التقطت الصورة نوفمبر 2019، كنت وقتها صحفيا مرافقا للجيش في جولة جديدة الى النواحي والقطاعات العملياتية العسكرية، توقفنا بداية بقطاع الوحدات الخاصة المتخصصة بمنطقة "لمطاركَـ"، كان البطل -يمين الصورة- جنديا مقاتلا في صفوف الوحدات، إلتقطنا هذه الصورة رفقة بعض الرفاق المقاتلين وذلك بعد إنتهاء مراسم التفتيش ..
كان الجو رائعا مليئا فقط بزركشة الملابس العسكرية تحت سماء زرقاء وسط ضجيج الحركات الرنانة لقطع الأسلحة الخفيفة المعلقة على الأكتاف وضحكات المقاتلين وأصوات زئير الشاحنات والدبابات المتنقلة من مكان الى مكان ..
كانت هذه آخر صورة ألتقطت لي مع الشهيد البطل احمتو الذي سألتقيه لاحقا عدة مرات كانت أخرها قبل عدة أشهر وهو يتوسط كعادته مجموعة من البسطاء من الباعة المتجولين شمال "مرصة" الشهيد الحافظ بوجمعة، هناك إعتاد البطل وقت عطله القليلة وعودته من ميادين الشرف مشاركة البسطاء من أمثاله يومياتهم الحزينة وهم يبحثون في سعي متعب عن لقمة العيش، بعضهم يبيع السجائر في "طابلة" صغيرة متنقلة وبعضهم الأخر يبيع "اباش ألبن" وبعضهم من الذين ضاقت بهم السبل وقتلهم الفراغ يجلسون ولا يبيعون سوى الابتسامات موزعة مجانا على كل المارين برفاقهم الباعة الصغار ..
بين الصورة واللقاء الأخير كانت الحرب قد إستأنفت اوارها من جديد، لم يتأخر البطل في أداء الواجب، قيل لي أن الشاب الذي يحمل من إسمه كل خصاله كان من أوائل الرجال الذين تطوعوا لشحن الأسلحة والذخائر الثقيلة، لم ينم المقاتل ليلا ولا نهار وهو يعمل وبحماسة ونية صادقة ويشارك رفاقه كل المهام التي تحتاج الى جهد بدني وطول نفس وقوة وإيمان وصبر ونكران للذات ..
كان البطل محبوبا وسط رفاقه، نادرا ما شوهد وهو يرتدي لباسا غير البدلة العسكرية، عرف بالنشاط والحيوية ومد يد العون، عرف بإبتسامة عريضة لا تفارق محياه، كان طيب الحديث يملك قلبا كبيرا طيبا، كان حسن الخلق متواضع وبسيط ..
سكن البطل قلوب الناس بداية من الذين عرفوه أيام الدراسة و"الميزيريا" الى المقاتلين الأشاوس بقاعدة الشهيد هداد وسلاح الدرك وقطاع الوحدات الخاصة المتخصصة، كان رجلا بكل معنى الكلمة فعلا وقولا ..
متأخرين ندرك أهمية وجود الطيبين في دنيانا، ننشغل بضجيح المنافقين والأوغاد والسراقين وبائعي الوهم وصيادي القذارة والمتلونين والخبثاء وضعاف الأفكار والقيم والتربية، حيتان ووحوش النهب والجشع وطحالب وفطريات تسلق أحلام ومعاناة وبؤس الناس، هؤلاء الذين يملؤون محيطنا، ننشغل بالمؤثرين _أسفا_ في حياتنا سياسيا وإجتماعيا وفكريا، الذين سرقوا كل شيء بدءا بأحلامنا وليس إنتهاءا بإهتماماتنا حد الإنصراف عن رؤية الجمال الهادئ الكامن في كل شيء الذي يصنعه الطيبون الصامتون من حولنا ..
فجأة ننتبه متأخرين ولا نرى إلا أفول نجمة او نجم من كواكبهم النيرة التي لطالما أضاءت أماكن من حياتنا المظلمة دون أن نولي إهتماما لتلك الأضواء رغم الشعاع القوي المنبعث من تعابير وجوههم وحزن أعينهم، إهتماما كان صرف مسبقا نحو تفاهات وصغار الأمور والناس ..
رحم الله صديقي ورفيقي البطل أحمتو ..
كان نجما ساطعا رحل في صمت هو الأخر، رحل كما كل النجوم التي تأفل من سماءنا كل ليلة مغادرة محيط الأرض الوسخ الى عوالم أخرى أكثر أمنا وجمالا وسلاما وعدلا ..
كان هذا جزء يسير من سيرة البطل، سيرة شاب أفنى حياته متقدما صفوف خدام الشعب الذين لا يطلبون مقابل، يطلبون رضى الله فحسب ..
ولا إله إلا الله محمدا رسول الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
عبداتي لبات الرشيد
