القائمة الرئيسية

الصفحات

عام الخمسينيات… وأيُّ عامٍ؟

يمضي عام 2025، ويُطوى معه فصلٌ ثقيل من الذاكرة الوطنية، عامٌ لم يكن عاديًا في تسلسل الزمن، بل عام الخمسينيات الوطنية؛ خمسينية الإعلام، وخمسينية الوحدة الوطنية، وخمسينية المجلس الوطني، خمسينية إعلان الجمهورية... خمسون عامًا من التضحيات والتراكم الرمزي والسياسي، كان يفترض أن تجعل من هذا العام محطة استثنائية للمراجعة والتجديد، لا مجرد مناسبة عابرة تُؤدَّى فيها الطقوس ثم يُطوى الملف.
غير أن عام الخمسينيات خُلِّد بصيغة لا تليق بوزنه الزمني ولا بحجم ما يحمله من دلالات، ولا بمستوى التحديات الماثلة في الواقع. خُلِّد باهتًا، بلا جديد يُذكر، وبلا رؤية واضحة، وكأن الذاكرة استُحضرت لتُستهلك، لا لتُفَعَّل، وكأن التاريخ أُريد له أن يبقى في الماضي، لا أن يكون أداة لفهم الحاضر وصناعة المستقبل.
كان المنتظر من خمسينيات بهذا العمق أن تكون لحظة تقييم شامل ومسؤول: أين نحن بعد نصف قرن؟ ماذا تحقق من وعود الجمهورية؟ ما الذي بقي معلقًا؟ وأي أفق يُقدَّم للأجيال الجديدة؟ غير أن الخطاب الغالب ظل أسير التكرار، يعيد إنتاج الشعارات نفسها، ويستدعي الرموز دون أن يربطها بسؤال السياسات والاختيارات الكبرى.
على المستوى السياسي، لا تزال الإشكالات البنيوية قائمة؛ أزمة تمثيل، وتراجع الثقة في المؤسسات، وغياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب التحولات الداخلية والتحديات الخارجية. خمسون عامًا كان يفترض أن تُفضي إلى نضج سياسي وتجديد في النخب والخطاب، لكن الواقع يكشف عن دوران في الحلقة نفسها، بأدوات مستهلكة ورؤى محدودة الأفق.
أما على الصعيد الاجتماعي، فتزداد الهوة اتساعًا بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي. تتراكم الأعباء اليومية، ويتفاقم الإحساس بالتهميش، ويشعر المواطن بأن الاحتفال لا يمسّ حياته ولا ينعكس على شروط حياته. خمسينية الوحدة الوطنية كان الأولى أن تُترجم إلى سياسات إنصاف وعدالة اجتماعية، لا إلى عناوين فضفاضة تفتقر إلى الأثر.
وفي البعد الدبلوماسي، يفرض السياق الإقليمي والدولي تحديات متسارعة لا تحتمل الارتجال ولا الاكتفاء بردود الفعل. خمسون عامًا من التجربة كان يفترض أن تنتج دبلوماسية واثقة، مبادرة، قادرة على تحويل القضايا العادلة إلى أوراق قوة حقيقية، لا إلى ملفات تُدار بمنطق الحد الأدنى.
أما المجال العسكري والأمني، فهو بدوره يواجه تعقيدات متزايدة في عالم لم تعد فيه التهديدات تقليدية. واستحضار تضحيات الشهداء، على رمزيته، لا يكفي ما لم يُقرن باستراتيجية واضحة، وتحديث مستمر، وربط حقيقي بين الأمن والتنمية، وبين القوة والشرعية الشعبية.
وحيث تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع على الأرض، يتبدّى أن تخليد الخمسينيات لم يكن سوى إعادة إنتاج لنهجٍ مناسباتيٍّ مستهلك، يعجز عن ملامسة جوهر التحديات، ويتهرّب من الأسئلة الكبرى المرتبطة بالشرعية والتمثيل والعدالة الاجتماعية والسيادة. فكلما ارتفع منسوب الاحتفال، تعمّق الإحساس العام بأن الذكرى استُخدمت للتغطية على العجز بدل مواجهته، ولتجميل القصور بدل معالجته، في مشهد يُكرّس القطيعة بين الذاكرة والفعل، ويُفرغ التاريخ من دوره بوصفه رافعة للمساءلة والبناء، لا مجرد مادة للاستهلاك الخطابي.
ويمضي عام 2025، تاركًا خلفه سؤالًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه: هل كانت هذه الذكريات، محطات لمصارحة وطنية شجاعة، أم فرص أُخرى أُهدرت؟ سؤال سيظل معلقًا، إلى أن يتحول الاحتفال إلى التزام، والذاكرة إلى مشروع، والتاريخ إلى مسؤولية بحجم ما قدّمه الشهداء، وما ينتظره الوطن.
سلامة مولود اباعلي.










إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...