أن يصبح أولادهم الأربعة الذكور رجالا عاديين لهم سمعة طيبة فإن القدر قد ذهب بهم إلى وجهة أخرى. أرادهم التاريخ أن يكونوا أبطالا مثلهم مثل الآلاف من أبناء شعبهم. فحين كان الأب الصالح يسأل عن أخبار ابنه البكر، محمد، كان هذا الأخير يهجم على مكازة الطانطان رفقة أكثر من 100 مقاتل صحراوي ويعود منها بخمس بنادق وحده. وحين كان الأب الصالح يريد من إبراهيم ابنه أن يبقى معه يساعده في رعى الإبل والغنم، كان هذا الأخير قد تسلح وهو في الرابعة عشر من عمره ببندقية تساعية من البنادق التي غَنَمَ محمد من الطانطان. وحين كان الأب الصالح يترجى من ولده المحفوظ، البار أن يلتحق بالمخيمات لإن بقاؤه في المنطقة المحتلة سيجلب له المشاكل، كان المحفوظ يدخل كل يوم تقريبا معركة مع المغاربة في بوكراع أو في الشوارع دفاعا عن الصحراويين. كان المحفوظ معروفا أنه هو كان كلما التقى بمغربي في أي شارع، حتى لو كان شريطا، فقد كان يصفعه أو يلكمه أو يبصق عليه. أما بشاري، الابن الأصغر، فكان عالما وحده. كان يقول لهم وهو صغير أنه سيقبض في يوم من الأيام على الشيطان والجن الذي تخافه الناس وتخشاه حتى لا يرعب أي أحد في المستقبل.. 
لما تأسست الحركة الطليعية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، بقيادة بصيري في سنة 1968م، التحق بها الإخوة الأربعة: براهيم ومحمد والمحفوظ وبشاري، وكل منهم لا يعلم أن الآخر هو مناضل سري في الحركة.  يوم 17 جوان ظهرت أسماؤهم في قائمة المطلوبين، لكن اختفوا عن الشرطة. محمد وإبراهيم والمحفوظ اختفوا في العيون، أما بشاري فهرب مع مجموعة من رفاقه إلى موريتانيا على الأقدام. حين عاد كانت رجلاه لا زالتا تحملان أثار التورم والمشي الطويل.  
لمَّا اندلعت الحرب، بعد غزو المغرب للصحراء الغربية، قفز كل من براهيم ومحمد وبشاري في صفوفها الأولى، أما المحفوظ فبقى محاصرا في العيون رفقة والده الصالح. ورغم أن الأب طلب من أبنه المحفوظ، عدة مرات، أن يلتحق بالجبهة لإن المغاربة لن يتركوه وشأنه، إلا أنه أبى أن يترك والده وحده في المدن المحتلة. كان يقول له أنه سيناضل من الداخل وسيتكلف به، وأنه لا يستطيع أن يتركه وحده. حين بقى المحفوظ في العيون كان عضوا نشطا وجسورا في النضال السري، وكان هو الوحيد، ربما، الذي كان المناضلون يتجمعون في داره علانية في الأيام الأولى للاحتلال. ولم يكن فقط مناضلا جسورا ضد الغزاة المغاربة، لكن أيضا كان مدافعا شرسا عن حقوق العمال في بوكراع. كان حين يتعرض عمال صحراويون للإهانة أو تهدر حقوقهم في العمل كان هو ينبري يدافع عنهم. في إحدى الليالي حين كان يدير اجتماعا سريا في داره كانت قوات الأمن السرية المغربية تترصده. في تلك الليلة قرروا التخلص منه. كانت التهمة بسيطة: المحفوظ الذي يثير المشاكل في العمل في بوكراع، ويثير المشاكل في المدينة هو مناضل في جبهة البوليساريو ويعقد الاجتماعات في داره. في الصباح حين توجه للعمل تبعته شاحنة صهريج كبيرة حمراء ودهست سيارته حتى سوتها بالأرض في الطريق فاستشهد. الشاحنة الحمراء المذكورة هي شاحنة معروفة في المدينة، ويعرف الصحراويون أنها إذا تبعت أحدا فإن معنى ذلك أنها ستقضي عليه. هي شاحنة للمخابرات المغربية وسبق لها أن قتلت الكثيرين في حالات مشابهة. 
في العيون كان المحفوظ، حين علم بأن إخوته كلهم أصبحوا مقاتلين في الصفوف الأمامية للجيش الصحراوي، يقول بحماس:" إن أبي وأمي أنجبا رجالا نفتخر بهم ويفتخر الصحراويون بهم أيضا."  
 إن التواجد في الصفوف الأمامية للحرب، خاصة إذا كانت حربا شعواء، مثل التي حدثت في الصحراء الغربية لم يكن لعبا ولا تسلية ممتعة. إن منْ تواجد في خطوط النار، ويوميا، لن يخرج – هذا أكيد- سالما بدون خسائر. كل الذين خاضوا الحرب اليومية في الصحراء الغربية في الصفوف الأمامية جُرحوا أو استشهدوا أُو أسروا، والذين نجوا من شظايا تلك الحرب هم قلة. فحين كان محمد يقود قافلة إمداد في نهاية سنة 1977م متجها نحو قطاع الجنوب فاجأته قوة مغربية كانت مكمنة في الطريق عند ﯕـرارة الكرشة. انسحبت القافلة بدون نظام وتفرقت في الصحراء الشاسعة، أما هو فقد أراد له القدر طريقا أخر. حين أراد الانسحاب غاصت عجلات شاحنة الصهريج التي كان فيها في مقدمة القافلة في الرمال. كانت شاحنة الصهريج تلك مملوءة بالبنزين، وهو مادة نادرة مثل الذهب في تلك الأيام، وينتظرها المقاتلون في النواحي البعيدة مثلما ينتظرون ماء الشرب. عزَّ على محمد أن يترك تلك الشاحنة الكبيرة الجديدة المملوءة بنزينا في يد العدو. حدث له، ربما، ما كان يحدث للفارس العربي القديم مع فرسه. كانوا في القديم إذا جُرح فرس فارس لا يتركه ويبقى معه حتى يخلصه أو يموت أو يؤسر معه. كان أي فارس هرب عن فرسه وتركه مجروحا أو تركه في يد العدو يُعتبر جبانا. رفض محمد في ذلك اليوم أن يترك صهريج البنزين الذي ينتظره المقاتلون بفارغ الصبر غنيمة في يد العدو. ورغم أن السائق الذي كان يقود تلك الشاحنة قفز منها والتحق برفاقه وطلب منه النجاة وألح عليه إلا أن محمدا أبى. كان عنده متسعا كافيا من الوقت كي يلتحق بسيارة أخرى من سيارات القافلة مثلما فعل السائق وينجو، لكنه رفض. حاصرته القوة المغربية من جميع الجهات، فحفر خندقا بين عجلات الشاحنة وبدأ يقاتلهم. كان يريد إن يرسم معهم معركة لمدة طويلة فربما تأتيه النجدة أو يحل الظلام فينسحبون ويتركون الشاحنة له. كان لا يطلق إلا طلقة قاتلة. قتل منهم العشرات. كان عنده من الذخيرة ما يكفيه لعدة ساعات..هم، أيضا، بسبب تعطشهم لأسر جندي صحراوي، كانوا يريدون أسره حياً. لكن كان من يتقدم يموت. منذ الضحى وهو يخوض معركته وحده معهم مثل جيش من الرجال حتى المساء. حين عرف المغاربة إنهم خسروا معركة أسره حيا أطلقوا عليه النيران بكثافة حتى استشهد. حين بلغ خبر استشهاده والدته تحملت الأمر بنوع من الصبر الذي لا مثيل له. 
استشهد المحفوظ واستشهد محمد، وبقي إبراهيم وبشاري الذي رحل فيما بعد متأثرا بحراج قديمة، والأخوات مريم، ومغلي والسالكة. لكن الحرب لا ترحم وتنتقم دائما من الذين يقفزون إلى صفوفها الأمامية. استشهد الابن البكر لأختهم مريم ، المهدي محمد مبارك، هو في ريعان الشباب. بشاري جُرح سبع مرات، وكان كلما شُفي يعود إلى الحرب من جديد فيجرح. قام بالكثير من الخوارق التي يرفض هو ذكرها لكن يذكرها أصدقاؤه. بالنسبة لإبراهيم وقع في الأسر. لم ينجوا أي واحد من الإخوة الأربعة الذين كان ولدهم ووالدتهم يتمنون أن يصبحوا رجالا عاديين. وليست عائلة الصالح ومباركة هي وحدها التي فقدت الأبناء وجُرح لها الأبناء وأسر لها الأبناء، لكن الكثير من العائلات – الأكثرية- حدث لها نفس الشيء. إن هذه العائلة هي فقط رمز لتضحيات الشعب الصحراوي بأبنائه من اجل الوطن.
بالنسبة لزوجته ملوحة احمد عمار فقد كانت من أول عريفات التنظيم ولازالت إلى اليوم مناضلة. يتبع
الكاتب: السيد حمدي يحظيه

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...