القائمة الرئيسية

الصفحات

بقلم:محمد السالك احمد ـ 
كان نفعي طفلا من أطفال ذلك المخيم المتواضع في السابعة من عمره، مدللا أيما دلال “خاسر”، لكنه أنيق المظهر، مجدا في صفه، نشيطا و بشوش، و كان يظهر نشاطه و جده الحقيقي كلما قدم أبوه المقاتل من عمله في إحدى النواحي العسكرية .. إذ لا يتوانى في تقديم طبلة الشاي و تحضير أواني الغسيل و مساعدته في تغيير ملابسه العسكرية و من ثم يهرع إلى تفتيشها بنهم ليحتفظ لنفسه بما جادت به تلك الجيوب الواسعة من خفيف او ثقيل .. بينما آلف أبويه مراقبته في استمتاع و حبور.
كان المقاتل ليمام لا يقدم على خيمته إلا مرة في كل شهر و قد يأتي مرتين للضرورة، و كان يقود سيارة لاندروفير “أدريميزة” التي تعتبر هي الوحيدة التي تلج ذلك الحي و بهذا كان نفعي الصغير وحيد العائلة سلطانا بين أطفال الحي الذين يسعون إلى اكتساب وده كلما حل أبيه حتى تتسنى لهم فرصة رؤية السيارة عن قرب .. بل كان المحظوظ في ذلك اليوم من يفز بفرصة لمس او اعتلاء مؤخرة “ادريميزة” لان مقدمتها لا يملكها غير نفعي الذي لا ينازعه احد فيها.
كانت “وتة ليمام” تسمى “وتة حي 4″، لذا صارت مفخرة كبيرة لابنه من بين أترابه، فكان ينعت في القسم بالثري لان والده يملك سيارة، بل كان محترما و مقدسا إلى درجة انه أحيانا كان يبطش و يضرب و يهين دون أن يحرك المظلوم ساكنا طمعا في إرضاءه و امتلاك صداقته.
عندما تغيب الشمس مودعة أجساد البشرية للظلام كان نفعي يرتمي بين أحضان أبيه ليحكي له كل التطورات التي طرأت في غيابه، فكان يقول بعبوس فيه نوع من الشعور بالحقد “لقد ضربني خالي”، بينما يتغير مزاجه البريء فجأة إلى فرحة بعدما يزيح يده اليمنى من تحت ظهره ليعد لأبيه بأصابعه اللطيفة لطافة روحه كم أعطاه عمه من الحلوى او التمر .. و كان ليمام يراقبه في صمت و إعجاب و هو يروي تلك التفاصيل البسيطة بساطة راويها بجدية صبيانية ساذجة، ليعدل من اتكاءه و يقول لأبيه: “لقد حفظت المعوذات .. و تعلمت كيف احسب و كيف اقرأ الحروف و اكتبها إلا أنني أخاف كثيرا من معلمي الذي لا تفارق يداه تلك العصا الكبيرة”، و يشير بأصبعه إلى عرض زناده و من ثم يلوذ بالصمت بمجرد تذكره لطول تلك العصا الشرسة التي لا طالما تطاولت عليه.
و بمجرد أن يتفطن ليمام لتلون شحوب وجه ابنه و انكماشه يسارع إلى توجيه بوصلة ذهن الصبي إلى الحديث عن “ادريميزة” التي ملكت كيانه و شغلت الحيز الكبير من تخميناته ..إذ كان يرسمها في غياب أبيه فوق كثيبات المخيم الرملية .. ينحتها على طاولة قسمه .. يتنافس مع أصدقائه في فن رسمها و قد يفوز بتمكنه من إبراز بعض التفاصيل الدقيقة التي كان غيره من الأطفال في سنه يجهلونها .. و لا تفارق زناده كوشم يخطخطه على بياض معصمه كلما تذكر وجه أبيه.
“لولا ادريميزة ما كنا نعيش هكذا .. وهبها الله طيعة لخدمة المقاتلين الذين اختاروا لها ذلك الشكل البسيط، الفريد .. لا تكل و لا تمل و لا تشتكي .. تشق الأودية و تتسلق التلال و لونها كلون الصحراء تتموه كالحرباء متى شاءت و تكشر عن أنيابها و تبرز عضلاتها البسيطة حتى في وجه الدبابات و الطائرات” كلمات حماسية متبعثرة تخرج متراصة من فاه ليمام و هو ينظر إلى ابنه مشدوها و مصدقا لقوة هذه الآلة رغم صغرها و بساطتها.
“سيارة الفصول الأربعة .. لا تعترف بالزمن .. تدوس على التقويم و تجعل منه أضحوكة أمام قدرتها الفتاكة على صنع البطولات الكبيرة و دك التحصينات المتينة .. تقتحم حقول الألغام و تكبد العدو الخسائر الفادحة .. و في بعض الأحيان كنا نحس أنها تستشعر بفرحتنا تتسرب إلى عروقها قشعريرة عندما نهدي للسماء طلقات انتصار” يقول الأب و هو يوازي استقامة ابنه و يواري ما تبقى من وجهه تحت البطانية بعدما استسلم كليا للنوم تحت تراخيم صوت أبيه و صيحات شاعرنا يصدح عبر أمواج الإذاعة الوطنية:
ادريميزات أمغبرات بالعدة و الذخـــاير
حلفو يالعدو ما أتبات خريجة عن لحفاير
عندما استيقظ نفعي في الصباح لاحظ أن أبوه كان قد غادر .. فأخذ كعادته تلك الصينية الكبيرة التي كان يضعها على اثر إحدى العجلات فور مغادرة السيارة إلى الثكنة العسكرية حتى يتسنى له أن يرى الأثر اكبر وقت ممكن.. لكن الخنافس الصغيرة كانت تشوش على الأثر عند ما تلجأ إلى ذلك الصحن الكبير في الفجر بعد ليل مضني و متعب في البحث عن قوتها، فكان كل صباح يرفع عنها و ينقب عن تلك الحشرات السوداء التي تفسد عليه متعة النظر إلى آثار عجلات سيارة أبيه.
مرت شهور دون عودة الأب ليمام.. و أحس نفعي بان أبيه قد طال غيابه أكثر من اللازم، في الوقت الذي أصبحت فيه أمه السالكة منكبة على نفسها، ..ملازمة لخيمتها .. التي لا تبرحها إلا نادرا، عقب أن كانت كثيرة النشاط و الحركة.. فهي مسئولة حي 4 كله .. يحبها الجميع لبساطتها و طريقة معاملتها و عطفها و حنانها الفياض.
في الحين ذاته بدا أصدقائه يعايرونه بان ليمام لن يعود ما دام انه قد فقد سيارته و أن جارهم إبراهيم هو الذي انتزعها، فصار يأتي بصفة دورية و يقود نفس السيارة التي كانت ملكا لليمام .. نفس اللون و نفس الشكل .. فصار نفعي أكثر ما يكره إبراهيم و عندما يرى تلك السيارة مركنة أمام خيمة جاره يتفادى الخروج.
كان نفعي يتتبع بناظره كل سيارة تتلقفها عيناه حتى تتوارى عن أنظاره بحسرة شديدة.. كان يرى في كل “أدريميزة” تلج المخيم صورة أبيه .. ذلك الرجل النحيف الأسمر.. ممشوق القوائم .. كثيف الشوارب .. ذو شعر الرأس المموج الشائب و الأسنان الثلجية و اللحية الحليقة و الابتسامة العريضة، كان كلما سمع أزيز سيارة في الليل إلا و ظنها لأبيه، فكان ينسل من تحت فراشه بلطف ليتحسس اتجاه ذلك الصوت بأذنه او يتابع بعينه الضوء الأصفر حتى يختفي.
كان ألذ صوت لديه صوت “لاندروفير” و أطيب رائحة لديه رائحة دخانها و ازكي عبق لديه و هو يستنشق نفثات أبوه لكرات دخان منيجته القوية عندما تمتزج بأريج عطره الآخاذ .
كاد نفعي أن يصير نسخة من أبيه في غيابه لولا عمره و لونه الأبيض اللافت، فهو لا يبخل بجهد في تقليده في كل شيء.. في حركاته و سكونه .. في كلامه و سكوته حتى في أسلوب لباسه، اذ كان يرفع طرف سرواله الأيمن في حدود ركبته و يضع قصبة حديدية مجوفة في جانب فمه الأيسر و يكثر الكحكحة متعمدا .. كما كان يتلو المعوذات بعد كل صلاة بصوت مرتفع.
تجرأ مرة و سأل السالكة لماذا أصبحت ماكثة في خيمتها من غير عادتها!!!، فأجابته بأنها مريضة و أن الطبيب هو الذي أمرها بملازمة الخيمة، و لكنه أصبح من بعد ذلك يتحاشى أن يكرر عليها نفس السؤال، فهو الذي يخاف الطبيب كثيرا، إذ كانت الأم إذا أرادت أن تنهره او تخيفه تهدده باستدعاء الطبيب.
بالرغم من ذلك كان يلاحظ أن أمه ما تزال جميلة .. بيضاء البشرة بل تزداد بياضا و نضارة يوما بعد يوم، كما صارت أكثر نشاطا و اهتماما بشؤون خيمتها الداخلية.
في ذات مساء دخل نفعي الخيمة نشطا .. فراح يجول بها ماشيا و راجعا في حركات متثاقلة متناغمة، كأنه في عالم حقيقي يقود فيه سيارة.. إذ كان يرفع يديه في حدود صدره و يتمثل انه يمسك بمقودها و يقلد صوت أزيزها بفاهه و يطلق مزمارها و بين الفينة و الأخرى كان يتوقف وقوفا اضطراريا لينقل هذا او ليمنع ذاك الركوب.
“اڴعد يعطيك دعوة! .. سكنت فينا الدزڴنين” قالتها السالكة بلهجة حنقة.
“إنني أسوق “ادريميزة ليمام” رد عليها بسرور منتهي و راح يكمل دورته..
رفعت رأسها باتجاه صوته و دون أن تتبين مكانه نزلت قطرات دمع من جفونها فبللت طرف ملحفتها السوداء.
راعه صمتها المفاجئ فتوقف عن مجارات حلمه البليد و جلس بجانبها.
“أمي لماذا تبكين!؟ .. هل أخافك الطبيب!؟.. أم انك تخافين عليّ لأني أقود سيارة في سن مبكرة!؟..
نظرت إليه و قبلته في الجبين .. فسكن في حضنها و فرك يديه من حولها و قال: “اينت لاهي يجي ليمام بيه وعدني عنو لاهي يعلمني السياقة”
“لقد تعطلت سيارة أبوك .. لهذا قد يطول غيابه” قالتها بصوت خافت متقطع تبعته بتنهيدات من قلب مقبوض و كليم.
في صباح اليوم الثاني كانت الشمس قد نزلت بلعنتها فمدت ألسنتها على المخيم .. حينها رفض نفعي أن يلج المدرسة ..فهام على وجه، منكبا على ذاته، فصار بعيدا عن تخوم المخيم حتى وجد نفسه وحيدا في العراء حافي القدمين ..ذو شرت صغير و عاري الصدر بدون ماء و لا أكل.
وجد كومة مسامير من بقايا العجلات المطاطية المحروقة و بدا يعبث بها .. فتارة يلوي مسمارا و تارة أخرى يسويه بضربه بين أطراف الحجار .. فلم يبالي بحرارة الجو و لا الإرهاق و لا حتى بخدوش يديه الداميتين حتى استطاع أن يسوي لنفسه سيارة تخيلها تشبه سيارة أبيه .. لها أربعة عجلات و مقود طويل يصل إلى حد صدره .. يتحكم في مسارها بدفع مقودها إلى القدام و استدارته يمينا او شمالا متى صادفه منعرج في الطريق..
عند انتهائه من “وتة لمسامير” كان قد بلغ منه الإنهاك مبلغ بعيد، فقرر العودة إلى خيمة أمه مخدرا بنشوة الانتصار بالرغم من جوعه و تعبه .. فمن شدة الأرق رسم العرق على كتفيه خرائط متشابكة و أسدلت مع ساقيه خيوط شهباء و تلون جبينه بين البني و الأبيض و صار جسده خردة من الأوساخ المتراكمة..
في حدود الغروب، أوقف نفعي سيارته المسمارية في مكان توقف سيارة أبيه و دخل على أمه مسرعا و الفرحة تغمره و دون أن يسمح لها بسبه و شتمه كعادتها، قال لها و هو يتطاير فرحا: “عطريني بمسك ليمام و ناوليني عمامته و ـ لا تنساي سرة منيجة ـ لقد تركت سيارتي شغالة في الخارج لأني سأسافر لإحضار أبي”، بينما كانت السالكة مستعدة لإنهاء آخر يوم من عدة أربعة شهور و عشرة أيام قد قضتها ماكثة في خيمتها.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...