دعوني أكتب عن حريتي المسلوبة ، دعوني أكتب حرةً أبية ، أريد أن أبوحَ عن واقعي المنسي ، حتى يدرك العالم يومًا أن هناك أبرياء يعيشون تحت الحرمان ، ووطن سرقه الإحتلال.
الصحفية جتوهة مصطفى رمضان تكتب :
قصة : لالة "أمكالة"
تقول لالة نشأتُ بين عائلةٍ صحراوية بمخيمات اللاجئين الصحراويين ، لدي أربعة أخوة ، ثلاث بنات وأخ وحيد، قضيتُ طفولتي مابين البدية ومخيمات العزة والكرامة، لم أُكملْ دراستي منذُ المستوى الثالث متوسط لأسبابٍ خاصة، فاخترتُ البقاء رفقة جدتي التي فضلتْ منطقة "اتفاريتي" و "فضرة لقطف" "وفضرة لفرص" واعراريض" واد بوخزامة" مسكنًا لها ، هدوءُ البادية وروعةُ الطبيعة جعلتني مولعةٌ بالشعر الحساني والإستماع للقصص الشعبية القديمة ، تُعلمني "أمّة" كيف أتخذ منهم العبر وتدوين ما أمكن من أمثلة وحكم ، علمتني البادية كذلك أمور كثيرة كنت أجهلها، فرغم الإعتكاف والبعد عن الأهل والأحباب كنا نأنس للطبيعة ونحنُّ للمطرِ، حيث كان ثغاءُ الماعز ورغاءُ الجمال يقتل هدوء المكان المنعزل، لم أكن أتوقع يومًا أن أعيش هكذا حياة ، فلا صراخ الأطفال ولعبهم بين الخيّم يوقظنا ولا ضجيج سيارات "الأندروفير" يزعجنا ،نقضي جل وقتنا بين مطاردة الماعز وتبادل جلسات الشاي مع أهل " البشير" ، علمتني " اتفاريتي المحررة "أيضًا كيف أتعامل مع الآخرين ،كيف أتخذ القرارت بمفردي ،علمتني كيف اتحمُّل المسؤولية تجاه عائلتي وأخوتي وكيف أُصبح امرأة ناجحة في قادمِ الأيام، كنا نعتمِد علی لبن الغنم بالدرجة الأولی ومأكولات تقليدية.
في تلك الفترة كانت "فاتي " و "نجوی" اللاتي يصغرنني سناً تواصلا الدراسة بالجزائر باستثاء أختي الكبری" الواعرة " التي تزوجتْ سنة 2004 وتعيش الان حياةً مستقرة رفقة أبنائها بإسبانيا.
ذات يوم مرضتْ " أمة" التي كانت تشكو في الفترة الاخيرة من المفاصلِ وعدةِ أمراض أخری مما جعلنا نتخذُ قرار العودة لأمگالة (المخيم) ، بعد ثلاثةِ أشهر من عودتنا استيقظنا يوم الثلاثاء مارس 2008 فجرًا على خبر مؤلم حوّل حياتنا إلى كابوس ، اليوم الذي فقدتُ فيه أغلى إنسانة _جدتي_"أمة" بل أمي حبيبتي التي ربتني، تعبت معي، أنارت لي الطريق في دُجى اللّيلِ الحالكِ وتحت ضياءِ النُّجومِ الصامتة، كانت أمي تؤنسني بدل تلك الأحلام المخيفة، فكان رحيلُها مؤلمًا، شعرتُ حينها أنّ الحياةَ انتهت بالنسبة لي، صار كلّ شيء سوادً بين عيني، وكل مابقي في الدنيا تافهاً، مراً و مزيفًا، بعد رحيلِها كرهتُ اسم البدية، كرهتُ حتی تلك القصص التي كانت تسردها عليّ في كل ليلة قبل المنام تزورني ذكريات جدتي العصية على النسيان، لم أعد قادرةً علی العيش بمفردي، صرتْ أخاف من وحشة المخيم والبيوت وجلسات الشاي، الكلُّ ظنّ جنوني ، لماذا لا ... ألم تكن كل عائلتي ، وكل الحنان ومصدر سعادتي؟! .
عامٌ كامل وسرعان ما بدأتُ أرضی شيئا فشيئاً بواقع الفراق ، أدركتُ أنّ البكاءَ والعزلة لن ينفعا فوجه جدتي أبى أن يفارق ذاكرتي ، حاولتُ مرارا نسيان كل ذكرياتِ الماضي وأن أعيش بعمرٍ جديد ، استعدتُ صحبتي ب "نورة" وهي صديقةٌ قديمةٌ كنا عادةً ما نجتمع علی الكثير كما يعرف بلهجتنا (أسواقة) ، استطعت التأقلم شيئا فشيئا مع الحياة بالمخيم والذهاب إلی السوق رفقة صديقتي التي لم أعد أستغني عنها وعن برنامج لقاءنا اليومي ،كانت تحكي لي أسرارها، تثق بي وكأننا لم نفترق أبدا .... كانت تنصحني بالإطلاع علی العالم وتغيير نمط حياتي وأن أصبح كغيري من البنات، كانت تقول أنّ الناسَ يقولون بأن أخواتي أجمل مني ههههه وإذا بقيت هكذا (متخلفة) سأكون حاجزًا من دونهما ، كانت تطالبني بتحسين هيئتي ومظهري كي يتقبلني المجتمع ... لم أكن أبالي لنصائحها لأنني مقتنعة بشخصيتي المتواضعة ، تعودْتُ علی صفتي الطبيعية ،لم أكن تلك الفتاة القارئة،المثقفة،المتحضرة والمواكبة لتطورات العصر بقدر ماكنت بدوية متخلفة وإنطوائية عن الغير، لكن هناك أمور احتفظتُ بها من تجارب الحياة وأخذتها درساً لي.. كنْت دائما أسأل "نورة عن بعض زميلاتِنَا بالدراسة وكيف تغيرن بسرعة ، كيف أصبحن فائقات الجمال و لهن بشرة بيضاء جميلة..
كانت تحكي لي أنّ هذه أشياء مصطنعة حيث امتلأت الأسواق والصيدليات بأنواع كريمات التبيض و حبوب التسمين تُظهر فعاليتها في ظرفٍ وجيز.
لم تكن صديقتي "نورة" بتلك النحافة أو سيئة المظهر ، كانت ملامحٌها مشرقةً ، تملك روحًا طيبة يطمئن لها الجميع ، لكن لا أعرف لماذا كنت ألتمس أمرًا ما تخفيه بداخلِها ، بعد فترة قصيرة جدًا أدركتُ أشياءً كثيرةً أصبحتْ دخيلة على مجمعنا الصحراوي ، أشياءٌ لم تكن موجودة مسبقا فقط نسمع بها في العالم الغربي المتفتح. أتساءلُ كيف وصلتْ كل هذه الأفكار لتغزوا عقول بناتنا ؟ لماذا يلجأن إلى كل هذا حتى يلقوا بأيديهم إلى التهلكة ؟! لأجل ماذا ياترى ؟!...
وأين مسؤولية الآباء ؟
بعد فترة قصيرة دعوتُ "نورة" لزيارتي فما إن رأيتُها حتى تفاجأتُ ، لقد تغيّر شكلها، لم تعد بملامحها الطبيعية، انتفخ وجهها وحجمها بشكل فظيع ،مكثت طويلاً وكأنني استقبل شخصًا غريبًا علي، سألتُها بدهشة بالحسانية
–"نورة
–أنت انجنيتي !!
–ذا شنهو !! أعلاه ؟!!!!
لكن اكتفت بالرد أنّه زيادةَ وزنها لتناولها المادة المعروفة لدی مجتمعنا (أنشا) ، (گرتة والتمر ) ولم تكن تتناول أية حبوب أو جرع للتسمين.
في يومٍ ما ، كانت الساعة تشيرُ إلی العاشرة صباحًا لم أنتظر قليلاً حتی سمعتُ صوت "نورة تناديني من بعيد اجتمعنا في ظل " أكيطون" نتفقد أحوالنا إذ بها تُخبرني بموعد زواجها قريبا ، فرحتُ لها ، وبقيت أدعو الله أن يسعدها في حياتها المستقبلية...
تزوجتْ نورة ، فقررتْ الرحيل لتسكن مع أهلِ زوجها بولاية "الداخلة".. رحلتْ عزيزتي... فرحلتْ معها كل أوقاتنا الجميلة التي كنا نقضيها سويًا ، أمّا فترة الحملِ بابنها المرحوم "عمار" تعبت نفسيًا ، أعراضُ مرض ما واضحةٌ علی ملامحها ... قالتْ لي بحسرةٍ أنّ زيارتَها لأحد الدكاترة المعروفين بالمخيم أخبرها بأنّ الجنين سيضطر لعمليةٍ قيصرية نتيجة وجود ورم بالرحم سيمنع الولادة الطبيعية ، وربما سيؤثر على صحتها مستقبلاً.
ولِد "عمار" وبعد شهرين من ولادته توفي بسبب حمى شديدة ، ذهبْتُ لأقدم لها واجب التعازي فوجدتُها ...
يتبع
جتوهة مصطفى رمضان
