رغم تواضع هذا الاسم، وابتعاده عن الأضواء إلا أنه جمع كل مقومات البطولة في أسمى معانيها. فهذا البطل عاش حياة وتجربة حافلة بالعطاء والتضحية والقتال والسجن قلّ من عاشها. وهو في عمر ستة عشر سنة، شارك في تكسير مخزن السلاح في الطنطان وغنم بندقية، وحين تأسست حركة بصيري سنة 1969م كان من أوائل من انضموا إليها، وأقسم على المصحف الشريف بحضور بصيري على الوفاء للقضية الوطنية. بسبب نشاطه النضالي سجنته أسبانيا، وما أن خرج من سجنها حتى صعد إلى الجبال كمقاتل في صفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي. وهو يقاتل في إحدى المعارك سنة 1984م، أُلقى عليه القبض وهو يقود رجاله في المعركة، وقضى حوالي ثلاثة عشر سنة في السجن. وليس هو فقط الوحيد في عائلته من كان بطلا، لكن أشقاءه انتهوا شهداء وجرحى. لقد شاركته هذه التجربة الحية، بما فيها من نضال وبطولات وقتال، زوجته ملوح أحمد عمار، التي بدأت حياتها مناضلة وواصلت الدرب. إنها قصة أحد مقاتلي ومناضلي الشعب الصحراوي، لكنها قد لا تبقى محصورة عليه هو وحده، إنما يوجد الالاف من الرجال الابطال الصحراويين أمثاله.
تساعية مغنومة من كَسْرِ مـﯕازة الطانطان
في سنة 1942م أزداد براهيم الصالح في وادي الساقية الحمراء من عائلة صحراوية. هذا، باختصار، ما هو مكتوب في "الدفتر العائلي" الشفهي لكل صحراوي أزداد في تلك الفترة. لا توجد بطاقات ولا دفتر عائلي ولا أي شيء يخص اليوم والشهر في ذلك الوقت.
في سنة 1956م، حين كان عمره 14 سنة فقط، بدأت المنطقة المجاورة للصحراء الغربية تعرف بعض التململ والحراك.
أثناء العملية التي حملت اسم أورغان – أوكوفيون شعبيا- التي بدأت في نهاية جانفي 1957م، فتح إبراهيم عينيه وشاهد وهو في الرابعة عشر من عمره، الطائرات الفرنسية والأسبانية الصفراء تغزو سماء وادي الساقية الحمراء مثل الجراد، وتمطر الأرض قنابلا وقذائفا، وترمي رسائلا ومنشورات من السماء. لم يفهم إبراهيم أي شيء، لكن بعض أقاربه قالوا له أن تلك المناشير والرسائل، التي كانت الطائرات ترمي من السماء، تقول إن من أراد النجاة من المدنيين والمسلحين من جيش التحرير عليه أن يبقى جنوب وادي الساقية الحمراء، وأن يرفع علما ابيضا فوق خيمته أو فوق جمله، ومن لم يفعل سيتم حرقه بالطائرات والقنابل. على مدى أكثر من أسبوعين كان إبراهيم يشاهد ذلك المشهد يتكرر يوميا: الطائرات تقصف وترمي القنابل والمناشير، وعلى الأرض كانت الحركة دائبة في اتجاهات مختلفة: البعض يرفع العلم الأبيض ويذهب إلى جنوب وادي الساقية، أما البعض الآخر، خاصة المسلحين، فكانوا يذهبون إلى شمال الوادي العظيم ويختفون في الضباب دون مبالاة بالمناشير.
أثناء ذلك الحراك المستمر أدرك إبراهيم أن شقيقه الأكبر، محمد، الذي كان دائما يحمل سلاحا، كان قد قطع الوادي متجها شمالا رفقة رجال آخرين مسلحين. أدرك أيضا أنه لم يحترم المناشير ولا تحذيرات الطائرات، ولم يرفع الراية البيضاء مثل الذين قطعوا الوادي متجهين إلى الجنوب، وأنه ستتم مطاردته وربما حرقه بالقنابل.
وقع ذلك فعلا. لجأ المسلحون الذين كان ينضم إليهم محمد الصالح، شقيق إبراهيم، إلى جنوب المغرب، خاصة إلى طنطان وﯕـليميم، طلبا للسلامة. حين وصلوا تم توقيفهم وتجريدهم من السلاح، وطُلب منهم الانضمام إلى الجيش المغربي أو السجن. رفضوا تلك الأوامر فاتهموا بالخيانة، وبدأت الاعتقالات في صفوفهم دون التمييز بين المدني والمسلح.
ركَّز المخزن المغربي على سلاح الصحراويين، وبدأ يجمعه بالقوة أو بالشراء. تم تجميع ذلك السلاح في مخازن كبيرة في طانطان تابعة للشرطة المغربية. أحدثت العملية استياء كبيرا في صفوف الصحراويين الذين تم تجريدهم من السلاح. في الثقافة الصحراوية، تاريخيا، إذا أراد أحد ما أن يهين الصحراوي، كان ينتزع منه سلاحه. كان الرجل بلا سلاح يعتبر في مرتبة النساء، وكانوا يقولون: أفضل للرجل أن يُنزع عنه سرواله من أن يُنزع منه سلاحه."
في إحدى الليالي تجمع الكثير من عناصر جيش التحرير الصحراوي الغاضبين – حوالي 100- في ضواحي مدينة الطانطان، وقرروا تكسير المـﯕازة واستعادة سلاحهم والعودة إلى بلادهم. بالنسبة لأولئك الرجال، أصبحت أسبانيا وفرنسا والطائرات التي ترمي القنابل أرحم بكثير من المخزن والمغرب الذي كانوا يظنونه بلدا مسلما، ويمكن أن يستضيفهم ويحميهم.
الذين كسروا مخازن السلاح في تلك الليلة التاريخية حملوا ما استطاعوا من البنادق إمَّا على الإبل أو على ظهورهم، وغادروا المدينة في الظلام متجهين إلى أهلهم في الصحراء الغربية. إن تلك العملية الجريئة كانت بمثابة القطيعة النهائية بين الصحراويين والمغرب. فَهِم الصحراويون أخيرا أن المغرب، خاصة المخزن والقصر، هو عدو تاريخي، وأنه ليس بالبلد الذي يمكن الركون إليه في حالة الخطر.
من بين الذين شنوا الهجوم على مـﯕازة السلاح بطانطان وغنموا البنادق واستولوا على السلاح والذخيرة وهربوا به في الليل نجد محمدا، شقيق إبراهيم الصالح الأكبر. حمل محمد خمسة بنادق وحده على ظهره، وخرج مع المجموعة في الظلام. كان عليهم، جميعا، أن يقطعوا مسافة طويلة على الأرجل قبل أن يستولوا على جِمال للمخزن المغربي ويحملوا عليها السلاح. بعض السلاح تم حمله على شاحنة والتوجه بها إلى السمارة في نفس تلك الليلة، وتم توزيعه في اليوم الموالي على كل من يريد محاربة المغرب. في الصباح استنفر المخزن يبحث عنهم، لكنهم كانوا قد نجوا ووصلوا إلى الحدود الصحراوية، واختلطوا مع السكان في تلك البوادي الواسعة. حين وصل محمد إلى عائلته قام بتوزيع البنادق الخمسة على الرجال، وكان من نصيب إبراهيم، ذي الأربعة عشر سنة، بندقية تساعية. قال له محمد حين سلمها له:" هذه التساعية اصطادوا بها ودافعوا بها عن أنفسكم إذا أعترض طريقكم مسلح أو حاول نهب مواشيكم." كان العدو الذي كان يعني محمد هو عصابات المخزن التي كانت تجوب الحدود وتعتدي على الصحراويين.
في الحقيقة، بعد تلك العملية ( تكسير المـﯕازة) استنفر المغرب على الحدود، وبدأ يجند بعض المرتزقة كي يقومون بإثارة الرعب في صفوف الصحراويين، خاصة سكان بوادي وادي الساقية الحمراء. كان رجال المخزن والمرتزقة المغاربة المجندون يدخلون الحدود سريا ويطلقون النار على الناس لترويعهم، أو يختطفون بعض مواشيهم، ويشيعون في الناس أن من قام بذلك هم قطاع طرق أو مجموعات قبيلة من أصل صحراوي تقيم في الجنوب المغربي و"خارجة عن القانون".
في أحد الأيام التي تلت الهجوم على المـﯕازة شاهد إبراهيم أخاه الأكبر محمد ومجموعة من الرجال يتأهبون للسفر ويحملون أسلحتهم. فهِمَ أنهم ذاهبون للهجوم على المرتزقة المغاربة الذين كانوا يجوبون الحدود ويعتدون على الناس وعلى الأسبان. الذين عاشوا تلك الفترة يقولون الآن أن أسبانيا، وحتى لا تثير المشاكل مع المغرب، طلبت من الصحراويين سريا إن يردون بالمثل على استفزازات المغرب. كانت السلطات الأسبانية تقول للصحراويين حين يشتكون من المضايقات المغربية أنها لن تتدخل ولن تسجن أي شخص دافع عن نفسه في حدود الصحراء. أكثر من ذلك كانت تمدهم، سريا، بالسلاح والجمال والمؤن. بالفعل أصبح الصحراويون يقومون بما كان يجب أن تقوم به أسبانيا: الدفاع عن حدود الإقليم الواقع تحت حمايتها.
كان إبراهيم يسمع أخاه ومجموعته يقولون: ذاهبون نستعيد حقنا الضائع". لم يفهم، لصغر سنه، ماذا كانوا يعنون. الحق الضائع الذي كان محمد ومجموعته يعنون، هو مجموعة من الجمال كانوا قد دخلوا بها إلى المغرب أيام عملية اوكوفيون ونزعها منهم المخزن هي والسلاح حين كانوا في جيش التحرير.
ذهب محمد ومجموعته وتوغلوا في الحدود المغربية يبحثون عن أي شيء له صلة بالمخزن. عثروا على أغنام وجِمال يحمل رعاتها بعض السلاح المتشابه، ولهم لباس شبه موحد ويتحدثون بلهجة غير مفهومة. حين تأكدوا أنها لأحد القادة( رتبة مغربية يمنحها المخزن للموالين له) في قرية غير بعيدة عن الطانطان، استولوا عليها وعادوا بها إلى الصحراء. أخبر أحد الرعاة شرطة المخزن بما حدث فتبعتهم بسيارة جيب للمخزن على متنها أربعة رجال مسلحين ويلبسون ملابس مدنية يخفون تحتها الأسلحة. حين وصلوا إليهم أخذ محمد ومجموعته وضعية الرماية والدفاع، وأمروا أحد رفاقهم إن يذهب بالجمال والأغنام. توقفت السيارة حين أحست بالخطر، وبدأ أصحابها يتحدثون مع مجموعة محمد ويقتربون. حين وصلت السيارة إلى اقرب نقطة، طلب منها محمد ورفاقه أن لا تتقدم خطوة واحدة وإلا ستتعرض لإطلاق النار. وقف احد ركاب السيارة وقال لهم: نعطيكم عهد الله وميثاقه أن لا نؤذيكم. ابعثوا لنا واحدا منكم يتحدث معنا. حين سمعت المجموعة" عهد الله"، " أمان الله" أدركوا أنهم مسلمون، وظنوا أنه لا يوجد بشر على وجه الأرض، خاصة إذا كان مسلما، يستطيع أن ينقض عهد الله أو ينكثه. ترك محمد سلاحه في مكانه وتقدم منهم. حين وصل إليهم انقضوا عليه وأشهروا في وجهه السلاح وحملوه بالقوة، وانطلقت به السيارة بسرعة هاربة. بقى محمد عاما كاملا في سجن الطانطان دون أن تسأل عنه أسبانيا أو تطالب به رغم علمها بوجوده معتقلا. بعد مُضي عام كامل على سنجه استغل محمد غفلة الحراس وكسر النافذة وهرب ليلتحق بأهله في وادي الساقية الحمراء. يتبع
الكاتب: السيد حمدي يحظيه
