ينحدر الفقيد النعمة سعيد الجماني من عائلة ذائعة الصيت وشهرتها متخطية الآفاق ،فأبوه المرحوم الشيخ سعيد الجماني كان سيد قومه المطاع ولايصدر رأي ولامشورة إلا بإذنه ، وأخوه الشيخ خطري ولد سعيد ولد الجماني كان رئيس الجمعية العامة بالساقية الحمراء ووادي الذهب أو ما يعرف ب : "المقاطعة 53 بالصحراء الإسبانية" إبان الحقبة الإستعمارية والتي كانت- الجمعية العامة- تدير وتنظم وتشرف على شؤون سكان تحت الحكم الإسباني .
نشأ المرحوم النعمة سعيد في هذا الجو السياسي بإمتياز وواكب جميع الأحداث من منتصف ستينيات القرن الماضي وهو طالب يزاول دراسته ،فأهَّلته بعد ذلك ثقافته ودرايته باللغة الإسبانية أن يكون محل ثقة وسند وعون لأخيه الذي في كل مرة يكلفه بمهام سرية وأخرى علنية ،وشارك وساهم في إنتفاضة سبعين وتجذر وعيه وإيمانه بعدالة قضية شعبه في الحرية والإستقلال بعد ذلك ليكون من الطلائع والرعيل الأول الذي أسس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ،فمن منا لا يعرف النعمة سعيد الجماني الوزير والطبيب الذي كان يمسك البندقية بيد ويقارع الأعداء بساحات الوغى ،واليد الأخرى يضمد بها جراح شعبه الذي قال عنه الشاب المثقف قائد الناحية العسكرية الأولى أو مواجهة الشمال الشهيد سيدي حيذوك أغمد الله عظامه بالجنة :
طب الشعب أمَّالو صعيب
فيه الموت والضيَّاعو
(عجز البيت المشهور....)،
ويطبب -اليد- بها المصابين وتنزع بمشرط الجراحة الشظايا والمقذوفات من جسد الرفاق والمعركة محتدمة .
ومن منا لا يعرف ذلك المسيِّر المتميز الوالي والدبلوماسي المحنك الذي رافع عن قضية شعبه في مختلف أصقاع العالم حيث إلتقى الرؤساء والزعماء وظفر بالدعم اللازم والمواقف الثابتة نصرة لمباديء ثورته وأهدافها النبيلة ومن أبرزها اللقاء التاريخي الذي جمعه برئيس روسيا الإتحادية فلاديمير بوتين وصديق الشعب الصحراوي الرئيس الراحل فيدال كاسترو ،كما كان له دور بارزاً في تنسيق لقاءات بين الجبهة وبعض دول الخليج العربي (الإمارات وقطر) توج بدعم مادي للشعب الصحراوي.
لقد كانت حياة الفقيد النعمة سعيد الجماني حافلة بالبذل والعطاء وشاهدة على مسيرة رجل عاش بسيطاً ومتواضعاً غير محبٍ للأضواء ، *لكن هناك محطات تاريخية أخرى يجهلها الكثيرون سنورد بعضها في هذا المقال ربما ينشر لأول مرة* أو بالتأكيد لا يعرفه الكثير عن بعض أدوار المرحوم النعمة سعيد الجماني :
● في 16 ديسمبر سنة 1965م أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العشرين قرارها التاريخي رقم2072 القاضي بتحرير إقليمي إيفني والصحراء الغربية من السيطرة الإستعمارية، مما أثار تحفظ رئيس الجمعية الشيخ خطري سعيد الجماني ومشايخ وأعيان المنطقة بسبب عدم إشراك ومشورة شعب الصحراء الغربية الذي غييب عمداً، لكنهم إتفقوا على التجاوب معه -القرار- وتأييده والمطالبة العلنية بإستقلال الصحراء الغربية ، فقام رئيسهم ببعث رسائل إلى الجنرال فرنكو والجمعية العامة للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ودول الجوار (الجزائر - المغرب - موريتانيا ) وقد حمل الرسالة الموجهة إلى المخطار ولد داداه الطالب آنذاك النعمة سعيد الجماني حيث سافر إلى جزر الكناري وأودعها خفية عن أعين السلطات الإستعمارية البريد "بلاس بالماس" ، هذه الرسالة صرح بها أحد وزراء موريتانيا الذي إلتقى الرئيس الراحل محمد عبد العزيز والوفد المرافق له وكان من بينهم الفقيد النعمة على هامش إحدى دورات الإتحاد الإفريقي بداية الألفية ،حيث أكد الوزير أنها مازالت إلى حد اللحظة بالأرشيف في العاصمة نواكشوط.
● عندما رفعت الإدارة الإسبانية السرية عن وثيقة إستجواب الفقيد محمد سيد إبراهيم بصير ورد فيها أن من بين أكبر ممولي إنتفاضة 1970م بالزملة التاريخية كان الشيخ خطري سعيد الجماني وإخوته الذي من بينهم فقيد الشعب الصحراوي النعمة سعيد.
(نص الإستجواب نقله من الإسبانية إلى اللغة العربية الكاتب الكبير السيد حمدي يحظيه).
● في بداية سنة 1975م كلف رئيس الجمعية الشيخ خطري سعيد شقيقه النعمة سعيد بتنسيق وتحضير لقاء تاريخي سري مع الأشقاء بالجزائر ممثلة بالسيد عبد العال أرزقي والشيخ الجليل محمد ولد الطلبة - كونه من أعيان منطقة تندوف ويحمل الجنسية الجزائرية- وجبهة البوليساريو ممثلة في شخص زعيمها الشهيد الولي مصطفى السيد وهو ما حدث لاحقاً شهر ماي من نفس السنة عند المنطقة الحدودية المعروفة ب (صواصانت كانز "75") ،حيث إلتقاهم الشيخ خطري سعيد والوفد المرافق له القادم من المنطقة وبعلم الحاكم الإسباني آنذاك بالصحراء الغربية ، حضر اللقاء أيضاً مع المذكورين أعلاه كل من: أعلاتي ولد ميارة ولارباس سعيد والخليل ولد بهاها والنعمة سعيد .
*(تفاصيل أكثر عن هذا اللقاء وأشياء أخرى ، ستنشر بحول الله قريباً في موضوع يتعلق بالشيخ خطري ولد سعيد ولد الجماني أو الرجل الذي ظلمه شعبه وخذله رفاقه...!!!).*
وهكذا يكون الفقيد النعمة سعيد الجماني آخر الأخوة رحيلاً الذين لبوا نداء الثورة ، فقبله كان لارباس وقبلهما كان إبراهيم رحمهم الله جميعاً وهم أبناء الشيخ سعيد الجماني وإخوة شيخ الصحراء خطري ولد سعيد ولدالجماني الذي ستكون لنا معه وقفة بإذن الله فيها كثير من العتاب والشَّجَن والحقائق التي حجبها نزق الثوار وأخرجها التاريخ من أرشيفه دون أن يطلب الإذن من أحد.
رحم الله فقيد الشعب الصحراوي النعمة سعيد الجماني وأسكنه فسيح الجنان وألهم شعبه وأهله وذويه جميل الصبر والسلوان .
إنا لله وإنا إليه راجعون.
كل التقدير والإحترام
------------------------
مولود محمد الحسين
