رفض القضاء الفرنسي، النظر في شكوى تقدم بها المغرب بخصوص دعوى تشهير ضد منظمات غير حكومية ووسائل إعلام فرنسية اتهمت المملكة بالتجسس عليها عبر برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي.
وضمن لائحة الاتهام، دافعت المدعية العامة الفرسية عن عدم قبول الشكوى، بحجة أن الدول لا تمتلك صفة رفع دعاوى تشهير باسم القانون الفرنسي الشهير للعام 1881 حول حرية الصحافة.
وكان المغرب قد رفع دعوى قضائية أمام محكمة الجنايات في باريس ضد منظمتي العفو الدولية و"فوربيدن ستوريز" بتهمة التشهير، بعدما حصلتا على قائمة أرقام الهواتف التي استهدفها مستخدمو برنامج "بيغاسوس" الذي طورته مجموعة NSO الإسرائيلية.
كشفت وسائل إعلام دولية وازنة عن فضيحة إستخدام برنامج "بيغاسوس" من قبل أجهزة مخابرات تابعة لحكومات عديدة، و كان أكثر تلك الدول إستخداما للبرنامج بعد المكسيك دولة الإحتلال المغربي، فما علاقة الأمر بالتغييرات الدراماتيكية التي شهدها ولايزال الملف الصحراوي مؤخرا؟.
شكل التحقيق الإستقصائي الذي حمل عنوان "مشروع بيغاسوس"، نسبة إلى البرنامج الذي تنتجه شركة "أن اس أو" الاسرائيلية، شكل صدمة عالمية، وهو التحقيق الذي أشرفت عليه منظمة "العفو الدولية" ومؤسسة "فور بيدن ستوري"، والذي يعد الأول من نوعه، إذ يسبر التحقيق أغوار عوالم الجوسسة، التي يقوم بها برنامج التنصت الإسرائيلي "بيغاسوس"، لصالح الدول المشغلة، والطرف المنتج ( الكيان الاسرائيلي)، فيكشف النزر اليسير من عالم مخفي، مميطا اللثام عن جزء بسيط من الدهاليز التي أريد لها أن تبقى طئ السرية والكتام، ونشرت التحقيق تحالف مشكل من 17 وسيلة إعلام دولية مرموقة، منها لوموند الفرنسية والغارديان البريطانية، وكذا واشنطن بوسط الأمريكية، حيث أثبت التحقيق الذي ينشر وتتكشف معطياته تباعا إستهدف 50 بلدا و 30 ألف رقم هاتف عبر العالم، وتورطت فيه دول من بينها الهند والمكسيك والإمارات والسعودية...، وكان لدولة الإحتلال المغربي نصيبا وافرا منه، حيث أستخدمت أجهزة المخابرات المغربية على إختلافها البرنامج الإسرائيلي للتجسس (بيغاسوس)، للتنصت على أهداف محلية وإقليمية ودولية عدة.
1- "بيغاسوس" وبوابته المغربية...
حسب تحقيق "مشروع بيغاسوس"، فقد تنصتت المخابرات المغربية على حوالي 10 ألاف رقم لأشخاص من أوروبا والجزائر وجنوب أفريقيا والصحراء الغربية...، ويعتقد بوجود موريتانيا ضمن دائرة الإستهداف، وشمل الأمر حتى الدول الحليفة للنظام المغربي كفرنسا.
أ- محليا...
عملت المخابرات المغربية بحسب التحقيق على مراقبة نشطاء ومعارضين وصحفيين محليين، منهم الصحفيان الراضي والريسوني، ولكن الأغرب من ذلك هو تجسس المخابرات المغربية على الملك المغربي وأسرته، وفي مقدمتهم ولي عهده وزوجته السابقة وإبن عمه، وكذا مقربين.
ب - - إقليميا...
على صعيد الصحراء الغربية، تورطت المخابرات المغربية في التجسس على كلود مونجان زوجة الناشط الصحراوي المعتقل النعمة الأسفاري، ويرجح كذلك أن المخزن تنصت على دبلوماسيين صحراويين عاملين بأوروبا وإفريقيا، إضافة لإمكانية أن يكون نشطاء الأرض المحتلة ضمن دائرة المراقبة، موريتانيا بدورها يرجح مراقبون أن تكون ضمن الضحايا، وفي بلاد الشهداء، تابعت المخابرات المغربية وتنصتت على ستة آلاف رقم من الجزائر، بينهم عسكريين ورجال أعمال وسياسيبن ودبوماسيين، أبرزهم قائد الأركان السابق القائد صالح والحالي السعيد شنقريحة وأشقاء بوتفليقة وسفراء الجزائر في باريس وابوظبي وموريتانيا....وغيرهم، والملحق العسكري في باريس، ورئس الحكومة الأسبق بدوي، ووزير الخارجية الأسبق عبدالقادر مساهل والحالي رمطان لعمامرة ورجل الأعمال على حداد، وتأتي في مقدمة دوافع وأسباب عمليات التجسس المغربية الضخمة على الجزائر، الرغبة في سبر مواقف النخبة الحاكمة في الجزائر ومعرفة تواجهاتها حول الصحراء الغربية، إضافة لجمع المعلومات والمعطيات عن الحياة السياسية والأوضاع الأمنية بغرض إختراق الجبهة الداخلية للبلاد، في محاولة بائسة لإذكاء النعرات العنصرية، وإسقاط البلاد في مستنقع العنف.
ج- دوليا...
فقد نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية الذائعة السيط "أن هاتف الرئيس الفرنسي كان من بين الأهداف التي أختارها جهاز أمني مغربي ليكون تحت المراقبة"، إضافة لوزيره الأول السابق وأربعة عشر من وزراء الحكومة الفرنسية، وهو ما يشكل سابقة، فرغم التأييد الفرنسي للسياسات المغربية في المنطقة، بإعتبار المخزن الوكيل الأهم لباريس في إفريقيا، إلا أنه يرجح أن يكون التجسس المغربي على فرنسا راجع لأسباب عدة، منها، خشية الإحتلال المغربي من عدم مجاراة وتعاون باريس معه في تثبيت واقع الإحتلال في الصحراء الغربية بشكل حاسم وكامل كما تريده الرباط، بعد تغريدة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، حيث "تحفظت باريس على قرار ترامب، وطالبت بإحياء المفاوضات بين البوليساريو والمغرب"، ويعتقد أيضا أن المغرب سعى للحصول على معطيات تفيده في التغلغل داخل القارة السمراء التي تعتبرها فرنسا منطقة نفوذ خالصة لها، وقد يكون أيضا للأمر علاقة مباشرة برغبة الرباط في إختراق الجماعات المتشددة ومافيا الجريمة المنظمة بمنطقة الساحل، وتوجيهها لخدمة الأجندات المغربية، وذلك عبر قرصنة المعطيات الفرنسية الحساسة المتعلقة بالمنطقة، أين تخوض فرنسا حروبا لتثبيت نفوذها، تحت يافطة "مكافحة الارهاب"..
2- المغرب تاريخ حافل بالغدر...
بالتأكيد، أن التجسس المغربي الأخير ليس بالأمر الغريب، فهو ديدن نظام إستبدادي يخشى معارضيه في الداخل، وهو من مألوف العمل الإستخباراتي الخارجي لدولة المخزن التوسعية الإستدمارية، التي تنفذ أجندات القوى الأجنبية، و ترفض حتى الأن تثبيت حدودها، فاتحة الشهية لأطماعها التوسعية في الأراضي الواقعة خارج نطاقها الجغرافي المعترف به دوليا، في كل من الصحراء الغربية وموريتانيا والجزائر ومالي، فقد كان من بين أبرز عمليات التجسس المغربية الغادرة، التبليغ عن خمسة من قيادة الثورة الجزائرية أثناء سفرهم من الرباط إلى تونس 1956، وهو ما مكن فرنسا من القبض عليهم، وكذا السماح للموساد بالتجسس على أشغال القمة العربية بالرباط 1965، مما ساهم في نكسة 1967.