بحكم شعور الاعتزاز بقربي من بلدي الثاني موريتانيا يقودني اهتمامي بمتابعة وسائل الإعلام الموريتانية , وعند استعراضي للبرنامج الذي بثته قناة الوطنية بمناسبة مرور 35 سنة على إبرام اتفاق للسلام بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية و جبهة البوليساريو، لفت انتباهي حديث بعض الضيوف وتبادرت إلى ذهني مجموعة من التساؤلات من قبيل :
هل سنظل نحن مجتمع البيظان محكومين بفن السخرية والاستهزاء من تاريخنا ؟ حتى أصبحنا نسخر من أنفسنا، ونتهكم على مورثاتنا وقيمنا،ونعتدي على مصيرنا ؟
ثم لماذا دائما نحمل الأمور على محمل السوء؟ وكأنه أغشي على بصائرنا فلم نعد نرى إلا الجانب السلبي من كل ما نرى ونسمع؟ هل هذا ما نريد أن ترثه أجيالنا التي وصف أحد الضيوف جزءا منها بالضائعة والمشوشة الهوية ؟ ، هلا نظرنا إلى الأمور بمنظار الوطنية الحقة وحملناها على محملها الصحيح.. وسعينا جاهدين لنكون يدا واحدة في مواجهة الصعاب، وبرؤية الإيجابيات ومنظار التفاؤل ؟, وهل استحضرنا الرفض المغربي للنداءات الدولية المتكررة بغية فتح المنطقة الصحراوية المحتلة لنكتشف ماذا يخبئ المغرب من انتهاكات تطال الحرائر والأطفال والشيوخ ونحن نندب مستقبلنا على هدر الوقت والجهد والمال؟
ولست ضد إثارة النقاش ولا سيما إذا تعلق الأمر بمستقبلنا , ولكني أعيب القفز على الحقائق والتاريخ والجغرافيا ,ولا أستسيغ مواطنا موريتانيا يدرك خطورة الأطماع التوسعية المغربية , ثم يدافع عنها .
حقائق تاريخية
عندما حاول الاستعمار الاسباني طمس الهوية الصحراوية قرر الشعب الصحراوي المواجهة من بوابة حق تقرير المصير , وشكل ذلك المطلب إيذانا ببدء المرافعة عن ذلك الحق بعد تقدير فاتورته تقديرا دقيقا , فارتكبت القوة الاستعمارية الاسبانية مجازر لا تزال تملأ سمع الزمن , وبعد فترة تريث واستقراء لردود الفعل المتواترة والمتضاربة بين الأطماع والمناصرة , جاء الرد الأقوى عبر تأسيس البوليساريو كتنظيم شامل رام تأطير الصحراويين والدفاع عن حقهم في الوجود , فمنحوه ثقتهم المطلقة من خلال نخبهم الواعية بمالات المرحلة , وهو ما أكدته بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إبان زيارتها في ماي خمس وسبعين تسع مئة وألف وتضمنه تقريرها أكتوبر من العام نفسه , ثم جاءت الحرب الخطأ مع الجيران من الجنوب , والحرب الظالمة مع الجيران من الشمال عبر نزاع أدمي منطقة المغرب العربي وسمم العلاقات وعرقل جهود التنمية ليستدرك الغيورون من أبنائنا حجم المجازفة بمستقبل شعبين شقيقين محكومين بحتمية التعايش تحت سقف واحد .
مواقف غامقة
البرنامج السالف الذكر في قناة الوطنية الموقرة بحسن نية أو بغيرها حاول العزف على
إثارة الشواهد الموجعة , ودك جدار الذاكرة المنسية , وحاول فتح الأبواب المغلقة في وجه نبش قبور الردة السياسية ,التي لا تخدم أمن واستقرار شعبين قدر لهما التطابق في المشاعر والمشارب والهوية الممتدة خارج الحدود السياسية والانتماء الاقليمي،عبر وشائج من العلاقات والروابط والقواسم التي تتشابك وتترابط في النسيج الاجتماعي والمصاهرة المؤثثة للبيت الصحراوي الموريتاني .
قناة الوطنية مع احترامي لخطها التحريري , وتقديري لضيوفها الكرام حاولت توظيف ما شاب علاقات البلدين في فترة معينة , وانتقاد اتفاقية السلام رغم أن مشاعر الأخوة اقوي من مزايدات وحسابات صناع تلك التوترات .!
_ اعتبار نزاع الصحراء الغربية مظهر من مظاهر التنافس بين الجزائر والمغرب , يعطي الانطباع بغياب الخلفية السياسية أو تجاهل الحقائق التاريخية .
_ انتقاد اتفاقية السلام وهنا لا يجب أن نذهب بعيدا ما دمنا نبتغي الأمن أمنا لنا, والاستقرار استقرار لنا والخيرات خيرات لنا , والتنمية تنمية لنا , وأرض البيظان أرض لنا ومنبت عزنا وشرفنا .
_ التجني على الجزائر بأنها كانت على علم بفحوى اتفاقية مدريد , تلك زلة وأرجو أن تكون كذلك .
_ أكردة الصحراويين , وتلك ردة لا تغتفر , فالشعب الصحراوي له تميزه الثقافي والتاريخي , وليست له علاقة بواقع الأكراد بتلك البلاد البعيدة مع احترامنا لثقافتهم وخصوصيتهم وما قدموه من تضحيات لإثبات الذات, ولكنها الحرب وتداعياتها , ومع ذلك فارتباط الصحراويين ببلدهم الأم ارتباط وثيق والشواهد قادرة على استعراض التفاصيل .
_ التجني على الأموات بمغالطات عارية من الصحة , فصناع تلك الأحداث ومؤطروها أسسوا لعهد جديد من العلاقات بين البدين ويكفينا فخرا بأنهم يؤمنون حد النخاع بوحدة البيظان,
_ الترويج لفشل التجربتين : بناء دولة صحراوية من جهة وعدم سيطرة المملكة المغربية على عقول وتراب الصحراويين من جهة ثانية , والدعوة لديمقراطية حقة بالبلدان المجاورة من جهة ثالثة , وهنا أستوقف الضيف بأن مفعول الأحكام المعلبة لا يسري على الثورات وحركات التحرر , والتقييمات محكومة بقراءات ونتائج أقلها لوائح وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي تؤكد من حين لآخر أن لا حل خارج إرادة الشعب الصحراوي وعبر ممثله الشرعي والوحيد الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب أي البوليساريو التي تعتمد الخيار الديمقراطي حلا عبر بوابة الاستفتاء .
الحياد وحرب المزاد
بعد إبرام اتفاقية السلام بين الشعبين الشقيقين وعلى مدار عقود من الزمن ظلت القيادات السياسية الصحراوية والموريتانية تعلن من حين لآخر مواقف تبرز حرارة متميزة لعلاقات لم تصل لمستواها المثالي بعد , فدأبت الحكومات المتتالية في موريتانيا على اتخاذ موقف تراوح بين مد وجزر، حافظ على شعرة معاوية في دعم وتأييد جهود الأمم المتحدة لحل القضية الصحراوية من جهة وفي عدم إثارة حفيظة عداوة الرباط التاريخية من جهة ثانية ،باتخاذ موقف غير متحيز لطرف دون الآخر, ودأبت البوليساريو على اعطاء نفس جديد لهذه العلاقات وبعث الروح في الروابط المتعددة المستويات من خلال اتصالات منتظمة ومباشرة مع الفاعلين السياسيين في الساحة الموريتانية بمختلف خلفياتهم وتوجهاتهم, إلا أن تلك الاتصالات ظلت محتشمة تكرس الانطباع بان الجانبين لم يرقيا إلى مستوى المنظومة المتداخلة من القيم الثقافية والأخلاقية التي يشترك فيها الشعبان والتي تتعدى الأطر التقليدية المتعارف عليها بين الدول والشعوب.
بقلم: عالي احبابي ـ مدير جريدة الصحراء الحرة
