القائمة الرئيسية

الصفحات

ذاكرة نساء عشن مرارة السجن


تعرضت الدكجة والنجاة ومثيلاتهن كثيرات من المعتقلات السياسيات الصحراويات إلى كل أنواع التعذيب في زمن الصمت حين تحوّلت الأنوثة الصحراوية ، بمعناها التاريخي إلى صوت قادرة على الوقوف في وجه طغيان المحتل المغربي .
وشاءت الأقدار أن نلتقي بالمعتقلتين السابقتين بمنطقة التفاريتي المحررة ,ونتحين الفرصة لكشف بعض الجوانب المتفرقة في تجاربهن الغنية، وفي كشف الحقيقة الأكثر غنى، بمعناها الإنساني المؤلم، من كل التجارب الأخرى التي يقع مسرحها
خلف الأبواب المغربية المغلقة ,وقد استرسلت السيدتين في سرد التجربة في جلسة ليست طويلة،حظيت بها داخل خيمة الاستقبال ونحن نحتسي كؤوس الشاي ،ونطرق بوابة  الأسئلة التي لم ولن تنتهي.
ولعل ما استنتجته من لقائي بهن ,هو أنهن  استطعن رغم ما مررن به أن يبقين أناساً، بكل ما تعنيه الكلمة من حياة وفاعلية، وأن تسرن أبعد من طعم الجمر المغربي الذي بقي في أفواههن.
لكن هل تبدّل أحرف اتفاريتي طعم الجمر ,و هل تذكر الوجع كافي لعودت الأحلام، التي استطاعت السجينة تلوينها بعد الخروج من فم الثعبان ,أم أن ما يحدث لا يعدو كونه محاولة لنبش ما دفن وراء جدار الذل والعار المغربي واصطحابه معنا إلى نور التراب المحرر؟!!
على كل نحاول سرد الوقائع من لحظة إلقاء القبض إلى لحظات إخلاء السبيل بكل ما تحمل المرحلة من أوجاع وأفراح وأماني .
الطريق إلى مكونة
تتذكر المعتقلين محطات الطريق إلى قلعة مكونة ,رغم ما حدث لهن في أقبية التعذيب ومراكز الاستنطاق , فذاكرة المعتقلتين  تختزن من لحظات الألم والفرح الكثير,وتمتد التجربة السجنية امتداد حرب التحرير وتفك القيود مع وقف إطلاق النار,لتستمر المضايقات والتحرش والاستفزاز ,ويعاد تكبيل اليدين وتعذيب الجسد والروح في مرحلة اللاحرب واللاسلم , فبين حكم الحسن الثاني وولي عهده متشابهات كثيرات.
تقول الذكجة وهي تسترجع شريط الذكريات بأنه تم اقتيادها عام 1980 إلى ثكنة عسكرية بمدينة العيون المحتلة ,رفقة عدد كبير من الصحراويين إناث وذكور ,واخضعوا للاستنطاق المصحوب بالتعذيب لمدة تجاوزت الشهر ,حول علاقتهم بالتنظيمات السرية للجبهة الشعبية ,ليتم نقلنهم على متن  طائرة عسكرية إلى سجن درب مولاي الشريف بالدار البيضاء أين قضوا سبعة أشهر وجدوا أمامهم سبعة رجال وخمسة نساء ,ثم إلى سجن اكدز أين قضوا تسعة أشهر ,وفي طريقهم وجدوا مجموعة متكونة من ثلاثة عشر رجل وامرأة واحدة  ,وتم نقل الجميع إلى قلعة مكونة .
ومن أقسي  لحظات الاعتقال تقول الدكجه مرحلة السجن الإنفرادي، وهي تجربة تشاركها في روايتها رفيقتها في سجن قلعة مكونه النجاة،التي  دخلت السجن في العام 1982 بعيد عودتها من فرنسا إلى مدينة الطانطان جنوب المغرب، فلم تمض أسبوعا واحدا مع الأسرة حتى اقتديت مع زوجها إلى الزنازين المغربية ,بتهمة إيواء عناصر من الجبهة الشعبية بفرنسا .
وفي طريقها إلى قلعة مكونة أمضت النجاة عامين وخمسة أشهر في السجن الانفرادي، مع اقتطاع ساعات التنقل من سجن إلى اخر،كما عاشت السجن الانفرادي خلال التحقيق في المفوضية المركزية للشرطة المغربية في أكادير.

نظرة مسروقة
داخل سجون الاحتلال يمنع الكلام والهمس و حتى النظر ,وفي بحثنا عن لحظات فرح وعطف وحنان أو نظرات مسروقة ,أجابت النجاة بعد ارتشافها لكاس  شاي أعدته الدكجة ,لقد استرقت النظر و أنا أرى زوجي لأول مرة  بعد السجن كانت لحظة خاطفة وعاصفة، تقول النجاة " لقد رأيته يقتاد في ممر المفوضية المركزية للشرطة في أكادير، لم يكونوا يعلمون أنه زوجي، لذا مروا به من أمامي، لا أستطيع وصف مشاعري حينها، كانت مزيجا من العطف والحنان، والفخر بصموده .
لغة تواصل
أما الدكجة فتقول أن لحظة الطرافة مرت بها خلال صولها إلى مكونة حيث الزنازن المبنية بالصخور الكبيرة ,وفي غمرة الحيرة قامت معتقلة من مجموعة 1976كانت موجودة هناك قبلها من الاقتراب من الصخور الفاصلة بينهم لتطرقها وتسال بصوت خافت مشبع باللهجة الحسانية: من انتم ,فكان جوابنا تقول الدكجة نحن أهل العيون مع سؤالنا لها من أنتي ,فقالت نحن أهل 1976,ومن قوة التأثير سقطت إحدى الرفيقات أرضا وقالت  الله ما ارحمنا نحن التحقنا بأهل 76.

لحظات قاسية  
تحدثنا  الدكجة عن لحظة قاسية مرت بها ولن تستطيع نسيانها ,فتقول مما علق بذهني ,حالة المعتقلة السالكة محمد الناجم التي  كانت معنا خلال تواجدنا بثكنة عسكرية بالعيون المحتلة وكانت حامل في شهرها  التاسع  ووضعت ,فعمدت السلطات الاستعمارية إلى الذهاب بالمولود دون أن تعرف والدته اهو ذكر أم أنثي ,ومن هول ما حدث فقدت تلك المرأة عقلها  ,وخلال نقلنا من مطار الدار البيضاء نحو اكدز ,قاموا بتكبيلها لوحدها ,ووضعونا في مؤخرة السيارة ,وكانت تلك المرأة تتدحرج بقوة نحو الباب الخلفي كلما صعدت اليسارة مع مرتفع وتعود أدراجها كلما حدث العكس مع صراخ شديد ,وكان لذلك وقع محزن على الرفاق  ,وعند وصولنا إلى اكدز الذي هو عبارة على سجن تحت الأرض ,استعادة تلك الأم عقلها .
ومن اللحظات القاسية كذالك تقول السيدتين بأنهن عشن الرعب وهن يطلعن على الوضع الكارثي لمجموعة 1976التي ن كان من بين عناصرها مرضي وموتى تفوح منهم رائحة التعفن ,وتعمد السلطات المغربية على عدم دفن الموتي قصد التأثير على معنويات المعتقلين والنيل من صمودهم.
وتقول النجاة أنها وبعد سنتين وبضعة أشهر من السجن الانفرادي تم نقلها إلى مجموعة 1976,حيث وجدت الأختين المامية السالك وفاطمة السالكة  وميمونة عبد الله ,وعدد من الشيوخ الكبار والنساء المسنات ,وشاركت في أول إضراب عن الطعام تقوم به المجموعة .


فك القيود  

تقول الدكجة لشكر ما تقول النجاة اخنيبيلة بان  الملل والتعب يغزو كل خلايا الجسد، ومعها تحمل الذاكرة إرثا ثقيلاً،  لكن لا بأس فنحن لم ندخل السجن عبثا، هي الحرية والقضية والوطن والاستقلال ، نعم كل ذلك يستحق القربان، تتسابق الأيام ولكن ليس سريعاً تقترب لحظات الصفر إنها الذروة سنخرج، متى؟ متى ؟ أيام قلائل قبل ضوء الشمس .
فعلا ترى الدكجة ضوء الشمس لتجد الزوج غادر الحياة بعد دخولها السجن بخمسة أعوام، وقبل خروجها منها بستة أعوام،  كانت اللحظة التي علمت فيها مفصلية في حياتي،ولكن شعرت بالفخر لأنه استشهد من أجل الوطن، فأنا مناضلة وسجينة قضية، وأرملة شهيد من اجل نفس القضية .
أما النجاة فقد استعاد حريتها  إلى جانب زوجها إبراهيم ولد بوركعه الذي خرج من السجن هو الآخر وتعيش اليوم مع أطفالها الثلاثة وبنتها الوحيدة، لما خرجت من السجن تقول النجاة كانت بنتي الصغرى قد كبرت، وأصبحت امرأة، لقد اختبروني لحظة خروجي وقدموها لي مع بنات أخريات في سنها لتمييزها من بينهم ، لقد كان شعوري تجاهها خاصا شعرت بانجذاب نحوها بشكل لا أستطيع وصفه ,وغمرتني فرحة لا مثيل لها  .

من قلعة مكونة إلى سلا   
استعادت الرفيقتين الحرية تزامنا مع وقف إطلاق النار ,حيث وضعت الحرب أوزارها إلى اجل غير مسمى ,ولكن الطغيان استمر مع استمرار الاحتلال لتعود الدكجة إلى السجن من جديد ,هذه المرة رفقة ستة نشطاء صحراويين، قاموا بزيارة لمخيمات اللاجئين الصحراويين بالجزائر .
ليتم اختطافهم بطريقة غريبة من على مصعد الطائرة بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء بعد زوال يوم الخميس 8 أكتوبر 2009 وتم تعصيب أعينهم وتكديسهم في ثلاث سيارات مدنية، بعد تشديد الحراسة الأمنية داخل المطار وخارجه ليتم اقتيادهم إلى مكان مجهول، حيث تعرضوا للاستنطاق لمدة ثمانية أيام في زنازين انفرادية وفي وضعية جد مزرية قبل عرضهم على المحكمة العسكرية الدائمة بالرباط بتهمة الخيانة العظمى والتخابر مع جهات أجنبية معادية، ليتم تحويلهم إلى السجن المركزي بسلا.
وتكشف الدكجة لقد نقلونا إلى غرفة تعذيب قريبة من المطار مكثنا بها لمدة ثمانية أيام ,ثم نقلونا إلى المحكمة وكتبوا محاضرهم ,بعد ذالك نقلنا إلى سجن سلا وتم فصلي عن المجموعة ,والزج بي مع أكثر من 100من  سجينات الحق العام المغربيات ,حيث المحذرات والجرائم والصراخ ,وكل أنواع الممنوعات ,وكأنك في مشفى عقلي  .ليتم نقلي إلى السجن الانفراني نصف متر طول وعرض مع وجود مرحاض من ضمن هذه المسافة الضيقة ومكثت شهرين لم أرى خلالها سوى المحامين ,وقد نال مني المرض والإرهاق خاصة بعد تجنيد ادراة السجن لبعض السجينات المغربيات اللائي قمن باستفزازي والصراخ كلما حاولت النوم ,كانت أيام قاسية,ولكن للحرية ثمن .

من الخميس إلى الخميس
وظلت الدكجة عرضت لأبشع الممارسات إلى غاية يوم الخميس 28/01/2010 ,أين استعادت حريتها بشكل مؤقت بعد تدهور وضعها الصحي خاصة النفسي جراء الاستفزاز ومضاعفات الإضراب عن الطعام .
وقد أمر قاضي التحقيق العسكري بالإفراج عنها بناءا على التقرير الطبي الذي أحيل عليه مؤخرا, وستتابع في حالة سراح.

شجاعة نساء
لا تزال النجاة والدكجة وغيرهن من نساء الأرض المحتلة عرضت لمختلف المضايقات والتهديد والوعيد ,خاصة وأنهن أصبحن يجاهرن بمواقفهن من النزاع ويطالبن علنا بتقرير المصير والاستقلال ,وتحمل السيدتين لواء كسر الحصار من خلال زيارة مؤسسات الدولة الصحراوية بشكل دوري ,والمشاركة في مؤتمرات الجبهة وفي  اللقاءات الحقوقية الدولية ,كما يرصدنا انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في حق الصحراويين بمدن جنوب المغرب والمواقع الجامعية .
 ومن حين لآخر تتعرض عائلتي الناشطتين  للتنكيل وسوء المعاملة وفي كل مرة تقتحم مجموعات  كبيرة من مختلف التشكيلات الأمنية المغربية  منازلهن ,وتنهال  أفراده عائلاتهن بالضرب والسب والشتم.
بقلم : المحفوظ الولي السبيدي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...